لماذا يتراجع الجنيه رغم ارتفاع الاحتياطي الدولاري؟.. الطلب على العملة الأجنبية يضغط على سعر الصرف

- ‎فيتقارير

رغم الارتفاع القياسي للاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي المصري، واستمرار تحسن تدفقات تحويلات المصريين العاملين بالخارج، عاد الدولار للصعود أمام الجنيه ليتجاوز حاجز 51 جنيهاً، في مفارقة تطرح تساؤلات حول قدرة الاحتياطي والتدفقات الدولارية على دعم العملة المحلية.

وسجل الدولار في ختام تعاملات الأسبوع نحو 51.14 جنيهاً للشراء و51.27 جنيهاً للبيع لدى البنك المركزي المصري، بينما بلغ في البنك الأهلي المصري وبنك مصر نحو 51.14 جنيهاً للشراء و51.24 جنيهاً للبيع.

وفي البنك التجاري الدولي (CIB)، سجل الدولار نحو 51.17 جنيهاً للشراء و51.27 جنيهاً للبيع، بينما وصل في مصرف أبو ظبي الإسلامي إلى 51.20 جنيهاً للشراء و51.30 جنيهاً للبيع.

وكان الدولار قد ارتفع بنحو 20 قرشاً خلال تعاملات الأربعاء، بعدما سجل في البنك الأهلي وبنك مصر 51.12 جنيهاً للشراء و51.22 جنيهاً للبيع، فيما بلغ في البنك التجاري الدولي نحو 51.10 جنيهاً للشراء و51.20 جنيهاً للبيع، ووصل في مصرف أبو ظبي الإسلامي إلى 51.17 جنيهاً للشراء و51.27 جنيهاً للبيع.

احتياطي قياسي.. وجنيه تحت الضغط

ويأتي صعود الدولار رغم وصول الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى مستوى قياسي بلغ نحو 57.21 مليار دولار بنهاية أغسطس، بزيادة تقارب 921 مليون دولار خلال شهر واحد.

ورغم أن ارتفاع الاحتياطي يعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية وتوفير النقد الأجنبي، فإنه لا يعني بالضرورة تراجع الطلب على الدولار داخل السوق المصرفية، إذ يظل سعر الصرف في ظل نظام أكثر مرونة مرتبطاً بصورة أساسية بتوازنات العرض والطلب وتوقعات المتعاملين.

وتكشف هذه المعادلة عن فارق مهم بين امتلاك البنك المركزي رصيداً مرتفعاً من العملات الأجنبية وبين توافر الدولار بصورة كافية ومستمرة لتلبية الطلب الجاري من جانب المستوردين والشركات والأفراد.

فقد يرتفع الاحتياطي نتيجة تدفقات أو موارد دولارية معينة، بينما تظل السوق في الوقت نفسه تواجه طلباً مرتفعاً على العملة الأجنبية، وهو ما ينعكس على سعر الجنيه.

التحويلات ترتفع.. فلماذا لا يستفيد الجنيه؟

وتزداد المفارقة مع استمرار قوة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي أصبحت من أبرز مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.

لكن ارتفاع التحويلات لا يعني بالضرورة ارتفاع قيمة الجنيه بصورة تلقائية، خصوصاً إذا تزامن تدفق الدولار مع زيادة الطلب عليه لتغطية فاتورة الواردات أو سداد الالتزامات الخارجية للشركات، إلى جانب احتياجات المستثمرين والمستوردين من العملة الأجنبية.

كما يمكن أن تتأثر حركة سعر الصرف بتغير طبيعة التدفقات الداخلة إلى الاقتصاد، ومدى استدامتها، إضافة إلى حركة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية، التي تعرف بـ"الأموال الساخنة"، وتتميز بسرعة الدخول والخروج مقارنة بالاستثمارات المباشرة.

وبالتالي، فإن ارتفاع الاحتياطي والتحويلات يوفران دعماً مهماً للمركز الخارجي لمصر، لكنهما لا يضمنان وحدهما استقرار سعر الجنيه على المدى القصير.

"الأموال الساخنة" تحت ضغط المخاطر

وتلعب توقعات المستثمرين دوراً مهماً في تحديد اتجاه سعر الصرف، خصوصاً مع اعتماد جزء من التدفقات الأجنبية على الاستثمار في أدوات الدين المحلية.

فالمستثمر الأجنبي لا ينظر فقط إلى سعر الفائدة المرتفع على الأصول المقومة بالجنيه، وإنما يحسب العائد الفعلي بالدولار بعد وضع احتمالات انخفاض قيمة العملة في الاعتبار.

ومع ارتفاع الدولار من مستويات أقل من 50 جنيهاً في يونيو إلى ما يزيد على 51 جنيهاً، فإن أي انخفاض إضافي في قيمة الجنيه يمكن أن يقلص العائد الدولاري المتوقع للمستثمر، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى زيادة التحوط أو تقليل تدفقات جديدة إلى أدوات الدين المصرية.

وتزداد حساسية هذه الاستثمارات مع ارتفاع عوائد السندات في الاقتصادات الكبرى، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، ما يجعل المستثمر أمام مفاضلة بين العائد المرتفع في الأسواق الناشئة والمخاطر المرتبطة بالعملة والاستقرار الاقتصادي.

النفط والتوترات الإقليمية يزيدان الضغوط

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة وارتفاع أسعار النفط، وهي عوامل تمثل ضغطاً إضافياً على الدول المستوردة للطاقة.

وبالنسبة لمصر، فإن ارتفاع تكلفة استيراد النفط والغاز يعني زيادة الحاجة إلى الدولار لتمويل الواردات، وهو ما يمكن أن يرفع الطلب على العملة الأجنبية ويضغط على سعر الجنيه، حتى في ظل ارتفاع الاحتياطي.

كما أن تراجع إنتاج الغاز المحلي خلال الفترة الأخيرة زاد من الحاجة إلى الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية، ما يضيف أعباء جديدة على موارد النقد الأجنبي.

ضغوط موسمية على الطلب

ولا تتوقف الضغوط عند العوامل الخارجية، إذ تشهد السوق المصرية في بعض الفترات ارتفاعاً موسمياً في الطلب على الدولار مع عودة النشاط الاقتصادي وزيادة احتياجات الشركات والمستوردين من النقد الأجنبي.

ويتزامن ذلك مع ارتفاع الطلب على السلع ومدخلات الإنتاج والخدمات، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الطلب على العملة الأجنبية في وقت قصير، بما ينعكس على سعر الصرف.

ومن ثم، فإن حركة الجنيه لا يمكن تفسيرها من خلال رقم الاحتياطي وحده، وإنما من خلال العلاقة بين حجم التدفقات الدولارية وحجم الطلب عليها وتوقيت دخولها وخروجها من السوق.

هل يتجاوز الدولار 51 جنيهاً مؤقتاً؟

ويرى محللون أن ارتفاع الاحتياطي وتحسن تحويلات المصريين بالخارج يظلان عاملين إيجابيين بالنسبة إلى الاقتصاد المصري، لكن تأثيرهما على سعر الصرف لا يكون بالضرورة فورياً.

فاستقرار الجنيه على المدى المتوسط يتطلب استمرار تدفقات النقد الأجنبي من مصادر مستدامة، وفي مقدمتها تحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة، والاستثمار الأجنبي المباشر، إلى جانب قدرة الاقتصاد على زيادة الصادرات وتقليص الاعتماد على الواردات.

كما تبقى حركة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين شديدة الحساسية لمسار أسعار الفائدة العالمية وتوقعات سعر الصرف، بينما يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط أو تصاعد التوترات الإقليمية إلى زيادة الطلب على الدولار.

وبذلك، فإن تجاوز الدولار مستوى 51 جنيهاً لا يمثل بالضرورة تناقضاً مع ارتفاع الاحتياطي الأجنبي، بقدر ما يعكس تعقيد سوق الصرف؛ فالاحتياطي يمنح الاقتصاد وسادة أمان وقدرة أكبر على توفير النقد الأجنبي، لكنه لا يلغي قوى العرض والطلب أو مخاطر خروج رؤوس الأموال أو ارتفاع فاتورة الاستيراد.

وتبقى المعادلة الأهم أمام الاقتصاد المصري هي مدى قدرة التدفقات الدولارية المستدامة على تجاوز الطلب المتزايد على العملة الأجنبية، إذ إن استمرار الفجوة بين الاثنين قد يبقي الجنيه تحت الضغط حتى مع وصول الاحتياطي إلى مستويات قياسية.