المواطن المصري هو من يَصْرِفُ على الحكومة.. واقعة مدرسة كفر الجزار تفتح ملف تمويل الخدمات العامة

- ‎فيتقارير

أثارت جولة مفاجئة لمحافظ القليوبية المهندس حسام عبد الفتاح، على مدرسة الشهيد أحمد سمير بمنطقة كفر الجزار التابعة لإدارة بنها التعليمية، جدلاً واسعاً، بعدما تحولت ملاحظات المحافظ على جاهزية المدرسة إلى مواجهة مباشرة مع مديرة المدرسة صالحة أبو الفضل، التي أكدت أنها اضطرت إلى تحمل نفقات إدخال الكهرباء والمياه إلى المدرسة من مالها الخاص.

وخلال الجولة، انتقد المحافظ مستوى جاهزية المدرسة، لترد المديرة بأنها تسلمت المبنى من دون مرافق أساسية، وأنها تكفلت بإدخال الكهرباء والمياه على نفقتها الخاصة، قبل أن تعرض مستندات وفواتير قالت إنها تثبت ما أنفقته.

وبحسب رواية الواقعة المتداولة، دار حوار بين المحافظ ومديرة المدرسة، بعدما تساءل عن كيفية تحملها تلك النفقات، فردت بأنها تسلمت المبنى بلا مرافق واضطرت إلى الدفع من حسابها الخاص، ليرد المحافظ بعبارة أثارت انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً: "ماتفهمنيش إنك بتصرفي على الدولة يا أستاذة".

المديرة، وفقاً للرواية، لم تتراجع عن أقوالها، بل قدمت المستندات التي قالت إنها تثبت تحملها تكلفة تجهيز المرافق، وهو ما نقل الواقعة من مجرد ملاحظة على مستوى تجهيز مدرسة إلى نقاش أوسع حول طريقة تعامل الأجهزة التنفيذية مع العاملين في المؤسسات الحكومية، ومن يتحمل فعلياً تكلفة سد فجوات الإنفاق عندما تتأخر المخصصات أو لا تصل في الوقت المناسب.

من يدفع تكلفة الخدمات العامة؟

بعيداً عن تفاصيل الواقعة وما إذا كانت المستندات المقدمة ستخضع لمراجعة الجهات المختصة، فإن المشهد يعيد طرح سؤال أوسع: من أين تأتي الأموال التي تمول بها الدولة مدارسها ومستشفياتها ومرافقها وخدماتها؟

الإجابة تظهر بوضوح في أرقام الموازنة العامة.

فوفق بيانات الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2025/2026، تستهدف الحكومة تحصيل نحو 2.6 تريليون جنيه من الإيرادات الضريبية، من إجمالي إيرادات متوقعة تقارب 3.1 تريليون جنيه، بما يجعل الضرائب المصدر الرئيسي لإيرادات الخزانة العامة.

وهذه الأموال في النهاية تأتي من النشاط الاقتصادي للمواطنين والشركات، وتشمل ضرائب القيمة المضافة التي يتحمل المستهلك جانباً كبيراً منها عند شراء السلع والخدمات، وضرائب الأجور والمرتبات، إلى جانب الضرائب العقارية والجمركية وغيرها من الموارد والرسوم التي تحصلها الدولة.

كما يدفع المواطن رسوماً مقابل عدد كبير من الخدمات والمعاملات الحكومية، بداية من استخراج الأوراق الرسمية وحتى الحصول على خدمات مختلفة تقدمها مؤسسات الدولة.

وبالتالي، فإن العلاقة بين المواطن والدولة لا تقوم على أن الحكومة تمنح المواطن الخدمات من أموال منفصلة عن المجتمع، وإنما على إدارة موارد عامة يجري تحصيل جانب أساسي منها من المواطنين والنشاط الاقتصادي داخل البلاد.

المسؤول ليس متفضلاً على المواطن

من هنا، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بعبارة قيلت خلال جولة تفقدية، وإنما بطريقة النظر إلى الموظف والمواطن على حد سواء.

فالمعلم ومدير المدرسة والطبيب والموظف الحكومي يعملون داخل مؤسسات تمولها الموازنة العامة، وأي قصور في التمويل أو الصيانة أو توفير المستلزمات لا ينبغي أن يتحول إلى مسؤولية شخصية يتحملها العاملون من دخولهم الخاصة، كما لا ينبغي أن يصبح الموظف هو الحلقة الأضعف التي تتحمل نتيجة عجز الإدارة عن توفير الاحتياجات الأساسية لمكان العمل.

وفي المقابل، فإن أي إنفاق شخصي من جانب موظف حكومي على مرفق عام يجب أن يكون موثقاً وخاضعاً للمراجعة المالية والقانونية، بما يحفظ حق الموظف إذا ثبت إنفاقه بالفعل، ويحمي المال العام في الوقت نفسه.

بين الاستعراض والمحاسبة

وتفتح الواقعة أيضاً ملفاً آخر يتعلق بطريقة إجراء الجولات المفاجئة للمسؤولين التنفيذيين.

فالمتابعة الميدانية للمدارس والمستشفيات والمصالح الحكومية أمر ضروري، لكن الهدف منها يفترض أن يكون اكتشاف أوجه القصور ومعالجتها، وليس الاكتفاء بتوجيه اللوم أمام الكاميرات أو تحميل العاملين مسؤولية مشكلات قد تكون مرتبطة بضعف الصيانة أو تأخر المخصصات أو غياب الإمكانيات.

المحاسبة الحقيقية تبدأ من معرفة أسباب الخلل: من المسؤول عن تسليم مدرسة بلا مرافق؟ ولماذا لم تتوافر المخصصات اللازمة في الوقت المناسب؟ وهل جرى إنفاق أموال من جانب مديرة المدرسة بالفعل؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تم ردها أو تسويتها وفق الإجراءات المالية والقانونية؟

هذه الأسئلة أهم من أي مواجهة عابرة أمام الكاميرات، لأنها تكشف المسؤول عن الخلل وتمنع تكراره.

وفي النهاية، فإن احترام المواطن والموظف العام لا يتعارض مع المحاسبة، بل هو شرط لها، فالمسؤول التنفيذي مؤتمن على المال العام وعلى إدارة مؤسسات تقدم خدمات للمواطنين، وليس مالكاً لهذه المؤسسات أو متفضلاً بخدماتها على من يمولونها بالضرائب والرسوم.

أما العاملون الذين يواجهون نقص الإمكانيات يومياً، فإن تكريمهم الحقيقي لا يكون بالكلمات، ولا بإحراجهم أمام الكاميرات، وإنما بتوفير الموارد التي يحتاجون إليها، ومحاسبة المسؤول عن أي تقصير إداري أو مالي، وحماية كل موظف يلتزم بالقانون ويحاول أداء عمله في ظروف صعبة.