بدأت حكومة الانقلاب التحرك بصورة أكثر وضوحًا تجاه أزمة تعثر المطورين العقاريين وتأخر تسليم الوحدات للحاجزين، بعد أن كشفت نتائج أولية لحصر المشروعات الجاري تنفيذها عن وجود نحو 450 مطورًا متعثرًا، من بين قرابة 15 ألف مشروع أو مرحلة تخضع للحصر والمتابعة.
وبحسب البيانات الأولية، فإن نحو 3% من المشروعات الجاري تنفيذها تواجه تأخرًا في التسليم، وهي نسبة قد تبدو محدودة في ظاهرها، إلا أن استمرار أعمال الحصر قد يكشف عن حجم أكبر للمشكلة، خصوصًا في ظل غياب قاعدة بيانات شاملة ومحدثة ترصد بصورة دورية معدلات التنفيذ والتأخير والتعثر والإلغاءات في السوق العقارية.
وتكتسب عملية الحصر أهمية خاصة؛ لأن جانبًا كبيرًا من النقاش حول أداء القطاع العقاري في مصر يعتمد على تقديرات وأرقام صادرة عن منصات وشركات عاملة في السوق، وليس بالضرورة على بيانات رسمية شاملة يمكن من خلالها قياس حجم القطاع ومشكلاته بصورة دقيقة.
3 مسارات لإنقاذ المشروعات المتعثرة
وجاءت عملية الحصر عقب توجيه من عبد الفتاح السيسي بتشكيل لجنة لمتابعة المشروعات العقارية والتأكد من التزام الشركات بمواعيد التسليم واحترام العقود المبرمة مع المشترين، مع اتخاذ الإجراءات تجاه المخالفين.
ووفق مصدر بوزارة الإسكان، تدرس الحكومة ثلاثة مسارات للتعامل مع المشروعات المتعثرة، بحسب طبيعة كل حالة ومدى إمكانية استكمالها.
المسار الأول يتمثل في السماح بدخول مستثمر جديد في شراكة مع المطور المتعثر لاستكمال المشروع، على أن تحدد حصص كل طرف وفق حجم مساهمته في عملية الإنقاذ والتنفيذ.
أما المسار الثاني فيتمثل في سحب الأرض من المطور الذي يثبت عدم توجيهه أموال المشروع إلى أعمال البناء والتنفيذ وتسليم الوحدات، ثم إعادة طرح الأرض أمام مستثمر جديد يمتلك القدرة المالية والفنية على استكمال المشروع.
بينما يتمثل المسار الثالث في دخول هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة شريكًا في بعض المشروعات التي ترى الحكومة أن لديها جدوى اقتصادية ويمكن إنقاذها بدلًا من تركها متعثرة.
ويبدو أن الحكومة تتجه إلى استخدام المسارات الثلاثة بصورة انتقائية، بحيث يحدد وضع كل مشروع والموقف المالي للمطور الخيار الأنسب للتعامل معه.
بين إنقاذ المتعثرين وإعادة تشكيل السوق
وبالتزامن مع بحث أزمة تأخر التسليم، تعمل الحكومة على تغيير قواعد تخصيص الأراضي الاستثمارية، من خلال منظومة جديدة تشترط سداد مقدم الحجز كاملًا عند التقدم للحصول على الأرض.
وتقول وزارة الإسكان إن الهدف من هذا الإجراء هو التأكد من جدية الشركات وقدرتها المالية منذ البداية، إلا أن بعض العاملين في القطاع يحذرون من أن رفع تكلفة الدخول إلى السوق قد يضغط بصورة أكبر على المطورين الصغار والمتوسطين، ويدفع نحو زيادة تركّز النشاط في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى التي تتمتع بملاءة مالية مرتفعة.
وقد ينعكس هذا التركّز في النهاية على مستوى المنافسة وأسعار الوحدات، خصوصًا إذا تراجعت قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الحصول على الأراضي وبدء مشروعات جديدة.
وفي المقابل، تتزامن هذه الخطوة مع قرار خفض الفائدة على أقساط أراضي المطورين إلى 12% لمدة عام، في إجراء تقول الحكومة إنه يستهدف تخفيف أعباء التمويل وتسريع معدلات التنفيذ.
ويبدو للوهلة الأولى أن الإجراءين يسيران في اتجاهين مختلفين، لكن جمعهما معًا قد يشير إلى محاولة لإعادة ترتيب السوق على أساس القدرة المالية للمطور منذ البداية: دعم الشركات التي تمتلك مشروعات قابلة للاستمرار، وفي الوقت نفسه الحد من دخول مطورين لا يمتلكون القدرة الكافية على تمويل مشروعاتهم.
هل دفع مقدم الأرض يضمن القدرة على البناء؟
تبدو فكرة التأكد من الملاءة المالية للمطور منطقية في حد ذاتها، لكن القدرة على سداد مقدم الأرض لا تعني بالضرورة القدرة على تنفيذ مشروع عقاري ضخم وتسليم آلاف الوحدات في المواعيد المحددة.
فالمطور قد يتمكن من توفير مقدم الحجز، بينما يعجز لاحقًا عن تمويل الأعمال الإنشائية، أو يواجه ارتفاعًا حادًا في تكلفة مواد البناء أو التمويل أو العمالة، أو يلجأ إلى استخدام حصيلة مبيعات مشروع قائم في شراء أراضٍ جديدة وبدء مشروعات أخرى.
ومن هنا، فإن اختبار قدرة المطور يجب ألا يتوقف عند لحظة تخصيص الأرض، بل يمتد طوال دورة المشروع، بدءًا من مصادر التمويل، مرورًا بنسب التنفيذ، وصولًا إلى التسليم الفعلي للمشترين.
ليس كل متعثر «محتالًا»
وتحتاج الحكومة في التعامل مع أزمة التعثر إلى التمييز بين الحالات المختلفة، لأن وضع جميع المطورين المتأخرين في خانة واحدة باعتبارهم مسئولين عن تعمد الإضرار بالحاجزين قد يكون تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا.
فالقطاع العقاري تعرض خلال السنوات الماضية لضغوط كبيرة نتيجة انخفاض قيمة العملة، وارتفاع أسعار مواد البناء وتكاليف التشغيل والتمويل، وهي عوامل يمكن أن تؤدي إلى تعثر شركات رغم وجود مشروعات حقيقية على الأرض.
وفي هذه الحالات، قد يكون إنقاذ المشروع من خلال التمويل أو الشراكة أو إعادة جدولة الالتزامات أكثر فائدة للمشتري وللسوق من تصفية الشركة وترك مشروعها متوقفًا.
لكن الوضع يختلف جذريًا عندما يتبين أن المطور باع وحدات على الورق، ثم استخدم حصيلة المبيعات في شراء أراضٍ جديدة أو إطلاق مشروعات أخرى بدلًا من تنفيذ المشروع الذي دفع المشترون أموالهم من أجله.
وهنا يصبح سحب الأرض أو إدخال شريك جديد أو فرض جدول زمني ملزم للتنفيذ ضرورة لحماية الحاجزين ومنع استمرار النموذج نفسه.
أموال المشترين تحتاج إلى حماية مستقلة
ومن أهم الإجراءات التي يمكن أن تساعد في معالجة أصل المشكلة، إنشاء حساب مستقل لكل مشروع عقاري، بحيث تودع فيه مقدمات وأقساط المشترين، ولا يتم الصرف منه إلا وفق نسب التنفيذ الفعلية للمشروع وبعد مراجعتها من جهة مستقلة.
وتسمح هذه الآلية بمنع استخدام مقدمات المشترين في مشروع لتمويل شراء أرض أو إطلاق مشروع آخر، كما تربط التدفقات النقدية مباشرة بالتقدم الإنشائي.
وتطبق بعض الأسواق العقارية، ومنها دبي، نماذج لحسابات الضمان وربط عمليات الصرف بمراحل الإنجاز، وهو ما يمكن الاستفادة منه عند تصميم آلية مصرية تدريجية تراعي أوضاع المشروعات القائمة بالفعل.
والأهم أن تطبيق مثل هذه الآلية يجب ألا يقتصر على المشروعات الجديدة فقط، بل يمكن وضع ترتيبات انتقالية للمشروعات القائمة، بما يضمن حماية حقوق المشترين دون التسبب في شلل مفاجئ للسوق.
الدعم الحكومي يجب أن يكون مشروطًا بالتسليم
إذا كانت الدولة ستقدم دعمًا للمطورين العقاريين، سواء من خلال خفض تكلفة التمويل أو تخفيف أعباء أقساط الأراضي أو غير ذلك من التيسيرات، فإن هذا الدعم ينبغي أن يرتبط بصورة مباشرة بمعدلات الإنجاز والتسليم.
بمعنى آخر، لا ينبغي أن يحصل المطور على التيسيرات باعتبارها دعمًا مفتوحًا، وإنما مقابل التزام واضح بجدول زمني يمكن قياسه ومحاسبته عليه.
فكلما ارتفعت نسبة التنفيذ والتسليم، زادت قدرة الشركة على الاستفادة من التيسيرات، بينما يمكن وقفها أو إعادة تقييمها في حالة عدم الالتزام.
البيانات الغائبة.. نصف المشكلة
وتبقى جودة البيانات واحدة من أهم نقاط الضعف في إدارة السوق العقارية المصرية.
فالحاجة لا تقتصر على حصر عدد المطورين المتعثرين، وإنما تمتد إلى إنشاء قاعدة بيانات دورية وشفافة توضح عدد المشروعات الجاري تنفيذها، ونسب الإنجاز، ومواعيد التسليم، وحالات التأخير، وحالات الإلغاء أو التوقف، وعدد الوحدات المباعة وغير المسلمة.
كما يجب إلزام المطورين بجداول تسليم واضحة وقابلة للمحاسبة، وربط أي تيسيرات حكومية باستكمال الوحدات المباعة أولًا قبل التوسع في إطلاق مشروعات جديدة.
ومن شأن هذه البيانات أن تمنح المشتري القدرة على اتخاذ قرار أكثر وعيًا قبل حجز الوحدة، بدلًا من الاعتماد على الإعلانات والوعود التسويقية فقط.
تصحيح السوق أم إنقاذ المطورين؟
وراء أزمة التعثر العقاري مشكلة أكبر تتعلق بتضخم السوق خلال السنوات الماضية، وتوسع بعض الشركات في شراء الأراضي وإطلاق مشروعات متتالية اعتمادًا على تدفقات المبيعات المستقبلية.
ولهذا فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تتحول إلى محاولة دائمة للحفاظ على ارتفاع الأسعار والأرباح، لأن إنقاذ المطورين وحدهم قد يعني إعادة إنتاج الظروف التي أدت إلى الأزمة.
المطلوب هو هبوط وتصحيح تدريجي للسوق، يسمح بإعادة ضبط الأسعار والتوسع والديون بأقل تكلفة ممكنة على المشترين والعمال والبنوك والشركات الجادة.
فالهدف الحقيقي ليس حماية نموذج قائم على التوسع المستمر بأي ثمن، وإنما بناء سوق عقارية أكثر انضباطًا، تكون فيه حقوق المشتري جزءًا أساسيًا من معادلة الاستثمار.
وفي النهاية، فإن ظهور نحو 450 مطورًا متعثرًا في الحصر الأولي لا يعني بالضرورة أن القطاع بأكمله يواجه الانهيار، لكنه يكشف عن حاجة ملحة إلى الانتقال من التعامل مع التعثر بعد وقوعه إلى نظام وقائي يمنع انتقال الأزمة من مشروع إلى آخر.
والفارق بين إنقاذ القطاع وإنقاذ المطورين هو أن الأول يحمي السوق والمشترين والشركات الجادة، بينما قد يؤدي الثاني إلى تأجيل المشكلة وإعادة إنتاجها بصورة أكبر في المستقبل.