أعاد خبراء الأمم المتحدة فتح ملف الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الأمن المصرية خلال عمليات مكافحة "الإرهاب" في شمال سيناء، عبر مراسلة رسمية وجهها 13 من أصحاب الولايات الخاصة إلى حكومة السيسي في 13 يوليو 2026، قبل أن تُنشر الوثيقة على قاعدة بيانات الإجراءات الخاصة التابعة لمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في 11 سبتمبر.
وتأتي المراسلة في إطار متابعة أوسع لتعامل الأمم المتحدة مع قوانين وسياسات وممارسات مكافحة "الإرهاب" في مصر، بعدما قال الخبراء إنهم أرسلوا إلى حكومة السيسي نحو 60 مراسلة خلال السنوات الأربع عشرة الماضية بشأن مخاوف متكررة تتعلق بتوافق تلك الإجراءات مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
https://x.com/Sinaifhr/status/2103484513439330310
وتشير الوثيقة إلى أن المراسلة الأخيرة ليست شكوى منفردة بشأن واقعة بعينها، وإنما مراجعة تراكمية للمخاوف التي سبق أن أثارتها الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة منذ عام 2012، إلى جانب ما ورد في ردود حكومة السيسي على تلك المراسلات.
ويغطي الخطاب مجموعة واسعة من القضايا، بينها تعريف الجرائم الإرهابية، الاعتقال والاحتجاز السابق للمحاكمة، الاختفاء القسري، التعذيب، الإعدامات، حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، استقلال القضاء، أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن الانتهاكات التي تقول المعلومات الواردة إلى الخبراء إنها وقعت في شمال سيناء.
ماذا قال الخبراء الأمميون عن شمال سيناء؟
في الجزء المتعلق بشمال سيناء، خصص الخبراء توصية مستقلة للانتهاكات الخطيرة، بما في ذلك القتل خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والتهجير القسري، وتدمير الممتلكات، وغيرها من الانتهاكات.
وطالبوا مصر بإجراء تحقيق مستقل في التقارير المتعلقة بوجود مقابر جماعية، وتحديد هويات الضحايا، والتعامل مع رفاتهم بطريقة تحفظ كرامتهم، وإخطار عائلاتهم، وضمان محاسبة المسؤولين، كما طالبوا بالتحقيق في حالات الاختفاء والوفيات غير المفسرة، والكشف عن أماكن الاحتجاز، وتسجيل المحتجزين في شمال سيناء وضمان وصولهم إلى المحامين وأسرهم وعرضهم سريعًا على سلطة قضائية.
ولم تقتصر المطالب على المقابر الجماعية، إذ دعا الخبراء إلى التحقيق في جرائم التعذيب وتدمير الممتلكات والاستيلاء عليها، والتهجير القسري، والقيود على الحركة، والتدخل في الحق في التعليم وحقوق الأطفال والحقوق الثقافية.
وبالنظر إلى حجم الانتهاكات المزعومة، خلص أصحاب الولايات إلى أن هناك حاجة إلى تحقيق مستقل وشامل وآلية للمساءلة تتناول مختلف جوانب النزاع في شمال سيناء، إلى جانب إصلاح قوانين مكافحة الإرهاب والأمن والطوارئ والإجراءات المرتبطة بها بما يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وتكتسب الإشارة إلى المقابر الجماعية أهمية خاصة لأنها امتداد لمراسلة أممية سابقة، هي AL EGY 1/2026، أُرسلت إلى حكومة السيسي في 15 أبريل 2026، وفي تلك المراسلة، قال خبراء أمميون: "إن المعلومات التي تلقوها تضمنت ادعاءات بشأن موقع دفن جماعي في شمال سيناء يحتوي على رفات يُقدّر عدد أصحابها بنحو 300 شخص، إلى جانب القتل غير القانوني والاعتقالات الجماعية والاختفاء القسري والاحتجاز السري والتعذيب وتدمير الممتلكات والتهجير وفرض قيود شديدة على الحركة".
وقال الخبراء: "إن هذه الانتهاكات، إذا ثبتت، قد ترقى إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك احتمال ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".
وكانت تلك المراسلة الأولى قد استندت، بحسب المنظمات الحقوقية التي أعلنت عنها، إلى معلومات قدمتها مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، مع تركيز على بحث أجرته مؤسسة سيناء بالتعاون مع Forensic Architecture ونُشر في سبتمبر 2025، وقالت المنظمات: "إن البحث حدد موقع مقبرة جماعية في منطقة صحراوية على مسافة تقارب 20 كيلومترًا جنوب العريش، داخل منطقة عسكرية مغلقة أمام المدنيين منذ عام 2014".
لماذا عادت الأمم المتحدة إلى الملف في يوليو؟
مراسلة 13 يوليو تبدو، من حيث نطاقها، أوسع من مراسلة أبريل الخاصة بالانتهاكات في شمال سيناء، فقاعدة بيانات مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان تسجلها تحت المرجع EGY 3/2026، وتصفها بأنها متابعة للتواصل مع حكومة السيسي منذ عام 2012 بشأن الآثار الحقوقية لقوانين وسياسات وممارسات مكافحة الإرهاب، وتقول القاعدة الأممية: "إن الخبراء أرسلوا خلال 14 عامًا نحو 60 مراسلة أثارت مخاوف متكررة بشأن عدم اتساق بعض تدابير مكافحة الإرهاب المصرية مع القانون الدولي لحقوق الإنسان".
وفي نهاية المراسلة، دعا الخبراء حكومة السيسي أيضًا إلى توجيه دعوة إلى المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب للقيام بزيارة متابعة رسمية إلى مصر.
وتكتسب هذه الدعوة بعدًا رمزيًا وعمليًا، لأن المقرر الخاص زار مصر بالفعل في أبريل 2009، في مهمة تناولت، من بين أمور أخرى، الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب وحالة الطوارئ، وكان تقرير تلك الزيارة قد أشار إلى رغبة المقرر في القيام بزيارة ثانية تشمل أماكن الاحتجاز ومتابعة الإجراءات القضائية، وهي زيارة لم تتم آنذاك.
كيف تلقّت المنظمات الحقوقية المصرية المراسلة؟
جاء تفاعل المنظمات الحقوقية المصرية معها في اتجاه الترحيب بالتحرك الأممي والدعوة إلى تحويل التوصيات إلى إجراءات تحقيق ومساءلة، فقد نشرت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان في 16 سبتمبر بيانًا رحبت فيه بإعادة الخبراء الأمميين طرح المخاوف المتعلقة باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب في مصر، ولفتت إلى أن عددًا من المراسلات الأممية السابقة استند إلى معلومات موثقة قدمتها الجبهة إلى أصحاب الولايات المعنية، كما أبرزت تحديدًا توصية التحقيق المستقل في المقابر الجماعية والانتهاكات المزعومة في شمال سيناء.
وقبل ذلك، وفي يوليو، أصدرت الجبهة المصرية ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومؤسسة سيناء لحقوق الإنسان موقفًا مشتركًا بشأن مراسلة AL EGY 1/2026، اعتبرت فيه أن طلب الأمم المتحدة التحقيق في دفن أكثر من 300 جثمان في مقبرة جماعية يمثل استجابة لمعلومات ووثائق قدمتها منظمات حقوقية. وأشارت تلك المنظمات إلى أن الخبراء الأمميين طلبوا من الحكومة معلومات تفصيلية بشأن التحقيقات في المقبرة، وآليات تحديد هوية الضحايا وإخطار أسرهم، ومصير المختفين قسريًا، والوفيات أثناء الاحتجاز، والتعذيب، والتهجير، وتدمير المنازل والأراضي الزراعية، وقيود وصول الصحفيين والمراقبين والمنظمات الحقوقية إلى شمال سيناء.
ما الأثر الفعلي للمراسلة الأممية؟
من الناحية القانونية، ينبغي عدم وصف ما حدث بأنه «قرار أممي» أو «إدانة صادرة عن الأمم المتحدة» بالمعنى الذي ينطبق على قرار صادر عن مجلس حقوق الإنسان أو هيئة قضائية دولية، الوثيقتان هما مراسلتان صادرتان عن أصحاب ولايات ضمن الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان. وتكمن أهميتهما في أنهما توثقان رسميًا أن معلومات محددة وصلت إلى خبراء أمميين، وأن هؤلاء الخبراء طلبوا من حكومة السيسي الرد عليها واتخاذ إجراءات محددة.
أما الأثر السياسي والحقوقي، فيتمثل في نقل الادعاءات من نطاق تقارير المنظمات غير الحكومية إلى سجل رسمي لإحدى آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وإتاحة مطالب محددة يمكن متابعتها لاحقًا، مثل التحقيق المستقل، تحديد هوية الضحايا، الكشف عن مصير المختفين، ومراجعة قوانين مكافحة الإرهاب، والسماح بزيارة المقرر الخاص. كما أن نشر المراسلة بعد توجيهها إلى الحكومة يجعل مضمونها متاحًا علنًا أمام هيئات الأمم المتحدة والدول والمنظمات الحقوقية والباحثين، وتظهر قاعدة بيانات الأمم المتحدة أن حكومة السيسي سجل لها رد في بعض المراسلات السابقة، بينما تشير المراسلة الجديدة إلى أن الحكومة ردت على نحو ثلث الاتصالات الستين السابقة فقط، وأن الخبراء رأوا أن بعض الردود لم تعالج بالكامل المخاوف البنيوية أو النظامية التي أثاروها.
هل للمراسلة سابقة؟
نعم، وللموضوع نفسه سابقة مباشرة داخل الملف المصري. ففي عام 2009 زار المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب مصر رسميًا، ثم أصدر تقريرًا إلى مجلس حقوق الإنسان تناول فيه الإطار القانوني لمكافحة الإرهاب وحالة الطوارئ، كما أشار التقرير صراحة إلى أن الزيارة الأولى لم تُستكمل بزيارة ثانية كان يفترض أن تشمل أماكن الاحتجاز ومراقبة إجراءات المحاكمات المرتبطة بالإرهاب.
وتظهر أيضًا سابقة مهمة في طريقة عمل هذه الآلية نفسها: فمكتب الأمم المتحدة ينشر مراسلات أصحاب الولايات والردود الحكومية عليها ضمن قاعدة بيانات الإجراءات الخاصة، وتوجد تقارير متابعة مخصصة لتقييم تنفيذ توصيات الزيارات القطرية السابقة، ومن ثم فإن الدعوة الحالية إلى زيارة متابعة لمصر ليست إنشاءً لآلية جديدة، وإنما إعادة تفعيل لمسار كان قد بدأ بزيارة 2009 ولم يُستكمل وفق ما وثقه تقرير المقرر الخاص آنذاك.
وتكشف الوثائق الأممية والمنظمات الحقوقية عن نطاق واسع من الانتهاكات التي يُزعم وقوعها في شمال سيناء منذ تصاعد العمليات العسكرية عام 2012-2013، وتقول الأمم المتحدة: "إن المعلومات التي تلقتها تتضمن القتل غير القانوني، والإخفاء القسري، والاحتجاز السري والتعسفي، والتعذيب، والتهجير القسري وتدمير الممتلكات، إلى جانب اكتشاف مقبرة جماعية يُقدَّر أن رفات أكثر من 300 شخص قد دُفنت فيها".
وتفيد المعلومات التي استند إليها الخبراء بأن سطح الموقع كان يحتوي على ما لا يقل عن 36 جمجمة بشرية وعظام مكشوفة، فيما ظهرت على بعض الرفات مؤشرات على التقييد أو تعصيب العينين، وفي ملف القتل خارج نطاق القضاء تحديدًا، تشير معلومات قدمتها منظمات حقوقية إلى أن القوات المسلحة المصرية أعلنت مقتل 5,053 شخصًا وصفتهم بـ«العناصر الإرهابية» بين عامي 2013 و2022.
بينما قُدّر حجم الجماعات المسلحة في سيناء خلال الفترة نفسها بنحو 1,000 إلى 1,500 مقاتل؛ وترى تلك المنظمات أن الفارق بين الرقمين يثير تساؤلات بشأن احتمال وجود مدنيين بين القتلى، وهي نقطة طلب الخبراء الأمميون التحقيق فيها. كما سجلت مراسلة الأمم المتحدة 162,301 ضحية مزعومة في خانة بيانات الضحايا، لكن هذا الرقم لا يعني أن الأمم المتحدة تحققت من مقتل أو اختفاء 162 ألف شخص؛ إذ يتضمن الرقم تصنيفًا واسعًا للأشخاص المتأثرين بالمزاعم، بينهم نحو 150 ألفًا من أبناء المجتمعات البدوية و12 ألف أسرة، ولذلك لا ينبغي تقديمه باعتباره حصيلة للقتلى أو المختفين.