جرائم عصابة العسكر لم تعد تقتصر على القتل والتصفية الجسدية واعتقال مئات الآلاف لمجرد معارضة ورفض الانقلاب الدموى بل تطول هذه الجرائم كل المصريين حتى الأطفال الصغار فى مراحل التعليم الابتدائى حيث تعمل العصابة على تدمير عقولهم وطمس هويتهم عبر ما تسميه المناهج الجديدة التى تزعم أنها تستفيد فيها بالخبرة اليابانية فى حين أنها تعمل على تعجيز الصغار وإغراق الأسر فى مستنقع الدروس الخصوصية والهدف فى النهاية إلغاء مجانية التعليم بحسب وصفة صندوق النقد والبنك الدولى .
المناهج الجديدة حوّلت منازل أسر أطفال المرحلة الابتدائية إلى غرف عمليات ، تتقاطع فيها صرخات أمهات عاجزات أمام مناهج جائرة، مع أنين معلمين يركضون داخل فصول مزدحمة لاهثين خلف خريطة زمنية صماء دون تأهيل مسبق، فى الوقت الذى تقف فيه منظومة التعليم أمام مفترق طرق بين ميزانيات مرصودة وأزمات هيكلية عاصفة، وترتفع أصوات الخبراء لتحذر من كارثة جيل يستنزف نفسيًا وماديًا، وسط تساؤلات ملحة حول مصير تكافؤ الفرص فى وطن تحول فيه حق التعلم الأساسى إلى سلعة باهظة لمن يدفع أكثر.
لغة الطفل اليومية
من جانبها قالت سارة محمد، ولية أمر تلميذة بالصف الثالث الابتدائى : ابنتى تواجه صعوبة بالغة فى استيعاب مفاهيم الرياضيات الجديدة .
وأشارت إلى أن بعض الدروس مفصولة تمامًا عن لغة الطفل اليومية وتحتاج إلى شرح وتدريبات مكثفة وطويلة حتى تستطيع الطفلة فهمها وتطبيقها بمفردها .
كابوس حقيقى
وأكدت منى أحمد ولية أمر تلميذ فى الصف الرابع الابتدائى أن مذاكرة الرياضيات تستغرق وقتًا طويلًا ومرهقًا للأعصاب، خاصة أن الطفل مطالب بحفظ جدول الضرب حتى جدول 9 وحل المسائل المعقدة الموجودة فى الكتاب.
وقالت : ابنى يعود للمنزل خائر العقل، ويحتاج إلى إعادة شرح لنقاط عجز المعلم عن إنهاء شرحها وسط زحام الفصل، خاصة أن مستوى المسائل المطروحة يحتاج إلى تدرج منطقى يناسب أذهان الصغار.
وأشارت منى أحمد إلى أنها تواجه مأساة يومية قائلة، الصف الرابع كابوس حقيقى وابنى فى مرحلة الطفولة البريئة، لكنه أصبح يعانى من توتر عصبى واكتئاب مبكر بسبب المنهج والأرقام الكبيرة والمفاهيم الهندسية والحسابية المعقدة التى تفوق قدرات عقل طفل فى هذه المرحلة العمرية.
وأكدت أنها تقضى ساعتين أو ثلاثا كل ليلة فى محاولة تبسيط الدرس وفى النهاية ينام ابنها ودموعه على وجنتيه لأنه لم يفهم الدرس، موضحة أن المنهج يعامل الطفل كأنه باحث أكاديمى لا طفل فى التاسعة يحتاج إلى اللعب والفهم التدريجى.
ضغط عصبى
وقالت فاطمة محمود، ولية أمر : إنّ المشكلة تكمن فى أنها أحيانًا لا تستطيع مساعدة ابنها لأنها عاجزة عن استيعاب عدد كبير من الدروس المعقدة التى تقدم بطرق غريبة علينا فنضيع معًا بين صفحات الكتاب.
وأضافت فاطمة محمود : مشكلتى أنى لا أعرف أصلًا كيف أقرأ هذه المناهج لأساعد ابنى، فحينما أفتح الكتاب أشعر أننى أمام شفرات سرية وليست مادة دراسية .
وتابعت: أطفالنا فى الصفين الثالث والرابع الابتدائى يتعرضون لضغط عصبى هائل ونحن كأمهات نشعر بالقهر كل يوم لأننا نريد أن ندعمهم فنكتشف أننا عاجزون تمامًا عن فتح باب الأمل لهم.
إرهاب نفسى وفكرى
وكشفت إسراء على، عن شعور القهر الذى ينتاب الأمهات قائلة: نحن لسنا ضد التطوير لكن هذا يجب أن يُبنى على أساس استيعاب الطفل.
وقالت : عندما تجد طفلًا فى التاسعة يقضى يومه الدراسى ثم يعود ليقضى أربع ساعات أخرى فى استيعاب طلاسم رياضية فهذه ليست تربية ولا تعليمًا، إنما إرهاب نفسى وفكرى، موضحة أن المنهج مصمم بطريقة تفترض وجود مدرس خصوصى فى كل منزل وهو ما يحملنا أعباء مالية ونفسية أكثر
دورات تدريبية
وكشفت سارة محمود، معلمة لغة عربية للصف الرابع الابتدائى أن الحقيقة المرة التى لا يرغب أحد فى الاعتراف بها هى أننى أجلس كل ليلة مع أولادى فى البيت أذاكر كتاب القيم وموضوعات التعبير الجديدة تمامًا مثل ابنى الصغير .
وقالت سارة محمود فى تصريحات صحفية : لا توجد دورات تدريبية حقيقية تجهزنا لهذه النقلة، حيث فوجئنا بتسلم الكتب دون تدريب على المناهج الجديدة، لنجد أنفسنا مطالبين بشرح استراتيجيات تعلم حديثة لم نسمع عنها من قبل.
وأضافت : أشعر حقًا أننى طالبة فى امتحان دائم أقضى معظم وقتى فى محاولة فهم المادة بدلًا من الإبداع فى إيصالها.
تأهيل المعلم
وأكد أحمد عبدالرازق، معلم رياضيات للصف الثالث الابتدائى، أن المشكلة ليست فى رفض التطوير فنحن أول من يرحب بكل ما يخدم عقول أبنائنا، ولكن الأزمة تكمن فى الاستعجال وغياب الإعداد.
وقالت مروة الشريف، معلمة رياضيات : الضغط العصبى هائل لأن ولى الأمر ينتظر من المدرس أن يكون خبيرًا ومتمكنًا، بينما التوجيه الفنى يطالبنا بتحقيق نواتج تعلم مرتفعة، ونحن ندير العملية برمتها بمجهودنا الفردى مع غياب الدعم المؤسسى.
وأضافت مروة الشريف فى تصريحات صحفية: نلتقى أنا وزملائى فى غرفة المعلمين لتبادل الأفكار وحل الأسئلة الغامضة معًا كأننا فريق بحث علمى لا كمعلمين.
وتابعت : إذا أردنا تعليمًا حقيقيًا ومثمرًا، فيجب أن يبدأ تدريب المعلم وتأهيله قبل الطالب بشهور طويلة.
مراحل النمو العقلى
من جانبها حذرت استشارى التربية وطرق التدريس الحديثة الدكتورة ولاء شبانة، من وجود خلل تأسيسى جسيم فى المنظومة التعليمية الحالية، مؤكدة أن فرض مناهج تعتمد على التفكير المجرد والحشو المفرط على أطفال مراحل التعليم الأساسى الأولى، يضرب علم نفس النمو فى عمقه.
وأوضحت «ولاء شبانة» فى تصريحات صحفية أن الأطفال فى سن الثامنة والتاسعة ما زالوا بحسب تصنيف «بياجيه» فى مرحلة «العمليات المحسوسة» التى تعتمد على التجربة والرؤية، وما يحدث حاليًا هو قفز فوق مراحل النمو العقلى بمنهج يفوق قدراتهم الاستيعابية، مما ينتج جيلًا حافظًا لمصطلحات لا يدرك معناها، ويقتل ملكة التفكير النقدى لديه.
وأكدت أن الضغط اليومى المستمر بين المدرسة والواجبات التى تتجاوز طاقة الطفل الذهنية يمثل استنزافًا عصبيًا كاملًا، ويؤدى إلى كارثة حقيقية تتمثل فى قلق الطفولة المبكرة كأعراض التبول اللاإرادى وقضم الأظافر ونوبات البكاء، فضلًا عن تحويل التعليم من شغف للاكتشاف إلى مصدر «رهبة» وكراهية للمدرسة وتدنى تقدير الذات وشعور طفولى بالدونية والفشل.
موظف أرشيف
واعتبرت «ولاء شبانة» أن المعلم هو الضحية الأولى فى هذه المنظومة، لعدم خضوعه لتدريب عملى حقيقى يؤهله لفهم فلسفة المناهج المستحدثة، ليجد نفسه مقيدًا بخريطة زمنية ضيقة تجعله يركض لإنهاء المنهج دون شرح أو مراعاة للفروق الفردية، متحولًا إلى مجرد موظف أرشيف ووثائق إدارية بدلًا من تأدية رسالته التربوية.
وأشارت إلى أن منظومة التقويم والمهام الأدائية والتقييمات المستمرة أفرغت الفصل من دوره وحولت المدارس إلى مجرد أماكن للدرجات، دافعة أولياء الأمور قسرًا نحو غرف الدروس الخصوصية.
وأوضحت «ولاء شبانة» أن ظاهرة «توريث الأعباء المدرسية» للبيت تمثل أخطر ضربة لوظيفة الأسرة واستقرارها، حيث تتحول الأم بعد يوم عمل شاق إلى معلمة ومترجمة لمناهج مبهمة، مما يقلب علاقتها مع طفلها من الحب والاحتواء إلى صراخ وتوتر مستمر وتدمير لدفء البيت المصرى.
وحذّرت من أن هذه المناهج تُكرس لتمييز طبقى سافر يقضى على تكافؤ الفرص، لكونها تعتمد على قدرة الأسر المالية لجلب معلمين خصوصيين لفك شفراتها، مما يُهدد بتحويل التعليم الأساسى من حق دستورى مجانى إلى سلعة حصرية لمن يدفع أكثر.