في منتدى 2026 السيسي بالمَكْلَمة منفردا .. ومراقبون: 60 ألف مشارك والفعاليات تُعرض بعد المونتاج؟!

- ‎فيتقارير

«منتدى مصر 2026».. أرقام المشاركة وخطاب الوعي في مواجهة أسئلة الثقة والإنفاق العام

حكومة تعرض "إنجازات" وتعد بحوار مجتمعي.. لكن ما معيار النجاح؟

افتتح عبد الفتاح السيسي أعمال «منتدى مصر 2026» في العاصمة الجديدة يوم 19 أكتوبر، تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، في فعالية قالت الجهات الرسمية "إنها تستهدف توسيع الحوار المجتمعي والاستماع إلى اهتمامات المواطنين، ومناقشة السياسات العامة وأولويات المرحلة المقبلة".

وبحسب الموقع الرسمي للمنتدى، تمتد الفعاليات من 19 إلى 24 أكتوبر في فندق سانت ريجيس بالعاصمة الجديدة، وتشمل جلسات حوارية بمشاركة خبراء ومتخصصين، وأكثر من 150 صانع قرار، ونحو ثمانية آلاف مشارك من قطاعات وفئات مختلفة.

وتقول الحكومة: "إن المنتدى لا يقتصر على عرض ما تحقق خلال السنوات الماضية، بل يستهدف كذلك الاستماع إلى الانتقادات والمقترحات والإجابة عن أسئلة المواطنين".

وأعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الموقع الإلكتروني للمنتدى سجل أكثر من 61 ألف مشارك، وقدم المستخدمون من خلاله أكثر من 16 ألف فكرة ومقترح، وفقًا لما عرضه خلال الجلسة الافتتاحية.

كما ذكر مدبولي أن نحو نصف المسجلين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 18 و35 عامًا، وأن من بينهم أكثر من خمسة آلاف طالب. وأشار إلى جمع أكثر من 42 سؤالًا قال إنها تمثل شواغل للرأي العام، على أن تُناقش خلال جلسات المنتدى

هذه الأرقام، وفقًا للإعلان الحكومي، تقدم مؤشرًا على حجم التفاعل مع المنصة الإلكترونية، لكنها بحسب مراقبين: لا تكفي وحدها للحكم على مدى تمثيل المشاركين لمختلف فئات المجتمع، أو ما إذا كانت المقترحات ستتحول إلى قرارات تنفيذية قابلة للمتابعة والمساءلة.

60 ألف مشارك لا يمثلون المجتمع كله

ومن جانبه، انتقد الكاتب الصحفي محمد حمدي، المتحدث باسم "تكنوقراط مصر" في منشور عبر حساب حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats)، اعتبار مشاركة نحو 60 ألف مواطن في طرح الأسئلة إنجازًا، مقارنة بعدد السكان الذي يتجاوز مئة مليون.

وطرح حمدي تساؤلًا بشأن ما إذا كانت محدودية المشاركة، قياسًا إلى إجمالي السكان، تعكس ضعف الثقة في الحكومة، أم أن هناك عوامل أخرى تحد من إقبال المواطنين على المشاركة.

ويمثل هذا الطرح رأي الكاتب، ولا يثبت وحده أن ضعف المشاركة سببه انعدام الثقة، فتقييم التفاعل مع المنصة يتطلب بيانات عن مدى معرفة المواطنين بها، ومدى سهولة استخدامها، وطبيعة الدعوات التي وُجهت للمشاركة، ومدى اقتناع الجمهور بأن المقترحات ستؤثر في السياسات.

ومع ذلك، يلفت المنشور الانتباه إلى فارق مهم بين عدد المسجلين ومدى التمثيل الشعبي، فقد تحقق المنصة أرقامًا مرتفعة في المشاهدات والتسجيلات، لكن السؤال الأهم يظل متعلقًا بتنوع المشاركين، وشفافية اختيار القضايا، وكيفية التعامل مع المقترحات التي تتعارض مع أولويات الحكومة المعلنة.

هل يشاهد الجمهور الجلسات كاملة أم الممنتجة؟

وطرح محمد طلبة رضوان (@Tolba_Radwan) تساؤلات بشأن طبيعة البث المتعلق بالمنتدى، وما إذا كان المحتوى الذي يصل إلى الجمهور يُعرض مباشرة أم بعد التسجيل والمراجعة والمونتاج.

واعتبر رضوان، في منشوره، معالجة إعلامية لقضية صحفيي «متصدقش» عبر التلميح إلى وجود صفحة غير حقيقية، متسائلًا عن طبيعة الرسائل التي اختار القائمون على المنتدى عرضها للجمهور.

وقال متابعون: "إن جميع جلسات المنتدى مسجلة أو أن محتواها خضع للمونتاج"، ولحسم المسألة، ينبغي الرجوع إلى إعلان الجهة المنظمة بشأن طبيعة البث، ومقارنة التسجيلات المنشورة ببرنامج الجلسات، وتحديد ما إذا كان المحتوى قد عُرض مباشرة أم أُعيد بثه بعد التحرير.

 

لكن التساؤل نفسه يسلط الضوء على أهمية الشفافية الإعلامية في الفعاليات العامة، فإتاحة التسجيلات كاملة، والإعلان الواضح عن طبيعة البث، ونشر الأسئلة والإجابات في سياقها، كلها إجراءات تسمح للجمهور بتقييم ما قيل بالفعل، بدل الاعتماد على مقتطفات متداولة أو تفسيرات متعارضة.

كل يوم طالع .. كثافة الظهور لا تعني فاعلية السياسة

وانتقد الكاتب م. تامر شيرين شوقي، في منشور أورده حساب حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats)، كثافة ظهور الرئيس والمسؤولين في الفعاليات خلال فترة قصيرة، معتبرًا أن تكرار المؤتمرات لا يغني عن وجود مؤسسات مستقلة وقنوات مساءلة فعالة.

وذهب شوقي إلى انتقاد ما يراه ضعفًا في دور البرلمان والجهات الرقابية، كما استخدم تعبيرات ساخرة في وصف العلاقة بين المسؤولين والإعلام الموالي للسلطة.

وهذه قراءة سياسية نقدية ينسب مضمونها إلى صاحب المنشور. ولا يكفي عدد مرات ظهور المسؤولين وحده للحكم على أداء الدولة، لكنه يفتح باب النقاش بشأن العلاقة بين كثافة الخطاب الرسمي وبين النتائج الفعلية للسياسات العامة.

فالمؤتمرات يمكن أن تكون وسيلة لشرح القرارات وتقديم البيانات، لكنها لا تحل محل الرقابة البرلمانية، أو نشر المعلومات المالية، أو وجود آليات واضحة لمحاسبة المسؤولين عن تنفيذ الخطط المعلنة.

ذاكرة ثورة يناير

وفي سياق الخطاب الرئاسي بشأن الوعي والمنصات الرقمية، قال مراقبون: "إن السيسي يدير معركة الوعي ، لكنه يرى أنها أقرب إلى محاولة التأثير في ذاكرة الأجيال الشابة تجاه ثورة يناير 2011، لا إلى تصحيح المعلومات بصورة مستقلة".

وربط المراقبون بين هذا الخطاب وبين الأوضاع الاقتصادية التي يصفها بالتدهور، وانتقد ما يعتبره هيمنة الإعلام الموالي للسلطة على المجال الإعلامي، معتبرًا أن الملاحقات القانونية والقبض على الصحفيين يضيّقان المجال أمام الأصوات المستقلة.

كما رأى المراقبون أن استمرار الانتقادات على المنصات الرقمية، رغم اتساع أدوات السلطة الإعلامية، يكشف من وجهة نظره محدودية تأثير الخطاب الرسمي في تشكيل قناعات الجمهور، وربط كذلك بين احتجاز صحفيي «متصدقش» ومحاولات الحد من تداول روايات بديلة خلال المنتدى.

خطاب الترشيد وأولويات الإنفاق.. ماذا عن القدرة الشرائية؟!

إلى جانب قضايا المشاركة والوعي، أثارت دعوات السيسي إلى الوسطية وعدم الإسراف نقاشًا بشأن أولويات الإنفاق العام، في ظل الضغوط المعيشية التي يواجهها المواطنون.

وتناولت المواد المرفقة انتقادات تتعلق بتكلفة المشروعات الكبرى والمقرات الرئاسية والطائرة الرئاسية المعروفة باسم «ملكة السماء»، في مقابل مطالب المواطنين بتحسين القدرة الشرائية والخدمات الأساسية.

ويطرح هذا التزامن سؤالًا بشأن كيفية توزيع أعباء الأزمة الاقتصادية، ومدى اتساق الدعوات إلى الترشيد مع أولويات الإنفاق الحكومي، لكن تقييم هذه المقارنة يتطلب بيانات موثقة عن تكاليف المشروعات ومصادر تمويلها، وأثرها على الموازنة العامة والدين، فضلًا عن مقارنة الإنفاق على المشروعات المختلفة بمخصصات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

ومن ثم، لا ينبغي التعامل مع الأرقام أو التقديرات المتعلقة بتكلفة المقرات والطائرة الرئاسية بوصفها حقائق نهائية ما لم تُدعَم بمصادر موثوقة، كما أن الحكم على جدوى مشروع ما يتطلب تقييم تكلفته وعائده الاقتصادي والاجتماعي، لا الاكتفاء بوصفه مشروعًا مظهريًا أو اعتباره إنجازًا بمجرد اكتماله.

وفي هذا الإطار، كتب حساب Isaac (@isaac30208171) أن المواطن لا يحتاج إلى منتدى للاستماع إلى صوته بقدر ما يحتاج إلى استجابة لمشكلاته المعيشية، مشيرًا إلى القدرة الشرائية، ومطالبًا بنشر بيانات الفقر والإنفاق، ومتسائلًا عن دور البرلمان في تمثيل المواطنين ومساءلة الحكومة.

ويقول الموقع الرسمي: "إن «منتدى مصر 2026» يستهدف فتح مساحة لتبادل الآراء والحوار البنّاء، وإن جلساته تتناول موضوعات من بينها التعليم، والصحة، والتحول الاقتصادي، والطاقة، وإدارة الدين، والحماية الاجتماعية، وشواغل الرأي العام".

كما أعلن مصطفى مدبولي أن المنتدى سيتيح للحكومة عرض ما تحقق، والإجابة عن أسئلة المواطنين المتعلقة بأولويات الإنفاق، والعاصمة الجديدة، والصحة والتعليم، والدين، ومستقبل الاقتصاد .

ويسقط صانعو المنتدى أمام المعيار العملي المتصل بمدى نشر الأسئلة والإجابات بصورة كاملة، وإتاحة البيانات التي تستند إليها الحكومة، وتوضيح ما إذا كانت المقترحات ستؤدي إلى تغييرات محددة في السياسات، وكيف ستُتابع هذه التغييرات بعد انتهاء الفعاليات.

كما أن تقييم التمثيل الشعبي يتطلب النظر إلى تنوع المشاركين ومدى إتاحة المشاركة لمختلف الفئات، لا إلى إجمالي التسجيلات فقط، وقد تكون الأرقام المعلنة مؤشرًا إيجابيًا على التفاعل، لكنها لا تحسم بمفردها سؤال الثقة في الحكومة أو مدى تأثير المواطنين في صناعة القرار.

ويضع «منتدى مصر 2026» الحكومة أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على تحويل خطاب المشاركة إلى آليات مستمرة للاستماع والمساءلة، فالأرقام المعلنة عن التسجيلات والمقترحات تعطي صورة عن حجم التفاعل مع المنصة، لكنها لا تحسم وحدها مدى تمثيل المشاركين للمجتمع أو تأثيرهم في القرارات.

في النهاية، لا يقاس نجاح المنتدى بعدد الجلسات أو التسجيلات وحدها، بل بمدى شفافية المعلومات التي تُعرض فيه، وإمكانية التحقق منها، وقدرة المواطنين على طرح الأسئلة دون إقصاء، ووجود نتائج تنفيذية معلنة يمكن متابعتها ومحاسبة المسؤولين عنها.