أضاف غرف الموسيقى والمكتبات ومعامل العلوم على الورق.. كيف تلاعب وزير التعليم بأرقام فصول جديدة؟

- ‎فيتقارير

كشفت منصة «صحيح مصر» تناقضات في أرقام وزير التربية والتعليم بشأن بناء الفصول الدراسية، وأظهرت اختلافًا بين أعداد الفصول المسجلة إحصائيًا وما بُني فعليًا، إلى جانب تحويل غرف الأنشطة والمعامل إلى فصول وتعديل تصنيف آلاف المدارس والفصول.

خلال جلسة بعنوان «ماذا يتعلم أبناؤنا؟… وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟»، ضمن منتدى مصر 2026، قال وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف: «الدولة بنت في آخر 10 سنين 150 ألف فصل، وده رقم غير مسبوق، ولو اتحول لفلوس بنتكلم فوق الـ200 أو 250 مليار جنيه».

تحقيق "صحيح مصر" في 20 أكتوبر كشف اختلافات بين أرقام البناء المعلنة والزيادة الفعلية المسجلة في الفصول، مستندًا إلى الكتب الإحصائية الصادرة عن الوزارة، وتصريحات سابقة للوزير، وشهادات معلمين ومسؤولين في إدارات تعليمية بمحافظات مختلفة.

وأضاف أن 70 ألف غرفة تقريبًا وفق تقدير المنصة لعدد غرف الموسيقى ومعامل العلوم والمكتبات التي تحولت إلى فصول، وأن 22,351 فصل هي فصول أُعيد تصنيفها إحصائيًا من التعليم الخاص إلى الحكومي، وليس إلى فصول نُقلت فعليًا من مدارس إلى أخرى.

 

 

قفزة في عام واحد

بحسب الكتب الإحصائية لوزارة التربية والتعليم، ارتفع عدد الفصول في المدارس الحكومية من 414 ألفًا و258 فصلًا في العام الدراسي 2015/2016 إلى 592 ألفًا و186 فصلًا في العام الدراسي 2025/2026، بزيادة إجمالية بلغت 177 ألفًا و928 فصلًا خلال عشر سنوات.

لكن أكثر من نصف هذه الزيادة سُجل في عام دراسي واحد؛ إذ ارتفع عدد الفصول الحكومية بنحو 105 آلاف فصل خلال العام الدراسي 2024/2025، من 463 ألفًا و948 إلى 568 ألفًا و866 فصلًا.

وبذلك، بلغ نصيب هذا العام نحو 59% من إجمالي الزيادة المسجلة خلال السنوات العشر، وهو العام الأول لمحمد عبد اللطيف في منصبه وزيرًا للتربية والتعليم.

وفي المقابل، لم يزد عدد المدارس الحكومية خلال العام نفسه، وفق المقارنة الأولية التي أوردها التحقيق، إلا بنحو 97 مدرسة، بزيادة قدرها 0.2% مقارنة بالعام الدراسي 2023/2024.

 

بناء أم استحداث؟

في عام 2024، أعلنت وزارة التربية والتعليم أنها شيدت نحو 127 ألف فصل خلال عشر سنوات، لكن البيانات الحكومية التي استعرضتها «صحيح مصر» أظهرت أن صافي الزيادة في عدد الفصول خلال الفترة بين عامي 2015 و2024 لم يتجاوز 49 ألفًا و690 فصلًا.

وفي يناير 2025، قال الوزير محمد عبد اللطيف إن الوزارة «استحدثت 98 ألف فصل»، إلى جانب «بناء 150 ألف فصل خلال 10 سنوات».

وتشير أرقام الوزارة، وفق التحقيق، إلى أن متوسط بناء الفصول بلغ نحو 6 آلاف فصل سنويًا حتى نهاية 2024، بينما قدّر الوزير معدل البناء السنوي بما يتراوح بين 10 آلاف و15 ألف فصل.

أما الـ98 ألف فصل التي تحدث عنها الوزير، فقد استُحدثت، بحسب تصريحاته، «دون تحميل موازنة الدولة أعباء إضافية»، وهو ما يشير إلى أن الزيادة لم تنتج بالكامل عن إنشاء مبانٍ أو فصول جديدة، بل شملت إعادة استخدام مساحات موجودة داخل المدارس.

 

تصريح الوزير في مواجهة شهادات المعلمين

قال الوزير إن استحداث الفصول شمل تحويل غرف الكنترول، التي لا تُستخدم إلا أسبوعين في العام، إلى فصول دراسية، مؤكدًا عدم المساس بغرف الأنشطة.

وأضافت الوزارة أنها لجأت إلى تطبيق نظام الفترتين والفترة الممتدة، إلى جانب نقل الدراسة بالمدارس الثانوية إلى الفترة المسائية، لإتاحة استخدام مبانيها صباحًا لاستقبال طلاب المرحلة الإعدادية.

لكن معلمين تحدثوا إلى «صحيح مصر» قدموا شهادات عن تحويل غرف مخصصة لأنشطة ومعامل تعليمية إلى فصول دراسية.

وقال معلم حاسب آلي بإحدى مدارس الجيزة، تحفظ التحقيق على ذكر اسمه، إن المدرسة تلقت في أغسطس 2024 مكاتبة من الإدارة التعليمية تطلب تحويل معمل الحاسب الآلي إلى فصل دراسي.

وأضاف أن أجهزة الكمبيوتر نُقلت، بعد تحويل المعمل، إلى مخازن تابعة للوزارة، فيما وُضع بعضها في غرف وكلاء المدرسة، وأن حصة الحاسب الآلي تحولت إلى حصة نظرية دون جانب عملي.

ونقل التحقيق عن المعلم قوله إن المسئولين طلبوا منه توجيه الطلاب إلى تجربة التطبيقات على أجهزتهم الشخصية في المنزل، مع وعد بعودة غرفة الحاسب الآلي إلى وضعها السابق في العام الدراسي 2025/2026.

وفي السياق نفسه، قال معلم تربية رياضية بإحدى مدارس كفر الشيخ إنه أُبلغ في بداية العام الدراسي بتحويل غرفة التربية الرياضية إلى فصل دراسي، فيما نُقلت الأدوات والكرات التي كانت بعهدته إلى مخزن المدرسة.

وكانت «صحيح مصر» قد نشرت في يناير 2025، نقلًا عن مصدر في الوزارة، أن الزيادة شملت تحويل غرف الموسيقى وغرف المدرسين وغرف التربية الرياضية ومعامل العلوم والحاسب الآلي والمكتبات المدرسية إلى فصول.

 

70 ألف غرفة تحولت إلى فصول

قدّر مصدر في وزارة التربية والتعليم نقلت عنه «صحيح مصر» عدد غرف الموسيقى ومعامل العلوم والمكتبات التي تحولت إلى فصول بنحو 70 ألف غرفة، من إجمالي الزيادة البالغة نحو 105 آلاف فصل خلال العام الدراسي 2024/2025.

وبحسب هذه التقديرات، تجاوزت نسبة الغرف التي تحولت إلى فصول 66% من إجمالي الزيادة المسجلة في ذلك العام، بخلاف عوامل أخرى أسهمت في ارتفاع عدد الفصول الوارد في تقارير الوزارة.

وقال محب عبود، وكيل نقابة المعلمين المستقلة، إن إلغاء حصص الموسيقى والأنشطة الطلابية يمثل مشكلة خطيرة، وقد يؤدي إلى زيادة العنف بين الطلاب.

وأضاف أن هذه القرارات تعالج مشكلة الكثافات الطلابية بمشكلة أخرى، موضحًا أن الأنشطة الطلابية، ومنها الموسيقى، تساعد على تفريغ طاقات الطلاب وتنمية مواهبهم.

 

مدارس تغيّر تصنيفها

كشفت مقارنة الكتب الإحصائية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم أن الكتاب الإحصائي للعام الدراسي 2025/2026 عدّل أرقام العام الدراسي السابق.

فقد ارتفع عدد المدارس الحكومية المسجل للعام الدراسي 2024/2025 من 50 ألفًا و500 إلى 52 ألفًا و375 مدرسة، كما ارتفع عدد فصولها من 568 ألفًا و866 إلى 591 ألفًا و217 فصلًا.

وفي المقابل، خُفّضت أعداد المدارس والفصول المصنفة ضمن التعليم الخاص بالمقادير نفسها، مع الإبقاء على إجمالي عدد المدارس والفصول في القطاعين دون تغيير.

وبذلك، أُعيد تصنيف 1,875 مدرسة و22 ألفًا و351 فصلًا في البيانات الإحصائية من التعليم الخاص إلى الحكومي، دون أن يقابل ذلك تغيير في الإجمالي الكلي للقطاعين.

وتدخل هذه الفصول ضمن الزيادة الإجمالية البالغة نحو 178 ألف فصل خلال السنوات العشر، رغم أن تغيير تصنيفها لا يعني بناء فصول جديدة.

كما أن مقارنة أعداد الفصول الحكومية بين الكتابين الإحصائيين تُظهر اختلافًا كبيرًا في الأرقام المنشورة للعام الدراسي 2024/2025؛ إذ ارتفع العدد من 568 ألفًا و866 إلى 591 ألفًا و217 فصلًا في الإصدار اللاحق، بينما انخفض العدد المسجل للتعليم الخاص بالمقدار نفسه.

 

تكلفة تصل إلى 250 مليار جنيه

ربط وزير التربية والتعليم عدد الفصول التي قال إن الدولة بنتها خلال عشر سنوات بتكلفة تقديرية تتجاوز 200 إلى 250 مليار جنيه.

وفي ضوء الاختلاف بين أعداد الفصول المبنية فعليًا والفصول المستحدثة عبر تحويل الغرف أو إعادة تصنيفها، يبرز السؤال عن الأساس الذي استند إليه تقدير التكلفة، وما إذا كان يشمل الإنشاءات الجديدة وحدها أم جميع الفصول التي أضيفت إلى الإحصاءات.

كما تبرز الحاجة إلى التمييز بين الإنفاق على بناء فصول جديدة، وتكلفة تجهيزها، وإعادة توزيع المساحات داخل المدارس القائمة، عند تقييم إجمالي الاستثمارات المعلنة في قطاع التعليم.