في الوقت الذي تواجه فيه ملايين الأسر المصرية موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، خرج رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بنظام الانقلاب ، خلال فعاليات «منتدى مصر»، ليتحدث عن ضخامة برامج الدعم الحكومي، معتبرًا أنها من بين الأكبر عالميًا، ومؤكدًا أن الحكومة لا تستهدف تخفيض الدعم في إطار خطط التحول إلى منظومة الدعم النقدي.
لكن قراءة تفصيلية لأرقام الموازنة العامة وبرامج الحماية الاجتماعية تطرح صورة مختلفة عن تلك التي قدمها رئيس الوزراء، وتكشف أن الزيادات المتتالية في مخصصات الدعم لا تعني بالضرورة تحسنًا في مستوى الحماية المقدمة للفقراء، خصوصًا مع استمرار التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
فبينما تستعرض الحكومة مئات المليارات المخصصة للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، تكشف التفاصيل أن جانبًا كبيرًا من هذه المبالغ لا يصل إلى المواطنين في صورة دعم غذائي مباشر، وأن المخصصات الموجهة للخبز والسلع التموينية لم تشهد زيادة حقيقية تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة والزيادة السكانية.
وتزداد المفارقة وضوحًا عند مقارنة ما تنفقه الدولة على حماية الفئات الأكثر احتياجًا بما تخصصه لسداد فوائد الديون، التي أصبحت تستحوذ على حصة ضخمة من الإنفاق العام.
"أكبر دعم في العالم".. ماذا تقول الأرقام؟
خلال كلمته في «منتدى مصر»، تحدث المنقلب مدبولي عن اتساع نطاق برامج الدعم المصرية، مستندًا إلى أعداد المستفيدين وحجم المخصصات المدرجة في الموازنة العامة.
وبحسب الرواية المتداولة عن الجلسة، سأل رئيس الوزراء وزير التموين شريف فاروق عن نسبة الأسر المستفيدة من برامج الدعم، ليرد الوزير بأنها تصل إلى نحو 60% من الأسر المصرية.
غير أن هذه النسبة تحتاج إلى تدقيق في تعريف المستفيدين وطريقة احتسابهم، خاصة عند التمييز بين عدد الأفراد الذين يحصلون على الدعم التمويني وعدد الأسر المستفيدة من مختلف برامج الحماية الاجتماعية.
وتشير الأرقام الواردة في البيانات محل المقارنة إلى أن عدد المستفيدين من الدعم التمويني يبلغ نحو 57.5 مليون مواطن، أي ما يعادل قرابة 51.3% من إجمالي السكان، إذا جرى احتسابهم على أساس تعداد يبلغ 112 مليون نسمة.
لكن هذه النسبة لا تصلح وحدها لنفي حديث الحكومة عن استفادة 60% من الأسر، لأن المقارنة هنا تجري بين وحدتين مختلفتين: الأفراد والأسر.
ومع ذلك، فإن اتساع قاعدة المستفيدين لا يكفي للحكم على قوة منظومة الدعم، إذ يبقى المعيار الأكثر أهمية هو مقدار ما يحصل عليه المواطن، ومدى كفايته لتغطية احتياجاته الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار.
فقد تصل برامج الدعم إلى ملايين المواطنين، لكنها تظل محدودة الأثر إذا كانت القيمة الفعلية للمساعدات تتآكل عامًا بعد آخر.
832 مليار جنيه.. رقم ضخم يخفي تفاصيل مختلفة
تستند حكومة الانقلاب في عرضها لحجم الدعم إلى المخصصات الإجمالية لبند «الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية»، والتي تقدر، وفق الأرقام الواردة في المادة، بنحو 832.3 مليار جنيه.
ويبدو هذا الرقم ضخمًا عند طرحه بصورة مجردة، لكنه لا يعكس بالضرورة قيمة الدعم المباشر الذي يحصل عليه المواطن في صورة خبز أو سلع تموينية أو مساعدات نقدية.
فالبند الحكومي يضم مخصصات متعددة تختلف طبيعتها الاقتصادية والاجتماعية، من بينها مساهمة الخزانة العامة في صناديق المعاشات، التي تبلغ نحو 268 مليار جنيه وفق الأرقام المشار إليها.
وهذه المساهمة ترتبط بالتزامات الدولة تجاه منظومة التأمينات والمعاشات، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها معونة غذائية أو نقدية إضافية يحصل عليها المواطن الفقير.
كما تشمل مخصصات الدعم بنودًا أخرى، من بينها دعم الصادرات وبعض الأنشطة الاقتصادية، وهي مخصصات لا يمكن مساواتها بالدعم الموجه مباشرة إلى الأسر محدودة الدخل.
ومن ثم، فإن الاستناد إلى الرقم الإجمالي للدعم لتقييم مستوى الحماية الاجتماعية قد يؤدي إلى تضخيم الصورة في أذهان المواطنين، ما لم توضح الحكومة طبيعة كل بند وحجم المستفيدين منه.
والسؤال هنا ليس فقط: كم تخصص الدولة للدعم؟ وإنما: كم يصل بالفعل إلى الأسر الفقيرة، وما قيمته الحقيقية بعد احتساب التضخم؟
178 مليار جنيه للخبز والتموين.. أين الدعم الأكبر عالميًا؟
عند الانتقال من إجمالي المخصصات الحكومية إلى الدعم الغذائي المباشر، تتغير الصورة بصورة واضحة. فوفق الأرقام ، تبلغ مخصصات دعم السلع التموينية والخبز نحو 178.3 مليار جنيه.
ويمثل هذا المبلغ نحو 4.4% من إجمالي مصروفات تبلغ 4.05 تريليون جنيه، وهي نسبة تختلف كثيرًا عن الصورة التي قد تتكون عند الحديث عن مئات المليارات المخصصة للدعم بمفهومه الواسع.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن دعم الخبز والسلع التموينية يمثل أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية لملايين المصريين، خصوصًا الأسر التي تنفق معظم دخولها على الغذاء والاحتياجات الضرورية.
ولا يمكن الحكم على حجم الدعم الغذائي اعتمادًا على القيمة الإجمالية فقط، لأن مصر دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، وهو ما يجعل توزيع المخصصات على المستفيدين عاملًا حاسمًا في تقييم كفايتها.
وبالتالي، فإن تقديم رقم 178 مليار جنيه باعتباره دليلًا على سخاء منظومة الدعم يتجاهل أثر الزيادة السكانية والتضخم وتراجع القوة الشرائية للجنيه.
مقارنة دولية تكشف اختلاف الأولويات
تزداد أهمية تقييم الدعم المصري عند مقارنته بتجارب دول أخرى تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية مشابهة. فبحسب الأرقام الواردة في المادة الأصلية، تصل نسبة الإنفاق على برامج الدعم الغذائي في الهند إلى نحو 4.3% من الإنفاق العام، مع استفادة مئات الملايين من المواطنين من برامج توزيع الغذاء.
وفي الأردن، تشير الأرقام المستخدمة في المقارنة إلى أن إجمالي الدعم يمثل نحو 6% من الإنفاق العام، بينما يستحوذ دعم القمح والشعير وحده على نحو 1.4%.
أما في الجزائر، فتشير البيانات المذكورة إلى وصول مخصصات الدعم بمفهومها الواسع إلى نحو 34.1% من الإنفاق العام، مع تخصيص نحو 3.8% للدعم الغذائي.
وفي تونس، تبلغ النسبة الواردة لإجمالي الدعم نحو 15.4% من الإنفاق العام، مع توجيه جزء معتبر منها إلى دعم المواد الأساسية.
وتوضح هذه المقارنات أن وصف منظومة الدعم المصرية بأنها من الأكبر عالميًا يحتاج إلى مؤشرات أكثر دقة من مجرد عدد المستفيدين أو إجمالي المخصصات.
غير أن المقارنة الدولية تتطلب أيضًا توحيد تعريفات الدعم وسنوات الموازنات والبنود المشمولة، لأن بعض الدول تدرج دعم الطاقة أو المؤسسات العامة ضمن إجمالي الدعم، بينما تفصل دول أخرى بينه وبين التحويلات الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن الأرقام المطروحة تثير تساؤلات مشروعة بشأن حجم الأولوية التي تمنحها حكومةالانقلاب للدعم الغذائي مقارنة ببنود الإنفاق الأخرى.
"تكافل وكرامة".. ملايين الأسر ومخصصات محدودة
لا تقتصر التساؤلات على دعم الخبز والسلع التموينية، بل تمتد إلى برامج الدعم النقدي التي تقدمها الحكومة باعتبارها أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية.
ويأتي برنامج «تكافل وكرامة» في مقدمة هذه البرامج، إذ يستهدف الأسر الأكثر احتياجًا وكبار السن وذوي الإعاقة والفئات التي تنطبق عليها شروط الاستحقاق.
ووفق الأرقام ، بلغ عدد الأسر التي استفادت من البرنامج بصورة تراكمية منذ إطلاقه نحو 8.3 مليون أسرة، بينما يصل عدد الأسر المستفيدة حاليًا إلى نحو 4.7 مليون أسرة.
وتبلغ المخصصات المشار إليها للبرنامج نحو 54 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 1.17% من إجمالي إنفاق عام مقداره 4.6 تريليون جنيه.
ورغم أهمية هذه المساعدات بالنسبة إلى الأسر المستفيدة، فإن قيمتها تظل محدودة عند مقارنتها بتكاليف الغذاء والسكن والمواصلات والعلاج والتعليم.
وبحسب التقديرات ، يدور متوسط المساعدة الشهرية حول 900 جنيه، مع اختلاف القيمة الفعلية وفق نوع البرنامج وحالة الأسرة وعدد المستحقين.
وهذا يعني أن الحديث عن التوسع في الدعم النقدي يجب ألا يقتصر على زيادة أعداد المستفيدين، بل ينبغي أن يشمل مدى كفاية المبالغ المصروفة وقدرتها على حماية الأسر من الوقوع في الفقر أو التدهور المعيشي.
البرازيل نموذجًا.. الفارق بين عدد المستفيدين وقيمة المساعدة
تقدم التجربة البرازيلية مثالًا مهمًا على برامج التحويلات النقدية المشروطة التي تستهدف مكافحة الفقر وتحسين مؤشرات التعليم والصحة. فبرنامج «بولسا فاميليا» يوفر مساعدات مالية للأسر المستحقة، مع ربط بعض الاستحقاقات بالتزام الأطفال بالتعليم والمتابعة الصحية.
وتشير الأرقام إلى استفادة نحو 21 مليون أسرة، تضم عشرات الملايين من المواطنين، من البرنامج البرازيلي في الفترة التي تستند إليها المقارنة.
كما تتضمن منظومة المساعدات البرازيلية مبالغ أساسية وإضافات مرتبطة بعدد الأطفال وأعمارهم وبعض الظروف الأسرية.
وتبرز هذه التجربة أهمية تصميم برامج الحماية الاجتماعية على أساس احتياجات الأسرة الفعلية، بدلًا من الاكتفاء بتقديم مبالغ ثابتة تتراجع قيمتها مع ارتفاع الأسعار.
لكن المقارنة بين مصر والبرازيل لا يمكن أن تقوم على تحويل المساعدات إلى الدولار فقط، إذ يجب أيضًا مراعاة فروق الأسعار والقوة الشرائية وتكاليف المعيشة ومستويات الأجور في البلدين.
وتظل القضية الأساسية هي مدى قدرة الدعم النقدي على توفير حد أدنى من الحياة الكريمة، وهو المعيار الذي ينبغي أن تخضع له برامج الحماية الاجتماعية في مصر.
من 32 مليارًا إلى 178 مليارًا.. زيادة على الورق
استعرض مدبولي تطور مخصصات الدعم الغذائي منذ العام المالي 2013/2014، مشيرًا إلى ارتفاعها من نحو 32.8 مليار جنيه إلى 127 مليارًا، ثم 134 مليارًا، وصولًا إلى نحو 178 مليار جنيه.
وتبدو هذه الأرقام دليلًا على زيادة كبيرة في الإنفاق إذا جرت مقارنتها بالقيمة الاسمية للجنيه، لكن المقارنة الاقتصادية لا تكتمل دون احتساب التضخم والزيادة السكانية وتغير حجم الموازنة العامة.
ففي العام المالي 2013/2014، بلغت مخصصات الدعم الغذائي، بحسب الأرقام المستخدمة في المادة، نحو 32.5 مليار جنيه، من إجمالي مصروفات قدرها 789.4 مليار جنيه، وبذلك مثل الدعم الغذائي نحو 4.1% من المصروفات العامة.
أما في الموازنة محل المقارنة، فتبلغ مخصصاته نحو 178.3 مليار جنيه، من إجمالي مصروفات تقدر بنحو 4.05 تريليون جنيه، أي ما يقارب 4.4%.
وهذا يعني أن حصة الدعم الغذائي من المصروفات العامة لم تشهد القفزة التي توحي بها المقارنة الاسمية، رغم مرور أكثر من عقد شهد ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار وزيادة في عدد السكان.
وبالتالي، فإن زيادة المخصصات من عشرات المليارات إلى ما يقارب 180 مليار جنيه لا تعني بالضرورة زيادة مماثلة في كمية السلع التي تستطيع الدولة توفيرها أو في قيمة الدعم الذي يحصل عليه المواطن.
الدعم الغذائي يتراجع إلى نصف حصته من الاقتصاد
تظهر صورة أكثر وضوحًا عند قياس الدعم الغذائي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. فوفق الأرقام الواردة في المادة، تراجعت مخصصات دعم الخبز والسلع التموينية من نحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2014 إلى قرابة 0.7% حاليًا.
وإذا تأكدت هذه النسب وفق بيانات الموازنات الرسمية المتجانسة، فإنها تعني انخفاض حصة الدعم الغذائي من حجم الاقتصاد إلى النصف تقريبًا خلال نحو 12 عامًا.
وهذا المؤشر أكثر دلالة من المقارنة بالقيم الاسمية وحدها، لأنه يعكس موقع الدعم الغذائي ضمن أولويات توزيع الموارد الاقتصادية.
كما يثير تساؤلات بشأن مدى تناسب الإنفاق على حماية الفئات الأكثر احتياجًا مع حجم الضغوط المعيشية التي تواجهها.
فالأسر الفقيرة تنفق نسبة مرتفعة من دخولها على الغذاء، ولذلك فإن أي زيادة في أسعار السلع الأساسية أو خفض في القيمة الحقيقية للدعم تنعكس مباشرة على قدرتها على تلبية احتياجاتها اليومية.
وفي ظل استمرار ارتفاع الأسعار، يصبح الحفاظ على القيمة الحقيقية للدعم ضرورة اجتماعية، وليس مجرد خيار مالي يمكن التعامل معه بمعزل عن أوضاع المواطنين.
رغيف الخبز.. حين يدفع الفقراء ثمن خفض الدعم
يمثل رغيف الخبز المدعم أحد أبرز الأمثلة على الفارق بين الخطاب الحكومي بشأن استمرار الدعم والتغيرات الفعلية التي يتحملها المواطن.
فقد رفعت الحكومة سعر الرغيف المدعم من 5 قروش إلى 20 قرشًا، أي أربعة أضعاف السعر السابق، بعد سنوات شهدت تخفيضات في وزنه.
ورغم استمرار دعم الخبز، فإن زيادة السعر تعني ارتفاع المبلغ الذي تتحمله الأسر المستفيدة، خاصة العائلات الكبيرة التي تعتمد على الخبز المدعم بوصفه مكونًا أساسيًا في غذائها اليومي.
ولا تتوقف الضغوط عند الخبز، إذ شهدت منظومة السلع التموينية تغيرات في أسعار بعض المنتجات وأوزان العبوات، في الوقت الذي ظلت فيه القيمة النقدية المخصصة للفرد محدودة.
ويؤدي ارتفاع أسعار السلع مع ثبات قيمة الدعم إلى تقليل الكميات التي يستطيع المواطن الحصول عليها، حتى دون إعلان الحكومة تخفيضًا مباشرًا في المخصصات.
وبذلك يمكن أن يتراجع الدعم الفعلي من خلال ارتفاع الأسعار أو تقليص الأوزان، بينما تستمر الحكومة في الحديث عن زيادة الإنفاق الإجمالي.
وهنا تظهر الفجوة بين الحسابات الحكومية التي تركز على قيمة المخصصات، وتجربة المواطن الذي يقيس الدعم بما يستطيع شراءه من الخبز والزيت والسكر والأرز.
الدعم النقدي.. هل يفتح الباب أمام تخفيض جديد؟
تكتسب تصريحات مدبولي أهمية إضافية في ظل توجه الحكومة نحو دراسة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي. فبينما يؤكد رئيس الوزراء أن التحول لا يستهدف تقليص الدعم، تظل هناك مخاوف من أن يؤدي تثبيت قيمة المساعدة النقدية إلى تآكلها مع استمرار التضخم.
فالدعم العيني يوفر للمواطن سلعة محددة بسعر مدعوم، بينما يمنحه الدعم النقدي مبلغًا ماليًا قد يفقد جزءًا من قوته الشرائية إذا ارتفعت الأسعار دون تعديل المخصصات بصورة دورية.
ومن ثم، فإن نجاح التحول إلى الدعم النقدي يتوقف على وجود ضمانات واضحة، من بينها ربط قيمة المساعدة بمؤشرات الأسعار، وتحديث بيانات المستفيدين، وضمان عدم استبعاد الأسر المستحقة بصورة تعسفية.
كما يتطلب الأمر إعلان قواعد شفافة لتحديد قيمة الدعم النقدي وآليات زيادته، حتى لا يتحول الإصلاح المعلن إلى وسيلة لتثبيت الإنفاق الحكومي ونقل مخاطر التضخم إلى المواطنين.
فالمعيار الحقيقي للحفاظ على الدعم ليس بقاء الرقم المدرج في الموازنة دون تغيير، وإنما استمرار قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.
فوائد الديون تبتلع أضعاف دعم الغذاء
تتضح أزمة أولويات الإنفاق بصورة أكبر عند مقارنة مخصصات الدعم الغذائي بتكاليف خدمة الدين العام. فبحسب الأرقام الواردة في المادة، تبلغ فوائد الدين في الموازنة محل المقارنة نحو 13 ضعف المخصصات الموجهة لدعم الخبز والسلع التموينية.
وإذا استخدمنا مخصصات الدعم الغذائي البالغة 178.3 مليار جنيه أساسًا للحساب، فإن هذه المقارنة تعني فوائد دين تتجاوز 2.3 تريليون جنيه.
ويكشف هذا التفاوت عن حجم الضغوط التي تفرضها المديونية على الموازنة العامة، ويطرح تساؤلات بشأن السياسات المالية والاقتراض وأولويات توجيه الموارد خلال السنوات الماضية.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة ضرورة ترشيد الدعم وضبط الإنفاق، تستحوذ فوائد الديون على مبالغ ضخمة تقلص المساحة المالية المتاحة للإنفاق الاجتماعي والاستثمار في الخدمات العامة.
ولا يعني ذلك أن فوائد الدين يمكن إلغاؤها أو تحويلها مباشرة إلى مخصصات دعم، لأنها التزامات مالية قائمة، لكن تضخمها يعكس تكلفة خيارات الاقتراض والسياسات الاقتصادية السابقة.
ومن هنا، فإن مناقشة إصلاح الدعم بمعزل عن إدارة الدين العام والإنفاق الاستثماري وأولويات المشروعات الحكومية تقدم صورة ناقصة عن أسباب الأزمة المالية.
لماذا يتحمل المواطن وحده فاتورة الإصلاح؟
على مدار السنوات الماضية، تحمل المصريون جانبًا كبيرًا من إجراءات الإصلاح الاقتصادي، من خلال ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والمواصلات والسلع الغذائية، إلى جانب تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.
وفي المقابل، واصلت حكومة الانقلاب التوسع في مشروعات قومية وبنية تحتية ضخمة، بعضها يثير جدلًا بشأن أولوياته الاقتصادية وتوقيت تنفيذه وقدرته على تحقيق عوائد مباشرة للمواطنين.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا بشأن عدالة توزيع أعباء الإصلاح الاقتصادي، خاصة عندما تصبح زيادة أسعار السلع المدعمة أو تقليص قيمتها الحقيقية من الأدوات الأساسية لضبط الموازنة.
فالمواطن محدود الدخل لا يقيس نجاح السياسات الاقتصادية بحجم الإنفاق الحكومي المعلن أو بعدد المشروعات التي يجري افتتاحها، وإنما بقدرته على توفير الغذاء والسكن والعلاج والتعليم لأسرته.
كما أن زيادة المخصصات المالية لا تمثل إنجازًا اجتماعيًا في حد ذاتها إذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع، وإذا ظلت مستويات المساعدة أقل من الاحتياجات الأساسية للمستفيدين.
ومن ثم، فإن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي ينبغي أن يقاس بقدرته على خفض الفقر وتحسين الدخول وتوفير فرص العمل، لا بمجرد نقل أعباء الأزمة من الموازنة العامة إلى جيوب المواطنين.
الأرقام لا تُطعم الفقراء
تكشف المقارنة بين تصريحات مدبولي وتفاصيل مخصصات الدعم أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الأموال التي تُعلن حكومة الانقلاب إنفاقها، بل في الطريقة التي تستخدم بها هذه الأرقام لتقييم أوضاع المواطنين.
فإدراج المعاشات ودعم الصادرات وبنود أخرى ضمن الرقم الإجمالي للدعم لا يعني أن الأسر الفقيرة تحصل على هذه الأموال في صورة مساعدات مباشرة.
كما أن ارتفاع مخصصات الخبز والتموين من نحو 32 مليار جنيه إلى 178 مليارًا خلال أكثر من عقد لا يكفي لإثبات تحسن الدعم، ما لم تُحتسب معدلات التضخم والزيادة السكانية والقيمة الفعلية لما يحصل عليه المستفيدون.
والأهم أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والخدمات يجعل أثر الدعم محدودًا أمام الأعباء المتزايدة على الأسر.
وفي النهاية، لا تستطيع التصريحات الحكومية، مهما بدت أرقامها ضخمة، تغيير الواقع الذي يعيشه ملايين المصريين يوميًا.
فالمواطن الذي يجد صعوبة في شراء احتياجاته الأساسية لن يشعر بأنه يستفيد من واحدة من أكبر منظومات الدعم في العالم لمجرد أن رئيس الوزراء أعلن ذلك في مؤتمر رسمي.
ويبقى السؤال الذي يتعين على حكومة السيسي الإجابة عنه: إذا كان الدعم المصري من الأكبر عالميًا كما تقول الحكومة، فلماذا تتراجع قيمته الحقيقية، ولماذا تستحوذ فوائد الديون على أضعاف ما تخصصه الدولة لتوفير الغذاء لملايين المواطنين؟
إن حماية الفقراء لا تتحقق بتضخيم الأرقام أو استعراض المخصصات، وإنما بسياسات اقتصادية تعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتحافظ على القوة الشرائية للدعم، وتضمن ألا يصبح المواطن الطرف الذي يتحمل وحده تكلفة الأزمات والاختيارات الحكومية.