«زوال السعودية والإمارات».. عقيد أمريكي سابق يتوقّع نهاية النظام الإقليمي الذي صنعه الغرب

- ‎فيتقارير

عقيد أمريكي متقاعد يصف الأنظمة الخليجية بأنها كيانات مصطنعة مهددة بالزوال، ويتوقع تراجع المظلة الأمريكية وصعود مصر وتركيا وإيران.. لكن تصريحاته تفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل التحالفات الإقليمية وحدود النفوذ الأمريكي

أطلق العقيد الأمريكي المتقاعد دوجلاس ماكجريجور تصريحات مثيرة للجدل بشأن مستقبل السعودية والإمارات، معتبرا أن الترتيبات السياسية التي تشكلت في الشرق الأوسط عقب الحرب العالمية الأولى تواجه مرحلة أفول، وأن دولا خليجية قد تجد نفسها أمام تحولات تهدد استقرار أنظمتها، بالتزامن مع توقعاته بانسحاب أمريكي من المنطقة وصعود قوى إقليمية كبرى، في مقدمتها مصر وتركيا وإيران.

وجاءت تصريحات ماكجريجور خلال مقابلة عبر بودكاست "The Jimmy Dore Show"، في سياق تعليقه على الحرب السعودية ضد اليمن والتطورات الإقليمية، إذ ذهب إلى أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تسيران، بحسب تقديره، نحو مرحلة من التراجع قد تنتهي بزوال الكيانات السياسية القائمة بصورتها الحالية.

ورغم الطبيعة الحادة لهذه التوقعات، فإنها تعكس تصورا أوسع بشأن مستقبل النظام الإقليمي الذي تشكل على مدار القرن الماضي، ومدى قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حماية حلفائها، في ظل اتساع الأزمات العسكرية والاقتصادية وتزايد التنافس بين القوى الدولية والإقليمية.

السعودية والإمارات.. تحذيرات من نهاية الترتيبات القديمة

قال ماكجريجور: إن "زوال السعودية والإمارات بات، في تقديره، أمرا يصعب وقفه، معتبرا أن كثيرا من الكيانات السياسية في الشرق الأوسط نشأت في سياق ترتيبات دولية فرضتها القوى الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى، خصوصا بريطانيا وفرنسا، وأن هذه الترتيبات فقدت، بحسب رؤيته، قدرتها على الاستمرار في ظل التحولات الراهنة".

واستشهد بالأردن، الذي ربط نشأته بالدور البريطاني، قبل أن يوسع استنتاجاته لتشمل عددا من دول المنطقة، في قراءة تتعامل مع الحدود والتشكيلات السياسية القائمة باعتبارها نتاجا لتوازنات تاريخية قابلة للتغير.

لكن هذه الرؤية تظل تقديرا سياسيا لما قد تحمله التحولات الإقليمية، وليست دليلا على حتمية تفكك السعودية أو الإمارات، فالدولتان تمتلكان مؤسسات سياسية وأمنية واقتصادية، كما أن استمرارهما أو تعرضهما لأزمات وجودية يتوقف على مجموعة معقدة من العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، وليس على ظروف نشأتهما التاريخية وحدها.

ومع ذلك، فإن أهمية التصريحات تكمن في أنها تطرح سؤالا جوهريا عن قدرة الترتيبات الإقليمية القائمة على الصمود أمام الحروب المتواصلة، وتغير أولويات القوى الكبرى، واحتمالات تراجع المظلة الأمنية الأمريكية التي اعتمدت عليها دول خليجية لعقود.

حرب اليمن واختبار النفوذ السعودي

تأتي تصريحات ماكجريجور في ظل استمرار التداعيات الاستراتيجية للحرب في اليمن، التي كشفت عن تعقيدات إدارة الصراعات الإقليمية، وعن الفجوة المحتملة بين التفوق العسكري والقدرة على تحقيق تسوية سياسية مستقرة.

فالحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية داخل اليمن، بل ارتبطت بتوازنات أوسع بين السعودية وإيران، وبأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلا عن انعكاساتها على العلاقات الخليجية والدور الأمريكي في المنطقة.

وتواجه الرياض تحديات تتعلق بأمن حدودها الجنوبية، ومنع توسع الهجمات العابرة للحدود، والحفاظ على الاستقرار الضروري لتنفيذ مشروعاتها الاقتصادية الطموحة، كما أن أي تصعيد واسع قد يفرض تكاليف أمنية واقتصادية إضافية، ويعقد جهود تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

غير أن هذه التحديات لا تعني بالضرورة اقتراب انهيار الدولة السعودية، بل تبرز حجم الضغوط التي يمكن أن تواجهها القوى الإقليمية عندما تتشابك الأهداف العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والسياسية.

وتكشف التجربة اليمنية، في المقابل، أن الحروب الطويلة قد تستنزف الموارد وتعيد ترتيب الأولويات، حتى عندما لا تؤدي إلى تغيير مباشر في بنية الأنظمة الحاكمة.

"طبقة إبستين".. هجوم على النخب الحاكمة في الخليج

في جانب آخر من حديثه، استخدم ماكجريجور تعبيرا شديد اللهجة لوصف نظرة قطاعات من العرب إلى الحكام في شبه الجزيرة العربية، إذ شبّه النخب الحاكمة هناك بما سماه "طبقة إبستين"، في إشارة إلى شبكة العلاقات المرتبطة بالممول الأمريكي المدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين، وما أثارته من اتهامات وتساؤلات بشأن نفوذ الأثرياء وأصحاب السلطة.

وخصّ بالذكر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومعاصريه، معتبرا أن شرعية هذه النخب تواجه، بحسب تقديره، أزمة قد تجعل استمرارها موضع تساؤل.

ويعكس هذا الخطاب هجوما سياسيا على النخب الحاكمة، لكنه لا يمكن التعامل معه باعتباره قياسا موثقا لاتجاهات الرأي العام العربي، في غياب استطلاعات أو أدلة مستقلة تدعم هذا التعميم.

ومع ذلك، تظل العلاقة بين شرعية الأنظمة ومستوى المعيشة والمشاركة السياسية وتوزيع الثروة من القضايا المؤثرة في استقرار الدول، خصوصا في ظل الأزمات الاقتصادية وارتفاع التوقعات الاجتماعية واتساع النقاش حول المساءلة والشفافية.

كما أن اختزال مستقبل دول بأكملها في طبيعة نخبها الحاكمة يتجاهل تعقيد المجتمعات الخليجية، وتنوع مصالحها، وقدرة مؤسساتها على التكيف مع التحديات.

واشنطن تستعد للتراجع.. أم أن الانسحاب مجرد توقع؟

من أبرز محاور حديث ماكجريجور توقعه انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، مستشهدا بالتجربة الأمريكية في فيتنام، ومعتبرا أن واشنطن قد تتخذ مسارا مشابها في المنطقة، بحيث تتراجع عن أدوارها العسكرية المباشرة وتترك القوى الإقليمية تتولى إدارة توازناتها بنفسها.

ويمثل هذا التصور أحد السيناريوهات المطروحة في النقاش الاستراتيجي الأمريكي بشأن كلفة الانتشار العسكري الخارجي، وأولوية المنافسة مع الصين، ومخاطر الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، خصوصا إذا تحولت المواجهة مع إيران إلى صراع مباشر متعدد الجبهات.

لكن الانسحاب الأمريكي الكامل ليس نتيجة محسومة. فقد تتجه واشنطن، بدلا من مغادرة المنطقة نهائيا، إلى تقليص بعض التزاماتها العسكرية، أو إعادة توزيع قواتها، أو الاعتماد بصورة أكبر على الشركاء الإقليميين، مع الاحتفاظ بقواعد وقدرات عسكرية تتيح لها التدخل عند الضرورة.

وتستند العلاقات الأمريكية الخليجية إلى منظومة من المصالح الأمنية والاقتصادية والطاقة والتسليح والتعاون الاستخباراتي، وهي عوامل تجعل أي تغيير في الوجود الأمريكي عملية معقدة لا يمكن اختزالها في قرار واحد بالانسحاب.

ومع ذلك، فإن مجرد تصاعد الشكوك بشأن استدامة الالتزام الأمريكي يفرض على دول المنطقة مراجعة حساباتها، والبحث عن ترتيبات أمنية أكثر تنوعا، بدلا من الاعتماد الكامل على ضمانات خارجية قد تتغير تبعا لأولويات الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

مصر وتركيا وإيران.. من يملأ فراغ القوة؟

في تصوره لمستقبل الشرق الأوسط، اعتبر ماكجريجور أن مصر وتركيا وإيران تمثل القوى الإقليمية الأهم، مستندا إلى عمقها التاريخي والجغرافي والحضاري، ومتوقعا أن يكون لهذه الدول دور رئيسي في إدارة التوازنات المستقبلية إذا تراجع النفوذ الأمريكي.

ويطرح هذا التقدير احتمالا لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة، لكنه لا يعني أن الدول الثلاث ستتحرك باعتبارها كتلة واحدة، أو أنها ستتفق بالضرورة على شكل النظام الإقليمي المقبل.

فلكل دولة مصالحها وأولوياتها ومصادر قوتها وحدود قدرتها على التأثير.

مصر تمتلك موقعا استراتيجيا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتتحكم في قناة السويس، فضلا عن ثقلها السكاني والعسكري ودورها التاريخي في القضايا العربية. لكن توسيع دورها الإقليمي يرتبط أيضا بقدرتها على معالجة الضغوط الاقتصادية، وتعزيز الإنتاج، وحماية أمنها القومي، وتوفير قاعدة داخلية أكثر استقرارا للتحرك الخارجي.

أما تركيا، فتستند إلى قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متنامية، وموقع جغرافي يربط أوروبا بالشرق الأوسط، فضلا عن نشاطها في ملفات سوريا وليبيا وشرق المتوسط، لكنها تواجه بدورها تحديات اقتصادية وسياسية، وتباينات مع أطراف إقليمية ودولية تحد من قدرتها على فرض رؤيتها منفردة.

وتتمتع إيران بنفوذ جغرافي وعسكري وشبكة علاقات إقليمية واسعة، غير أن هذا النفوذ يصطدم بعقوبات اقتصادية وضغوط داخلية وتوترات أمنية، فضلا عن المخاطر المرتبطة بأي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وبالتالي، فإن امتلاك هذه الدول مقومات تاريخية وجغرافية لا يضمن تلقائيا قدرتها على قيادة المنطقة، فصناعة النفوذ تحتاج إلى اقتصاد قوي ومؤسسات فعالة وسياسات قابلة للاستمرار، كما تتطلب إدارة الخلافات وبناء تفاهمات تمنع تحول التنافس الإقليمي إلى صراعات مفتوحة.

إسرائيل في معادلة ما بعد النفوذ الأمريكي

لم يستثن ماكجريجور إسرائيل من قراءته للتحولات المحتملة، بل وصفها أيضا بأنها كيان حديث النشأة مقارنة بالحضارات القديمة في المنطقة، وطرح تساؤلا حول الطرف الذي سيدير التوازنات الإقليمية إذا انسحبت الولايات المتحدة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تمثل أحد أعمدة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، كما أن التفوق العسكري الإسرائيلي يرتبط بدرجة كبيرة بالتعاون الأمني والتكنولوجي والعسكري مع واشنطن.

لكن افتراض أن تراجع الوجود العسكري الأمريكي سيؤدي تلقائيا إلى نهاية النفوذ الإسرائيلي يتجاهل عوامل أخرى، من بينها القدرات العسكرية الإسرائيلية، وشبكة العلاقات الدولية، والتفوق التكنولوجي، فضلا عن طبيعة التوازنات بين القوى المحيطة بها.

وفي المقابل، فإن أي تراجع ملموس في الدعم الأمريكي قد يفرض على إسرائيل مراجعة حساباتها الاستراتيجية، خصوصا إذا تزامن مع تغير موازين القوى الإقليمية، وتزايد الضغوط الدولية، وارتفاع كلفة المواجهات العسكرية.

كما أن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بقدرة القوى الكبرى على فرض النفوذ، بل أيضا بمدى التوصل إلى تسويات سياسية تعالج جذور الصراعات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بدلا من استمرار إدارة الأزمات عبر القوة العسكرية وحدها.

هل تتجه المنطقة إلى نظام إقليمي جديد؟

تعكس تصريحات ماكجريجور رؤية متشائمة تجاه مستقبل الأنظمة الخليجية، وتوقعا بتراجع الدور الأمريكي وصعود القوى الإقليمية ذات الامتداد التاريخي، لكن الفارق كبير بين رصد تحولات فعلية في ميزان القوى وبين الجزم بانهيار دول أو حتمية انتقال القيادة الإقليمية إلى أطراف بعينها.

فالسعودية والإمارات ليستا مجرد ترتيبات حدودية ورثتها المنطقة عن الحقبة الاستعمارية، بل دولتان تطورتا عبر مسارات سياسية واقتصادية واجتماعية خاصة، وأصبحت لهما مصالح ومؤسسات وشبكات علاقات دولية مؤثرة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد أن تؤدي الحروب الطويلة وتغير الأولويات الأمريكية وتصاعد التنافس الدولي إلى إعادة تشكيل التحالفات، أو تقليص بعض مظاهر الاعتماد الأمني على واشنطن، أو دفع دول المنطقة إلى بناء تفاهمات جديدة.

وبالنسبة إلى مصر، فإن التحولات المحتملة تفتح المجال أمام دور إقليمي أوسع، لكنها تضع أمامها تحديا أساسيا: تحويل ثقلها التاريخي والجغرافي إلى قدرة فعلية على التأثير، عبر تعزيز الاقتصاد والإنتاج والاستقرار الداخلي، وتبني سياسة خارجية متوازنة تستند إلى المصالح الوطنية لا إلى التبعية لأي محور.

في المحصلة، لا تمثل تصريحات ماكجريجور حكما نهائيا على مصير السعودية والإمارات، بقدر ما تعكس قراءة متشددة لاحتمالات التغيير في الشرق الأوسط، أما السؤال الأهم، فلا يتعلق فقط بمن سيملأ أي فراغ أمريكي محتمل، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي قد ينشأ: هل يقوم على تنافس القوى العسكرية والنفوذ، أم على تفاهمات تحمي سيادة الدول وتقلل كلفة الصراعات على شعوب المنطقة؟