تحقيقات دولية تلاحق شبكات السلاح والمرتزقة وأبوظبي تحت ضغط متصاعد.
أوكرانيا في كردفان.. اتهامات بوجود مدربين وقناصة أجانب داخل صفوف المليشيا
تتسع دائرة الاتهامات بشأن التدخلات الخارجية في الحرب السودانية، مع كشف وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم عن اعتقال عدد من القناصة والمدربين الأوكرانيين خلال العمليات العسكرية في إقليم كردفان، ومقتل آخرين، إلى جانب مصادرة أسلحة قال "إنها تشكل جزءاً من أدلة مادية تثبت تورط عناصر أجنبية في القتال".
وأوضح سالم، في تصريحات لوكالة «نوفوستي» الروسية، أن مدربين أوكرانيين تولوا تدريب عناصر مليشيا الدعم السريع على تشغيل الطائرات المسيّرة وتوجيهها لاستهداف المنشآت المدنية، في تطور يسلط الضوء على اتساع نطاق المشاركة الأجنبية في العمليات العسكرية داخل السودان.
وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع اتهامات وزير الدفاع السوداني حسن داؤود كبرون لأكثر من 20 دولة بتقديم أشكال مختلفة من الدعم اللوجستي والمالي والعسكري لمليشيات الدعم السريع، تشمل المرتزقة والطائرات المسيّرة والإمدادات العسكرية.
ووصف كبرون ما يجري في السودان بأنه ليس حرباً أهلية أو صراعاً على السلطة، وإنما حرب شاملة تستهدف تدمير البلاد ونهب ثرواتها وإحداث تغيير ديمغرافي فيها، كاشفاً عن مساعٍ سودانية للانضمام إلى تجمع الحماية المشتركة للبحر الأحمر.
ولم يسمِّ وزير الدفاع السوداني حسن داؤود كبرون الدول العشرين بالاسم في تصريحاته المنشورة 28 أكتوبر لوكالة السودان للأنباء (سونا) وأكد أن بعضها يقدم دعماً لوجستياً ومالياً، وبعضها يوفر المرتزقة والطائرات المسيّرة.
لكن الدول التي برزت في الاتهامات السودانية والتقارير المرتبطة بالحرب تشمل:
الإمارات العربية المتحدة: تتهمها الحكومة السودانية بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لمليشيات الدعم السريع، وتنفي أبوظبي ذلك.
إثيوبيا: اتهمتها الخرطوم بالسماح باستخدام أراضيها في أنشطة عسكرية، وقالت إنها تمتلك أدلة على انطلاق مسيّرات استهدفت السودان من أراضيها.
تشاد: ورد اسمها في تقارير البعثة الدولية لتقصي الحقائق بشأن شبكات نقل الأسلحة والإمدادات.
ليبيا (جنوب شرق ليبيا): وردت ضمن مناطق نشاط شبكات الإمداد العابرة للحدود.
وفي حواره مع سونا، قال كبرون: "إن السودان يمتلك صوراً وفيديوهات وأدلة عن دول أقامت معسكرات تدريب ووفرت السلاح والعربات والمسيّرات والمرتزقة، لكنه لم يكشف أسماءها تفصيلياً".
الإمارات في قلب الاتهامات
وفي تطور موازٍ، عرض رئيس البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، محمد شاندي عثمان، أمام الأمم المتحدة نتائج تحقيقات تتعلق بالدعم الخارجي المقدم لمليشيا الدعم السريع، مشيراً إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شبكة عابرة للحدود ساهمت في نقل الأسلحة وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة والدعم اللوجستي والأفراد إلى المليشيا.
وبحسب ما أورده رئيس البعثة، تضم الشبكة أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات وتشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند الصومالية، بما يشير إلى تعدد مسارات الإمداد والتسهيلات العابرة للحدود.
كما وثقت التحقيقات تجنيد وتدريب ونشر عسكريين كولومبيين سابقين، قالت البعثة "إنهم أدوا دوراً أساسياً في استيلاء مليشيا الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025".
وفي واحدة من أخطر خلاصات التحقيق، أشار رئيس البعثة إلى أن الجرائم المرتكبة في الفاشر، بما شملته من قتل جماعي واستهداف عرقي وتجويع وفرض ظروف معيشية تستهدف التدمير المادي لجماعات بعينها، تحمل سمات الإبادة الجماعية.
وشدد على أن المساءلة الدولية ينبغي ألا تقتصر على المنفذين المباشرين للانتهاكات، بل يجب أن تشمل أيضاً كل من يمول أو يسلح أو يمد مرتكبي الجرائم بالإمدادات أو يسهل ارتكابها.
أبوظبي تحت المساءلة البريطانية
وانتقلت تداعيات الحرب السودانية إلى أروقة السياسة البريطانية، حيث أثار النائب المحافظ إيان دنكان سميث ملف الدعم الإماراتي لمليشيات الدعم السريع خلال جلسة في مجلس العموم، مطالباً الحكومة البريطانية بإدانة ما وصفه بالتورط الإماراتي بصورة واضحة لا لبس فيها.
وأشار النائب إلى الاتهامات الخطيرة المتعلقة بدعم المليشيا المسؤولة عن انتهاكات واسعة وخسائر بشرية فادحة في السودان، رابطاً القضية بترشيح الدبلوماسية الإماراتية لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة.
واعتبر أن ترشيح شخصية تمثل دولة تواجه اتهامات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان يثير تساؤلات بشأن مدى انسجام ذلك مع المبادئ التي يفترض أن تدافع عنها المنظمة الدولية، داعياً الحكومة البريطانية إلى معارضة الترشيح ومطالبة أبوظبي بالمساءلة.
هيومن رايتس ووتش ولانا نسيبة
وبدورها، وجهت منظمة «هيومن رايتس ووتش» انتقادات لترشيح لانا زكي نسيبة، متهمة إياها بالدفاع عن المواقف الإماراتية والتقليل من شأن تقارير حقوقية ودولية تناولت انتهاكات مرتبطة بدور بلادها في السودان واليمن.
وقالت المنظمة: "إن نسيبة نفت تقديم الإمارات دعماً عسكرياً للدعم السريع، رغم ما وصفته بتقارير أممية وحقوقية تتضمن أدلة على وصول دعم عسكري إلى المليشيات عبر شبكات مرتبطة بالإمارات".
كما أشارت إلى جهود ضغط استهدفت البرلمان الأوروبي لتجنب تحميل أبوظبي مسؤولية دعم الدعم السريع، وإلى تقارير تحدثت عن تجنيد مقاتلين أجانب ونقلهم إلى السودان.
وامتدت انتقادات المنظمة إلى الموقف الإماراتي من الحرب في اليمن، مستحضرة ما وثقته من انتهاكات وغارات غير قانونية بحق المدنيين، إضافة إلى جهود إنهاء ولاية فريق أممي مستقل للتحقيق في انتهاكات الحرب.
وقال برونو ستانيو أوغارتي، كبير مسؤولي المناصرة في المنظمة: "إن نسيبة سعت على مدى أكثر من عقد إلى الدفاع عن دور الإمارات في السودان واليمن، داعياً الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى مساءلتها بشأن استقلالية المنظمة الدولية واستعدادها لحماية آليات التحقيق والمحاسبة".
شكوى في إنجلترا ضد منصور بن زايد
ووفي سياق متصل، تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي معلومات عن تقديم شكوى رسمية في إنجلترا تطالب بالتحقيق مع منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات ومالك نادي مانشستر سيتي، على خلفية اتهامات تتعلق بتمويل وتسليح ميشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو.
وتضمنت احتمال اتخاذ إجراءات تتعلق بأصول مرتبطة بعائلة آل نهيان أو تعيين حارس قضائي على النادي في حال ثبوت مخالفات قانونية.
وفي سياق الانتقادات الإعلامية، نشر الصحفي الأمريكي الحائز جائزة بوليتزر نيكولاس كريستوف تعليقاً دعا فيه الإمارات إلى وقف تسليح مليشيات الدعم السريع، معتبراً أن معالجة الانتقادات المتعلقة بالتغطية الصحفية تبدأ بوقف السياسات المثيرة للجدل، لا بمحاولة التأثير على الصحفيين.
"حبيبي قاطع دبي" حملة مقاطعة
وعلى صعيد الرأي العام، تواجه الإمارات موجة متصاعدة من الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي؛ بسبب الاتهامات المتعلقة بدورها في الحرب السودانية، مع انتقال الحملة من المطالبة بوقف الدعم العسكري إلى الدعوة لمقاطعة الإمارات، وتحديداً دبي بوصفها مركزاً مالياً وسياحياً وترفيهياً عالمياً.
ووفق تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، تصاعدت اتهامات لأبوظبي بالمساهمة في تمويل الحرب والانتهاكات المرتكبة في السودان، خصوصاً عقب سقوط مدينة الفاشر في يد "الدعم السريع" وما أعقبه من تقارير عن عمليات قتل جماعي واغتصاب وانتهاكات واسعة بحق المدنيين.
وبرز شعار "حبيبي قاطع دبي" بوصفه عنواناً للحملة، في محاكاة ساخرة للحملة الترويجية الشهيرة "حبيبي تعال دبي"، مستهدفاً الصورة الدولية التي عملت الإمارات لسنوات على بنائها باعتبارها وجهة عالمية للاستثمار والسياحة والأعمال.
وشارك في الترويج للحملة ناشطون وشخصيات عامة، من بينهم الناشطة البيئية غريتا تونبرغ ومغني الراب ماكلِمور، فيما تجاوزت الدعوات منصات التواصل لتشمل المطالبة بمقاطعة الدولة بأكملها.
ونقل تقرير الوكالة عن باحثين ومحللين أن الحملة قد تلحق أضراراً بسمعة الإمارات، خصوصاً أن الحرب السودانية أصبحت حاضرة بصورة أوسع في الوعي العام الدولي، لكنهم أشاروا إلى أن تحديد آثار اقتصادية أو سياسية ملموسة للمقاطعة لا يزال مبكراً.
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الإماراتية الاتهامات، ووصفتها بأنها اتهامات باطلة ودعاية متعمدة، مؤكدة إدانتها للعنف الصادر عن طرفي الصراع. كما كثفت شخصيات ومسؤولون إماراتيون من تصريحات التنديد بالفظائع المرتكبة في السودان وانتقاد ما وصفوه بالأخبار الكاذبة.
انشقاق قيادي بارز من الدعم السريع
وفي تطور ميداني وسياسي لافت، أعلن اللواء صادق عبد الرحمن أندر، أحد القيادات البارزة في مليشيات الدعم السريع، انشقاقه عن المليشيا وانضمامه إلى القوات المسلحة السودانية.
وكان أندر يتولى قيادة المجموعة الخامسة عشرة التابعة للدعم السريع، كما أشرف على عمليات الحشد والتجنيد، ما يمنح انشقاقه أهمية تتجاوز الجانب الفردي إلى دلالاته المتعلقة بالتصدعات داخل البنية القيادية والتنظيمية للمليشيا.
وفي تسجيل مصور، قال أندر: "إنه توصل إلى قناعة بأن مليشيات الدعم السريع تخدم مشروعاً عائلياً تديره أسرة دقلو، متهماً العائلة بالسيطرة على أموال الدعم السريع وأسلحتها ومقاتليها ورتبها العسكرية".
كما اتهم قيادة المليشيا بممارسة إجراءات عقابية ضد المعارضين داخل صفوفها، تشمل الطرد والسجن والإعدام السري، داعياً بقية المقاتلين إلى مغادرة صفوفها، ومعلناً قطع علاقته بعائلة دقلو وتحالف «تأسيس» الذي تقوده مليشيات الدعم السريع.
ويأتي انشقاق أندر، وفق المعلومات المتداولة، في أعقاب سلسلة من الانشقاقات التي طالت مسؤولين وقيادات بارزة في الأشهر الماضية، في مؤشر على استمرار التحديات الداخلية التي تواجه قيادة المليشيا.
https://x.com/NickKristof/status/2107122145461768312
https://x.com/dailytimespress/status/2116182728844673178