فتح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عمارة مواجهة جديدة بشأن إدارة الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية، معلنًا تقديم بلاغ إلى النائب العام ضد المنقلب السفيه، عبد الفتاح السيسي، يتهمه فيه بالمسئولية السياسية عن مسار اقتصادي يقول إنه أفضى إلى إهدار الموارد وتراكم الديون وتدهور الأوضاع المعيشية.
وعرض عمارة، عبر صفحته الشخصية، ما وصفه بشهادته على كواليس القرارات الاقتصادية منذ عام 2014، معلنًا استعداده للمثول أمام جهات التحقيق بصفته شاهد إثبات، ومشيرًا إلى أنه يوثق روايته في كتابه الجديد «استقالة مواطن».
وتتركز رواية عمارة على أن المشكلة، من وجهة نظره، لم تكن في غياب الأفكار والدراسات الاقتصادية، بل في تجاهل المقترحات التي قال إنه قدمها إلى الرئاسة، والمضي في تنفيذ مشروعات وسياسات يرى أنها ابتعدت عن أولويات الإنتاج والتصدير والتشغيل.
وتكتسب شهادته أهمية إضافية بالنظر إلى كتاباته المنشورة منذ السنوات الأولى لحكم السيسي، إذ سبق أن انتقد علنًا طريقة إدارة الأفكار والمشروعات الحكومية، وطالب بوجود آليات لمتابعة المقترحات وتنفيذها بدلًا من الاكتفاء بالإعلان عنها.
مكالمة 2014.. بداية الخلاف حول أولويات الاقتصاد
بحسب رواية عمارة، بدأت القصة في 28 أغسطس 2014، عندما تلقى اتصالًا هاتفيًا من السيسي، تناول خلاله الطرفان قضايا الإنتاج والتصدير والاقتصاد، وطلب السيسي إعداد ملف يتضمن مشروعات مدروسة الجدوى.
ويقول عمارة إنه قدم تصورًا اقتصاديًا يقوم على ثلاث ركائز أساسية: التصنيع والتصدير والتشغيل، باعتبارها الطريق إلى زيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحسين دخول المواطنين، وتعزيز قدرة الدولة على سداد ديونها بدلًا من الاعتماد المتزايد على الاقتراض.
وأضاف أنه أرسل مقترحاته إلى مكتب الرئاسة ثلاث مرات، لكنه لم يتلق ردًا عليها، قبل أن يكتشف، وفق روايته، أن مسار المشروعات والسياسات الاقتصادية يسير في اتجاه مغاير لما اقترحه.
وتتصل هذه الرواية بانتقادات سبق أن نشرها عمارة في صحيفة «الوطن» خلال عام 2014، حين تحدث عن وجود عدد كبير من الأفكار والدراسات لدى الخبراء ومراكز البحوث، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب المتابعة والتنفيذ وتحديد الأولويات.
ويضع هذا الجانب من شهادته قضية التخطيط الاقتصادي في قلب النقاش حول إدارة الدولة: هل كانت القرارات الكبرى تستند إلى دراسات جدوى معلنة، ومقارنات واضحة بين التكلفة والعائد، وتقديرات للمخاطر المالية؟ أم أن بعض المشروعات مضى قدمًا رغم وجود تحذيرات من جدواها أو من أثرها على موارد الدولة؟
ولا يمكن حسم هذه الأسئلة اعتمادًا على رواية طرف واحد، لكنها تبرز الحاجة إلى إتاحة دراسات الجدوى والتقييمات اللاحقة للمشروعات العامة، بما يسمح للبرلمان والأجهزة الرقابية والرأي العام بفحص القرارات ومقارنتها بالنتائج الفعلية.
تحذيرات وصلت إلى جهات رسمية.. ثم صمت
يقول عمارة إنه حاول، مع تصاعد مخاوفه من اتجاه السياسات الاقتصادية، إيصال تحذيراته إلى جهات رسمية مختلفة، وإنه طرق أبواب أجهزة سيادية حتى عام 2016، محذرًا من العواقب التي توقع أن تترتب على المسار الاقتصادي المتبع.
كما يشير إلى أنه نشر مقالات تحذيرية في صحيفتي "المصري اليوم" و"الوطن"، ضمن سلسلة حملت عنوان "صباح الخير سيادة الرئيس"، تناول فيها، بحسب روايته، أولويات الاقتصاد وطريقة إدارة المشروعات الحكومية.
ويؤكد عمارة أنه تعرض بعد ذلك للتضييق على نشاطه الإعلامي، قائلًا إنه مُنع من الكتابة والظهور الإعلامي وإلقاء المحاضرات التطوعية في الجامعات، وإنه اضطر إلى مغادرة مصر.
وتظل هذه التفاصيل، بما فيها طبيعة القيود التي يقول إنه تعرض لها والأسباب المرتبطة بها، جزءًا من روايته الشخصية التي تحتاج إلى توثيق مستقل وشهادات إضافية لتحديد ملابساتها بدقة.
لكن كتاباته المنشورة في تلك الفترة تظهر أنه كان يوجه انتقادات علنية إلى طريقة إدارة الملفات الاقتصادية، وأنه دعا إلى محاسبة المسئولين عن التعثر، بدلًا من استمرارهم في مواقعهم من دون تقييم واضح للنتائج.
وتثير هذه الرواية سؤالًا يتجاوز الخلاف بين خبير اقتصادي والرئاسة: ما مدى قدرة الخبراء على إيصال التحذيرات الفنية إلى دوائر صنع القرار؟ وهل توجد آليات مؤسسية تضمن فحص الآراء المخالفة، خصوصًا عندما تتعلق بمشروعات قومية تستهلك مليارات الجنيهات من المال العام؟
خسائر بالمليارات.. اتهامات تنتظر التدقيق
في الجانب الأكثر خطورة من شهادته، يتهم عمارة جهات لم يسمها بالتدخل في ملفات رقابية وإفساد مسار بعض المشروعات، ويتحدث عن خسائر ضخمة يقول إنها لحقت بمشروعات الصوب الزراعية بقاعدة محمد نجيب، ومشروع المليون ونصف المليون فدان، ومشروعات الثروة السمكية.
ووفق الأرقام التي أوردها عمارة، بلغت الخسائر التي ينسبها إلى مشروع الصوب الزراعية نحو 190 مليار جنيه، بينما قدر خسائر مشروع المليون ونصف المليون فدان بنحو 68 مليار جنيه.
وتعد هذه الأرقام من أبرز ما ورد في اتهاماته، لكنها تحتاج إلى تدقيق مستقل في طبيعة الخسائر وطريقة احتسابها، والفترة الزمنية التي تخصها، وما إذا كانت تمثل خسائر مالية محققة أو تكلفة استثمارية أو تقديرات للعائد الضائع.
فالحكم على الجدوى الاقتصادية لأي مشروع لا يعتمد فقط على حجم الأموال التي أُنفقت عليه، وإنما يتطلب مقارنة التكلفة الفعلية بالعائد المحقق، وتقييم الأصول المتبقية، وحساب تكاليف التشغيل والصيانة والتمويل، فضلًا عن تحديد ما إذا كانت الأهداف المعلنة قد تحققت.
وفي حالة المشروعات الزراعية، تزداد أهمية هذه المقارنة بسبب ارتباط النتائج بعوامل متعددة، منها مصادر المياه وتكلفة استصلاح الأراضي والطاقة والنقل، ونوعية المحاصيل، والإنتاجية الفعلية، وأسعار البيع، ومدى وجود صناعات تحويلية وأسواق قادرة على استيعاب الإنتاج.
وتشير بيانات حكومية منشورة عن مشروع المليون ونصف المليون فدان إلى أن المشروع أُطلق بهدف توسيع الرقعة الزراعية، وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وإقامة مجتمعات زراعية وعمرانية متكاملة. كما أشارت تقارير صحفية إلى أن التكلفة الأولية المقدرة للمشروع تراوحت بين 60 و70 مليار جنيه. غير أن هذه البيانات لا تثبت وحدها صحة رقم الخسائر الذي أورده عمارة، ولا تنفيه، إذ يتطلب الأمر حسابًا مستقلًا يحدد التكلفة والعائد والخسائر الفعلية.
وسبق لعمارة نفسه أن انتقد مشروع المليون ونصف المليون فدان في تصريحات صحفية عام 2016، معترضًا على ما اعتبره إنفاقًا غير مبرر في ظل نتائج زراعية محدودة آنذاك.
ومن هنا، فإن جوهر القضية لا يقتصر على تبادل الاتهامات بشأن نجاح مشروع أو إخفاقه، بل يتطلب نشر حسابات ختامية مفصلة، ونتائج تقييم مستقلة، وبيانات عن الإنتاج والعائد والتكاليف، حتى يمكن تحديد المسؤوليات على أساس الأدلة.
"أيدٍ خفية" وملفات الرقابة… أين المحاسبة؟
تتضمن رواية عمارة اتهامات بوجود تدخلات في ملفات الرقابة الإدارية، قال إنها أسهمت في وقوع خسائر مالية داخل بعض المشروعات، من دون أن يقدم النص المتاح تفاصيل كافية لتحديد هوية المسئولين الذين يشير إليهم أو طبيعة التدخلات المزعومة.
وتضع هذه الاتهامات مسألة الرقابة على المشروعات القومية في صدارة الأسئلة المطروحة: هل خضعت دراسات الجدوى لمراجعة مستقلة قبل التنفيذ؟ وهل جرى تحديثها عندما تغيرت تكاليف التمويل أو التشغيل أو تراجعت التوقعات المتعلقة بالعائد؟ وما الإجراءات التي اتخذتها الجهات الرقابية إذا رصدت انحرافات عن الخطط الأصلية؟
كما تبرز أهمية معرفة ما إذا كانت الملاحظات الرقابية قد أدت إلى تصحيح المسار أو مساءلة المسئولين، أم ظلت محصورة في تقارير داخلية لا تتاح نتائجها للرأي العام.
ولا يكفي، في هذا السياق، أن تعلن الدولة تنفيذ مشروع باعتباره إنجازًا قوميًّا؛ إذ ينبغي أن تكون هناك مؤشرات منشورة لقياس نجاحه، تشمل حجم الاستثمار، والإنتاج الفعلي، والعائد الاقتصادي، وفرص العمل المستدامة، والأثر على الواردات والصادرات، ومدى استرداد التكلفة.
وإذا كانت هناك خسائر بالمليارات كما يقول عمارة، فإن الطريق إلى تحديد المسئولية لا يكون بالاكتفاء بالاتهامات، بل بفتح فحص مالي وفني مستقل، ومراجعة العقود والتكاليف والإيرادات، وتحديد أوجه القصور إن وجدت، ثم إحالة ما يثبت أنه ينطوي على مخالفات إلى الجهات المختصة.
من «بنك الأفكار» إلى «استقالة مواطن»
يقدم عمارة نفسه باعتباره خبيرًا شارك في طرح أفكار ومقترحات على مؤسسات الدولة، قبل أن يتحول، وفق روايته، إلى منتقد لمسار تنفيذ المشروعات والسياسات الاقتصادية.
وقد ارتبط اسمه بتأسيس «بنك الأفكار» في مركز دعم واتخاذ القرار بمجلس الوزراء، وهي تجربة تحدث عنها في مقالاته المنشورة عام 2014، منتقدًا تكرار إنشاء مبادرات مشابهة من دون وجود آلية واضحة لتقييم الأفكار وتنفيذها.
ويقول عمارة إن كتابه الجديد «استقالة مواطن» يجمع شهاداته ومواقفه بشأن إدارة الدولة خلال السنوات الماضية، وإنه يريد أن يضع ما لديه من معلومات أمام جهات التحقيق.
وتحمل هذه الخطوة، إذا مضت إلى إجراءات رسمية، أهمية تتجاوز مضمون الكتاب ذاته؛ إذ يمكن أن تتيح فحص ما يطرحه من وقائع وأرقام، والتحقق من المستندات التي يستند إليها، وسماع رد الجهات المعنية بشأن المشروعات التي يتحدث عنها.
لكن إعلان الاستعداد للإدلاء بشهادة لا يعني، في حد ذاته، أن جميع الاتهامات قد ثبتت أو أن بلاغًا ما أدى إلى فتح تحقيق رسمي. ويظل من الضروري التحقق من تسجيل البلاغ لدى النيابة العامة، ومضمونه الكامل، وأي قرارات تصدر بشأنه، قبل الجزم بوجود مسار قضائي بدأ بالفعل.
الديون والمشروعات الكبرى.. سؤال الأولويات
تأتي اتهامات عمارة في سياق جدل أوسع حول أولويات الإنفاق العام في مصر، ودور المشروعات الكبرى في الاقتصاد، ومدى مساهمتها في رفع الإنتاجية وتوفير موارد دولارية وفرص عمل مستدامة.
فالمشروعات العامة يمكن أن تُسهم في التنمية إذا استندت إلى دراسات واقعية، وربطت الاستثمار بقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير، وحققت عائدًا يتناسب مع تكلفة التمويل. لكنها قد تتحول إلى عبء إذا ارتفعت تكلفتها، أو تأخر تشغيلها، أو لم تحقق الإيرادات المتوقعة، خصوصًا عندما تمول بالاقتراض.
ومن هنا، فإن النقاش حول شهادات عمارة يعيد طرح أسئلة تتعلق بكيفية اختيار المشروعات، ومدى الإفصاح عن تكلفتها الحقيقية، والجهات التي تراجع جدواها، وما إذا كانت القرارات الاقتصادية تخضع لمحاسبة مستقلة عند ظهور نتائج مغايرة للتوقعات.
كما يسلط الضوء على أهمية التمييز بين حجم الإنفاق باعتباره رقمًا معلنًا، وبين العائد الاقتصادي والاجتماعي الذي تحقق بالفعل. فزيادة الاستثمارات لا تعني تلقائيًا تحسن الإنتاجية أو ارتفاع الصادرات، ما لم تنعكس في نشاط اقتصادي قادر على خلق قيمة مضافة وتوفير موارد مستدامة للدولة.
بلاغ يفتح باب الأسئلة.. والأدلة هي الفيصل
يطالب عمارة، وفق ما أعلنه، بفتح تحقيق في المسئولية عن إهدار المال العام وما يصفه بإفقار المصريين وتكبيل الأجيال المقبلة بالديون. كما حذر من احتمال مغادرة أشخاص يتهمهم بالمسئولية عن الأوضاع الحالية البلاد، مستشهدًا بتصريح سابق منسوب إلى السيسي بشأن مغادرة البلاد إذا تعرضت للخراب.
غير أن إثبات المسئولية القانونية عن القرارات الاقتصادية يتطلب أكثر من إثبات أن مشروعًا لم يحقق أهدافه أو أن الدين العام ارتفع؛ إذ ينبغي تحديد القرار محل الفحص، والجهة التي اتخذته، والدراسات المتاحة وقت صدوره، ومدى الالتزام بالقواعد القانونية والمالية، وما إذا كانت هناك مخالفات أو أضرار يمكن إسنادها إلى مسئولين بعينهم.
وتظل قيمة شهادة عمارة مرتبطة بقدرته على تقديم المستندات التي تدعم روايته، وبمدى استعداد الجهات المختصة لفحصها، وبإتاحة المعلومات التي تسمح للرأي العام بتقييم النتائج بعيدًا عن الدعاية الرسمية أو الاتهامات غير المدعومة.
وفي المحصلة، تضع الاتهامات المطروحة قضية إدارة المشروعات القومية والرقابة على المال العام أمام اختبار الشفافية والمساءلة. فإذا كانت هناك دراسات جدوى جرى تجاهلها، أو خسائر مالية لم تخضع للمراجعة الكافية، فإن كشفها والتحقيق فيها يمثلان ضرورة لحماية المال العام. وإذا كانت الأرقام المتداولة غير دقيقة أو تخلط بين التكلفة والخسائر، فإن نشر الحسابات الرسمية والتقييمات المستقلة هو الطريق إلى حسم الجدل.
فالسؤال الأهم ليس فقط لماذا تجاهلت الدولة، وفق رواية عمارة، تحذيرات اقتصادية مبكرة، بل أين الدراسات التي استندت إليها القرارات الكبرى، وما العائد الذي تحقق من مليارات الإنفاق، ومن يتحمل المسئولية إذا أثبتت مراجعة مستقلة وقوع إهدار أو مخالفات؟