مصر ال١٣٠ في مؤشر الفساد.. أين تذهب حصيلة مكافحة إهدار المال العام؟

- ‎فيتقارير

بينما تقترب مخصصات الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية من 7.9 مليار جنيه في موازنة 2026/2027، تستقر مصر عند 30 نقطة في مؤشر مدركات الفساد، وسط مطالب برلمانية بكشف حصيلة الأموال المستردة ومحاسبة المسئولين عن إهدار المال العام، وتساؤلات حول استقلال الأجهزة الرقابية وفاعلية أدواتها.

ويُفترض في المؤسسات الرقابية أن تكون خط الدفاع الأول عن المال العام، وأن تمتلك الاستقلال والصلاحيات اللازمة لكشف المخالفات ومحاسبة المسئولين عنها دون تمييز، بعيدًا عن الحسابات السياسية أو المصالح المرتبطة بمراكز النفوذ.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما ترصده هذه المؤسسات، بل بما يحدث بعد اكتشاف المخالفة: كم من الأموال المهدرة يعود إلى خزينة الدولة؟ وكم من المسئولين يخضعون لمساءلة فعلية؟ وما حجم التغيير الذي يلمسه المواطن في إدارة الموارد العامة وجودة الخدمات؟

تكتسب هذه الأسئلة أهمية مع اقتراب مخصصات الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية من 7.867 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2026/2027، في وقت سجلت فيه مصر 30 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، واحتلت المركز 130 عالميًا من بين 182 دولة وإقليمًا.

وبينما تتواصل الاستراتيجيات الرسمية لمكافحة الفساد، تثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن فاعلية الإنفاق الرقابي، ومدى استقلال المؤسسات المعنية، وقدرتها على تحويل تقاريرها وملاحظاتها إلى إجراءات تصحيحية ومحاسبة قابلة للقياس.

 

مليارات للرقابة.. لكن أين النتائج؟

تبلغ المخصصات المجمعة للجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية نحو 7.867 مليار جنيه في مشروع موازنة 2026/2027، بما يعادل قرابة 0.15% من إجمالي المصروفات المقدرة بنحو 5.188 تريليون جنيه.

وفي الموازنة نفسها، تبلغ مخصصات الصحة نحو 369 مليار جنيه، والتعليم نحو 422.3 مليار جنيه، وفق الأرقام الواردة في البيانات المنشورة عن التوزيع القطاعي للإنفاق العام.

لكن المقارنة بين هذه المخصصات لا تكفي وحدها للحكم على كفاءة الإنفاق، سواء في المؤسسات الرقابية أو القطاعات الخدمية؛ فالمعيار الأساسي هو ما تحققه الأموال المخصصة من نتائج ملموسة.

وفي حالة الأجهزة الرقابية، يتطلب التقييم معرفة عدد المخالفات التي جرى اكتشافها، وقيمة الأموال التي ثبت إهدارها أو الاستيلاء عليها، وما استُرد منها فعليًا، وعدد المسئولين الذين خضعوا للتحقيق والمحاكمة، ونسبة تنفيذ التوصيات الواردة في تقارير الرقابة.

ومن دون نشر هذه البيانات بصورة دورية ومتكاملة، تظل المخصصات المالية رقمًا في الموازنة، بينما يصعب على البرلمان والرأي العام تحديد ما إذا كانت جهود مكافحة الفساد تحقق النتائج المستهدفة أم لا.

 

مؤشر الفساد.. تراجع مستمر رغم الاستراتيجيات

تعكس نتائج مؤشر مدركات الفساد مسارًا مقلقًا في تقييم البيئة المؤسسية المصرية. فبعد أن سجلت مصر 37 نقطة واحتلت المركز 94 عالميًا عام 2014، تراجعت درجاتها وترتيبها خلال السنوات التالية.

وفي عام 2024، خسرت مصر خمس نقاط و22 مركزًا، منتقلة من المرتبة 108 عام 2023 إلى المرتبة 130، ثم حافظت على النتيجة نفسها، البالغة 30 نقطة، في مؤشر عام 2025.

ولا يقيس مؤشر مدركات الفساد العدد الفعلي للقضايا المكتشفة أو قيمة الأموال المختلسة، وإنما يستند إلى مجموعة من المصادر والتقييمات المتعلقة بمدركات فساد القطاع العام. وتشمل الموضوعات التي تعكسها هذه التقييمات الرشوة واختلاس المال العام واستغلال المناصب والمحاباة، فضلًا عن فاعلية المحاسبة والشفافية وحماية المبلغين وإتاحة المعلومات.

لذلك، لا يعني تراجع ترتيب مصر بالضرورة زيادة عدد جرائم الفساد المسجلة خلال فترة بعينها، لكنه يمثل مؤشرًا على استمرار التحديات المرتبطة بالنزاهة العامة والحوكمة والمساءلة.

وتبرز هنا مفارقة بين استمرار الإعلان عن استراتيجيات لمكافحة الفساد، وبين عدم انعكاس تلك الجهود على تحسن ملموس في نتيجة المؤشر خلال السنوات الأخيرة.

 

مؤسسات قائمة.. وتحديات في التنفيذ والتنسيق

في تقريرها عن الاقتصاد المصري لعام 2024، أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى امتلاك مصر إطارًا قانونيًا واستراتيجيات لمكافحة الفساد، لكنها رصدت تحديات تتعلق بتنفيذ الأدوات القائمة، وآليات تلقي الشكاوى، وسرية المبلغين وحمايتهم، والتدقيق، وإتاحة المعلومات للجمهور.

كما أشار تقرير لمنظمة الشفافية الدولية صدر في مايو 2026،  إلى تحديات في التنسيق بين الجهات المعنية بالتحقيقات المالية، موضحًا أن التعاون بين وحدة المعلومات المالية وهيئة الرقابة الإدارية والبنك المركزي وجهات إنفاذ القانون يعتمد على مذكرات تفاهم بين المؤسسات.

وذكر التقرير أن البلاغات المرتبطة بالفساد تمثل 3% من إجمالي بلاغات المعاملات المشبوهة في مصر. وهذه النسبة تتعلق بطبيعة البلاغات، ولا يجوز تفسيرها باعتبارها نسبة قضايا الفساد من إجمالي الجرائم أو مقياسًا مباشرًا لحجم الأموال التي جرى استردادها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن وجود القوانين والاستراتيجيات لا يكفي بمفرده لضمان فاعلية مكافحة الفساد؛ إذ تتطلب النتائج وجود آليات تنفيذ واضحة، وتبادلًا فعالًا للمعلومات، ومتابعة للتوصيات، وضمانات تحمي من يكشفون المخالفات.

 

طلب إحاطة برلماني يطالب بكشف الحساب

على خلفية استمرار تراجع مصر في مؤشر مدركات الفساد، تقدم فريد البياضي، عضو مجلس النواب ، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، طالب فيه بكشف حساب عن نتائج الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد، وحجم الأموال العامة المستردة، والإجراءات المتخذة لمحاسبة المسئولين عن وقائع الفساد وإهدار المال العام.

وتساءل البياضي عن أسباب استمرار التراجع رغم مرور أكثر من عشر سنوات على إطلاق الاستراتيجيات الوطنية، مطالبًا الحكومة بتوضيح حجم الأموال التي اكتُشف إهدارها أو الاستيلاء عليها خلال السنوات الخمس الماضية، وما استُرد منها، وأعداد القضايا المكتشفة والإحالات للتحقيق والأحكام النهائية، والإجراءات المتخذة بشأن ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات.

كما شملت المطالب مراجعة مستقلة للاستراتيجيات منذ عام 2014، وتقديم تقرير سنوي إلى البرلمان عن نتائج مكافحة الفساد والأموال المستردة، ونشر بيانات الإنفاق العام والمناقصات والمشروعات الحكومية، وتعزيز حماية المبلغين، وتفعيل الرقابة على تضارب المصالح والكسب غير المشروع.

وطالب كذلك بوضع خطة محددة زمنيًا تتضمن أهدافًا قابلة للقياس والمحاسبة، بما يسمح بتقييم أداء الجهات المعنية استنادًا إلى نتائج معلنة، لا إلى عدد الاستراتيجيات أو الاجتماعات والأنشطة الرسمية.

ويربط البياضي بين مكافحة الفساد والأعباء اليومية التي يتحملها المواطنون، معتبرًا أن إهدار الموارد العامة ينعكس على جودة الخدمات والقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، في وقت تواجه فيه الأسر ضغوطًا اقتصادية متزايدة.

ويقوم جوهر هذه المطالبة على أن المال العام ملك للمجتمع، وأن من حق المواطنين معرفة كيفية إنفاقه، والجهات المسئولة عن حمايته، والنتائج الفعلية التي تحققت من الإنفاق على الرقابة ومكافحة الفساد.

 

ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات.. ماذا حدث بعد رصد المخالفات؟

لا تتوقف الأسئلة عند المؤشرات الدولية، بل تمتد إلى تنفيذ الموازنة العامة والتعامل مع الملاحظات المحاسبية التي ترصدها الأجهزة المختصة.

فقد أشار الجهاز المركزي للمحاسبات في بيان أمام مجلس النواب بشأن الحساب الختامي للسنة المالية 2024/2025، إلى عدم إجراء بعض التسويات التعديلية التي طلبها، فضلًا عن تحميل الاستخدامات بأعباء دون مقتضى، أو صرف مبالغ بالزيادة، أو تحمل نفقات كان من الممكن تجنبها، إلى جانب تأخر تحصيل إيرادات مستحقة.

وأوضح البيان أن لجنة مشتركة من الجهاز ووزارة المالية اجتمعت في يونيو 2025 لدراسة الاختلاف في المعالجات المحاسبية، واتفق الجانبان على مواصلة المتابعة والتنسيق لإجراء التصحيحات اللازمة.

ولا تعني هذه الملاحظات، في حد ذاتها، ثبوت فساد جنائي أو مسئولية جنائية على أشخاص بعينهم، لكنها تطرح أسئلة بشأن تنفيذ التسويات والتصحيحات المطلوبة، ومدى معالجة أسباب المخالفات، وضمان عدم تكرار أوجه القصور في السنوات التالية.

وتبرز أهمية وجود آلية واضحة لمتابعة توصيات الجهاز المركزي للمحاسبات، توضح ما نُفذ منها، وما لم يُنفذ، وأسباب التأخير، والمسؤولية الإدارية عن ذلك.

فالرصد الرقابي لا يحقق غايته كاملة بمجرد تسجيل المخالفة في تقرير؛ إذ تتوقف فاعليته على ما يعقبها من تصحيح ومحاسبة واسترداد للأموال عند ثبوت استحقاقها.

 

قضايا ضبط لا تكفي لقياس الحصيلة

 ورصدت تقارير صحفية قضايا ضبط وتحقيق في مخالفات مالية وإدارية، من بينها وقائع مرتبطة بمشروعات مياه وصرف صحي ومنظومة السلع التموينية، وقضايا رشوة واختلاس انتهى بعضها إلى أحكام قضائية.

كما تناولت تقارير للنيابة العامة جهود تطوير آليات التحقيق المالي الموازي والربط الإلكتروني بين النيابات المتخصصة في جرائم الفساد المالي وغسل الأموال.

لكن إعلان وقائع منفردة، مهما بلغت أهميتها، لا يوفر وحده صورة كاملة عن حصيلة مكافحة الفساد على المستوى الوطني، فالتقييم الشامل يتطلب بيانات مجمعة تتيح معرفة عدد القضايا التي جرى اكتشافها، ومآلات التحقيقات، والأحكام النهائية الصادرة، وقيمة الأموال التي استُردت بالفعل، ومدى استعادة الأصول أو التعويض عن الأضرار التي لحقت بالمال العام.

وتقدم بيانات سابقة لهيئة الرقابة الإدارية مثالًا على نوعية المؤشرات التي يمكن إعلانها؛ إذ قالت الهيئة إن جهود الأشهر السبعة الأولى من عام 2019 أسفرت عن تنفيذ 412 قضية جنائية متنوعة، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال 1433 موظفًا عامًا، وتحقيق عائد مالي للدولة بلغ نحو 2.4 مليار جنيه، إلى جانب وفر قُدّر بنحو 3.3 مليار جنيه.

غير أن هذه الأرقام تخص فترة سابقة، ولا يمكن استخدامها وحدها لتقييم الأداء الحالي، كما أن العائد المالي والوفر المعلنَين يحتاجان إلى تمييز واضح بين الأموال المستردة نقدًا، والمبالغ التي جرى تجنب إنفاقها، والقيم التقديرية التي ترتبط بإجراءات رقابية.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى نشر بيانات حديثة قابلة للمقارنة سنويًا، تسمح بقياس التطور الفعلي في الأداء الرقابي، وتوضح ما تحقق مقارنة بالسنوات السابقة.

 

استقلال الأجهزة الرقابية.. الاختبار الأصعب

لا تتعلق فاعلية مكافحة الفساد بحجم الميزانيات أو الصلاحيات القانونية وحدها، بل ترتبط كذلك باستقلال المؤسسات الرقابية، وطريقة اختيار قياداتها، وقدرتها على فحص الملفات ومحاسبة المسؤولين دون تمييز.

فكلما خضعت التعيينات لمعايير معلنة للكفاءة والنزاهة، وامتلكت الأجهزة ضمانات تمنع التدخل في عملها، زادت فرص أن تكون الرقابة أكثر قدرة على التعامل مع المخالفات بصرف النظر عن موقع أصحابها أو نفوذهم.

وفي المقابل، فإن غياب الشفافية عن إجراءات التعيين أو ضعف الضمانات المؤسسية قد يثير تساؤلات بشأن تكافؤ الفرص والاستقلال، حتى في وجود قوانين تمنح الجهات الرقابية صلاحيات واسعة.

وتُثار في هذا السياق انتقادات بشأن طبيعة التعيينات داخل بعض المؤسسات، ومنها هيئة الرقابة الإدارية، وما يُقال عن حضور منتسبين للقوات المسلحة وأبناء قيادات كبيرة في مواقع داخل الجهاز.

كما أن تقييم استقلال الأجهزة يتطلب فحص الضمانات القانونية والإدارية التي تحكم عملها، ومدى قدرتها على نشر نتائج أعمالها، ومتابعة توصياتها، والتعامل مع الملفات الحساسة وفق قواعد موحدة.

ويظل السؤال الجوهري: هل تستطيع المؤسسات الرقابية ممارسة صلاحياتها باستقلال كامل، بما يضمن إخضاع جميع الجهات والمسؤولين للمساءلة وفق القانون، أم أن فاعلية الرقابة تتأثر بحدود النفوذ والعلاقات داخل منظومة الحكم؟

 

تصريحات عن الريادة في مواجهة انتقادات الأداء

في سبتمبر 2026، قال وزير الخارجية بدر عبد العاطي إن مصر "تعد نموذجًا يُعتد به في العالمين العربي والإفريقي فيما يتعلق بالتجربة المتميزة في مكافحة الفساد"، مشيرًا إلى دور هيئة الرقابة الإدارية في تدريب كوادر من دول عربية وإفريقية.

وشهدت الفترة نفسها أنشطة للتعاون الدولي والرقابي، بينها منتدى لمكافحة الفساد والاتجار غير المشروع في منطقة المتوسط، تناول تطوير منظومة الجمارك، وربط قواعد البيانات، والرصد المبكر للأنشطة غير المشروعة، ومواجهة غسل الأموال، وانتهى بإصدار "إعلان الإسكندرية" لتعزيز التعاون وتبادل المعلومات والخبرات.

وتعكس هذه الأنشطة جانبًا من التعاون الدولي الذي تشارك فيه المؤسسات المصرية، لكنها لا تغني عن ضرورة تقييم نتائج مكافحة الفساد داخل البلاد من خلال بيانات قابلة للتحقق، ومؤشرات تقيس استرداد الأموال ومحاسبة المسؤولين وتحسين مستوى الشفافية.

وفي المقابل، يرى منتقدون أن استمرار الأعباء الاقتصادية على المواطنين يستدعي مزيدًا من الشفافية بشأن حماية المال العام، وأن معالجة المشكلة لا تتوقف عند تطوير الأدوات الفنية أو زيادة التعاون الدولي.

وكتب سليم فرج، وهو موظف حكومي محال للمعاش، أن استمرار الأعباء الاقتصادية على المواطنين يتطلب مزيدًا من الشفافية والمساءلة بشأن حماية المال العام، معتبرًا أن نتائج مؤشر مدركات الفساد تعكس، من وجهة نظره، مشكلة تتجاوز الانطباعات الفردية.

ودعا فرج إلى تطبيق معايير الشفافية، والتعامل الجاد مع تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات، وتفعيل القواعد المتعلقة بالكسب غير المشروع ومحاسبة المتورطين في الفساد.

من جانبه، يطرح السفير السابق فوزي العشماوي تساؤلًا بشأن إمكانية رفع درجة مصر في المؤشر إلى 50 نقطة عبر إصلاحات إدارية وتشريعية، أم أن بلوغ هذا الهدف يتطلب إصلاحًا سياسيًا واقتصاديًا أشمل يمتد إلى التعليم والإدارة والتشريع ومنظومة العدالة.

أما الخبير السياسي والنائب السابق عماد جاد، فيركز على الفجوة بين التشريع والتطبيق، معتبرًا أن وجود منظومة دستورية وقانونية واستراتيجية وطنية لم يمنع استمرار التراجع في المؤشر، وهو ما يجعل فاعلية التنفيذ في صدارة أسباب القصور التي تستدعي المعالجة.

ويربط جاد جانبًا من صعوبة محاصرة الفساد بتعقيدات البيروقراطية ومحدودية أعداد موظفي الرقابة، ويرى أن المواجهة تتطلب أيضًا تحسين الأجور بما يتناسب مع الأسعار، بالتوازي مع تعزيز الرقابة والمحاسبة.

 

المواطن ينتظر نتائج لا شعارات

في ظل ارتفاع أعباء المعيشة وتزايد الاحتياجات التمويلية للدولة، تصبح حماية المال العام مسألة تتجاوز الجدل الإداري، لتتصل مباشرة بقدرة الحكومة على توجيه الموارد إلى الخدمات الأساسية وتقليل الهدر وتحسين كفاءة الإنفاق.

فكل مبلغ يُهدر أو يُصرف دون مقتضى يمثل موردًا كان يمكن أن يُسهم في دعم الصحة أو التعليم أو البنية الأساسية، لكن تحديد حجم هذه الخسائر يتطلب بيانات موثقة، لا تقديرات عامة أو استنتاجات غير مدعومة.

كما أن مكافحة الفساد لا تُقاس بعدد القضايا المعلنة وحده، لأن العدد قد يرتفع نتيجة تحسن الكشف، أو يتراجع لأسباب مختلفة، ولا يكفي بمفرده للحكم على مستوى النزاهة. المعيار الأهم هو منظومة متكاملة تشمل الوقاية من المخالفات، وكشفها، والتحقيق فيها، واسترداد الأموال، وتنفيذ الأحكام، وضمان عدم تكرار التجاوزات.

وتظل الشفافية شرطًا أساسيًا لهذه المنظومة؛ إذ لا يمكن تقييم أداء المؤسسات الرقابية بصورة مستقلة إذا ظلت البيانات المتعلقة بنتائجها المالية والقضائية والتنفيذية غير متاحة بصورة منتظمة.

وفي المحصلة، لا يكفي أن تخصص الدولة مليارات الجنيهات للأجهزة الرقابية، أو أن تعلن استراتيجيات متعاقبة لمكافحة الفساد، أو أن تتحدث عن دور إقليمي في تدريب الكوادر. المطلوب هو كشف حساب سنوي واضح يحدد ما اكتُشف من مخالفات، وما استُرد من أموال، ومن خضع للمساءلة، وما نُفذ من توصيات الرقابة.

فحماية المال العام لا تُقاس بحجم المخصصات أو عدد الاستراتيجيات، بل بقدرة المؤسسات على العمل باستقلال، ومحاسبة المسئولين دون تمييز، وإتاحة المعلومات التي تمكّن البرلمان والمواطنين من معرفة ما تحقق بالفعل.