شهدت محاكم الإرهاب المنعقدة بمجمع بدر السبت 15 يوليو 2023م مهزلة قضائية وأمنية على حد سواء؛ وذلك خلال الجلسة التي اختصت بإعادة محاكمة متهمين اثنين في قضيتي، "أنصار بيت المقدس" و"حرق كنيسة كفر حكيم" بمحافظة الجيزة. والهدف من رصد هذه التفاصيل هو كشف حجم المهزلة التي تشهدها ساحة القضاء المصري لا سيما في محاكم الإرهاب حين يتم استنزاف القضاء والداخلية والمواطنين في مسرحية عبثية لا طائل من ورائها بخلاف إنفاق ملايين الجنيهات على قضايا فشنك في حقيقتها؛ فلماذا هذه الزوبعة ولماذا تهدر هذه الطاقات وتلك الأموال على إجراءات شكلية لا يمكن تصنيفها إلا تدميرا للوطن وإهدارا لطاقاته.
في القضية الأولى (أنصار بيت المقدس)، حجزت محكمة جنايات القاهرة إعادة محاكمة متهم للحكم بجلسة 19 سبتمبر المقبل (2023). اللافت خلال انعقاد الجلسة أن دفاع المتهم في القضية قدم إلى المحكمة حافظة مستندات تفيد أن موكله كان في رحلة عمل خارج مصر في الفترة التي زعمت فيها التحريات الأمنية أنه كان في مصر، وشارك في ارتكاب الاتهامات الموجهة إليه في قرار إحالته إلى المحاكمة الجنائية! وقدم الدفاع إلى المحكمة تقريراً رسمياً حكومياً بتحركات موكله التي تؤكد وجوده خارج مصر في الفترة التي ادعت فيها التحريات الأمنية والتحقيقات تورطه في أعمال نسبت إليه خلال تلك الفترة، وأنه قبض عليه عقب عودته من رحلة العمل في مطار القاهرة الدولي!
وكانت نيابة أمن الدولة ادعت قيام المتهم، المعادة محاكمته، بالاشتراك مع آخرين في القضية "بارتكاب جرائم تأسيس وتولي قيادة والانضمام إلى جماعة إرهابية، تهدف إلى تعطيل أحكام الدستور والقوانين ومنع مؤسسات الدولة من ممارسة أعمالها، والاعتداء على حقوق وحريات المواطنين والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي". وهي كما نرى اتهمات عامة فضفاضة لا تتضمن واقعة اعتداء واحدة يمكن التعويل عليها في القضية!
مهزلة كنيسة كفر حكيم
في القضية الثانية (حرق كنيسة كفر حكيم) خلال أحداث 14 أغسطس 2013م بالتزامن مع مذبحة رابعة العدوية ونهضة مصر ومصطفى محمود وغيرها والتي راح ضحيتها أكثر من ألف مصر بخلاف إصابة آلاف المواطنين برصاص بلطجية الانقلاب من عناصر الجيش والشرطة الذين تمردوا على الدستور والقانون والرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة.
حجزت محكمة جنايات الجيزة إعادة إجراءات محاكمة متهم صادر ضده حكم غيابي بالسجن المؤبد، في قضية "حرق كنيسة كفر حكيم"، للحكم في جلسة 3 سبتمبر المقبل (2023). واستمعت المحكمة خلال الجلسة إلى مرافعة الدفاع، والذي قال فيها إن موكله كان موجوداً في الواقعة كونه مقيماً في عقار مجاور للكنيسة، وإن وجوده كان بغرض "إطفاء الحريق" وليس إشعاله. كما استند الدفاع في مرافعته إلى شهادة كاهن الكنيسة بقطر سعد غطاس، الذي أكد وجود 3 أشخاص مسلمين كانوا يقوموا بإطفاء الحريق، وقطع بأن أحد المتهمين في القضية كان من بينهم، كما رجح أن يكون هناك اثنان آخران من ضمن المتهمين في القضية، إلا أنه لا يستطيع القطع بذلك. وأضاف الدفاع أن جميع الشهود من القساوسة والكهنة لم يتعرفوا على موكله في القضية من ضمن المشاركين في الأحداث.
وكانت المحكمة قد قضت في وقت سابق بمعاقبة كافة المتهمين "غيابياً" بالسجن المؤبد 25 سنة، لكونهم فارين، وقت الحكم، وألقي القبض على بعضهم أخيراً، ليتم إعادة إجراءات محاكمتهم من جديد حضورياً. وادعت نيابة أمن الدولة العليا في التحقيقات تورط المتهمين في القضية بحرق كنيسة كفر حكيم بمنطقة كرداسة، يوم 14 أغسطس 2013، بالتزامن مع مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.
تلفيق بمباركة النيابة
الأكثر دهشة أن كفر حكيم أصلا ليس بها كنيسة، ولكنه مبنى إداري تابع للكنيسة في كرداسة؛ ونشرت صحيفة "الشروق" بتاريخ الإثنين 10 يوليو 2017م، تقريرا حول متابعة قضية حرق كنيسة كفر حكيم التابعة لمركز كرداسة بمحافظ الجيزة، ونشرت تصريحات شاهد الإثبات محمد غالي عبدالرسول علي"قهوجي" أنه كان لديه مشكلة في المقهي وحرر محضرا"، لافتا إلى أن محاميه قال له: إنه «سيشهد في شجار حدث في الكنيسة، ليتفاجأ أنه سئل عن حرق كنيسة كرداسة». وأضاف الشاهد، أنه «بعدما أقر بعدم معرفتي بحرق الكنيسة، قام وكيل النيابة، بإخراجي من الغرفة بعد توقيعي على محضر.. وعلمت بعدها أني شهدت على المتهمين في المحضر». وقال شاهد إثبات ثان، جمعة غالي عبد الرسول «قهوجي» شقيق الأول، إنه «ذهب مع أخيه محمد، للشهادة حول مشاجرة بالمقهى، ولا يعرف شيئًا»، مضيفا أنه «بصم على محضر، ولا يعلم أنه اتهم الحاضرين بحرق الكنيسة». وخلال إعادة محاكمة 21 بريئا في هذه القضية في جلسة 10 يوليو 2017م أمام القاضي شعبان الشامي، نفى قس كنيسة العذراء مريم بكفر حكيم قيام المتهمين في القضية بالاعتداء على الكنيسة أو حرقها، وأنه لم يرى أيا من المتهمين في الواقعة شارك في حرق الكنيسة. واتهم الإخوان (بشكل عام) بالجريمة، وعندما سئل عن كيف عرف أنهم الإخوان، أجاب أنه عرف ذلك من خلال التلفزيون! حسب تقرير موقع "صدى البلد" المحسوب على الأجهزة الأمنية بتاريخ 10 يوليو 2017م تحت عنوان (كان كنيسة كفر حكيم بكرداسة ينفي قيام المتهمين في القضية بحرقها). معنى ذلك أن النيابة أيضا شاركت في جريمة الاتهامات الملفقة للأبرياء من الإخوان والإسلاميين في قضية حرق الكنائس المفتعلة، وأن مؤسسات النظام طمست الأدلة الحقيقية التي تكشف المتورطين الحقيقيين في الجريمة وهي النظام نفسه، وراحت تختلق أدلة مزورة وشهود زور لتستيف أوراق القضية وهو ما باركته قيادة الكنيسة التي غضت الطرف عن الجناة الحقيقيين وراحت تتهم أبرياء لتسقط في فخ الغل والأحقاد الدينية.
و قد كان الهدف من مخططات حرق الكنائس بالتزامن مع تنفيذ الجيش والشرطة مذابح رابعة والنهضة ومصطفى محمود كان أولا، الدعاية المضادة وشيطنة التيار الإسلامي كله والإخوان على وجه الخصوص من خلال توفير مادة إعلامية دسمة لشيطنة الإسلاميين. ثانيا، توظيف هذه الجرائم والاعتداءات للتغطية على جريمة الفض الوحشية، بل تبريرها على النحو الذي جرى وقد برهنت التغطية الإعلامية لصحف ومواقع وفضائيات النظام حتى يومنا هذا على صحة ذلك. ثالثا التوظيف السياسي لهذه الحرائق والاعتداءات لتحقيق أمرين: الأول توظيف هذه الاعتداءات للدعاية للانقلاب في الدوائر الأمريكية والغربية باعتباره إجراء أنقذ الأقباط من المتطرفين الإسلاميين الذين كانوا يجرون مصر نحو دولة دينية لا وجود للأقباط فيها. الثاني، يوفر للكنيسة ذرائع كبيرة لاستجلاب الملايين من الدوائر القبطية في الخارج بدعوى دعم الكنيسة وثبات الأقباط؛ وهو ما يحقق مكاسب هائلة للانقلاب من جهة والكنيسة من جهة ثانية.