السيادة المفقودة.. مراقبون: “مراسي” مقدمة لخروج الداخل الإماراتي عن حدود سلطة مصر

- ‎فيتقارير

ما بدا كشكاوى خدمية من ملاك في منتجع "مراسي" السياحي بالساحل الشمالي، سرعان ما تحول إلى كرة ثلج كشفت عن أبعاد سياسية وجيوسياسية غاية في الخطورة، تضع علامات استفهام كبرى حول طبيعة الاستثمارات الأجنبية، ودور رجال الأعمال العرب المطبعين، وصولاً إلى توريط البنية التحتية والعسكرية المصرية في صراعات إقليمية ودولية مدمرة.

بدأت الأزمة تطفو على السطح مع شكاوى متكررة من ملاك الوحدات في كمبوند "مراسي" المملوك لشركة "إعمار" الإماراتية التي يترأسها رجل الأعمال محمد العبار، المواطنة المصرية حنان الشعراوي أطلقت صرخة استغاثة تصف فيها الوضع داخل المنتج بأنه أشبه بـ "الاستعمار"، حيث تفرض إدارة المنتجع قيوداً مشددة على الملاك عبر نظام كود الدخول الإلكتروني ($QR$ $Code$) الذي يمنعهم من إدخال ضيوفهم أو عائلاتهم بشكل طبيعي، حتى وصل الأمر إلى منع والدتها من دخول الشاطئ.

وقالت المواطنة الشعراوي: «خنقتونا».. المواطنة المصرية حنان الشعراوي إحدى الملاك في مراسي: «أنا حاسة إننا في استعمار أو محتلين بسبب القوانين المفروضة علينا كمصريين في مراسي، يا ريت  السيسي يوصي الشيخ محمد بن زايد يوصي العبار يغير النظام ده».

ويبدو أن الأزمة ليست مجرد "سوء إدارة وتكدس"، بل هي تجسيد ملموس لـ "كانتونات" جغرافية معزولة خرجت فعلياً عن السيادة والقانون المصريين، وفي هذا السياق، يطرح المغردون تساؤلاً جوهرياً ومؤلماً: لماذا يتوجب على المواطن دفع ملايين الجنيهات ليرى شارعاً مرصوفاً أو شجراً منسقاً، في حين أن هذه الخدمات البسيطة تتوفر مجاناً وبشكل بديهي في دول أخرى تصنف بأنها أكثر فقراً؟
 

الرد على هذا التساؤل جاء صاعقاً من د. عز الدين محمود @ezzmahmoud1 الذي خاطب الشاكية قائلاً: "يا مدام حنان أنا أسف أقولك: إن "دي أراضي غير مصرية أي ليست تحت السيادة المصرية ،والسبب إنهم سمحوا لك إن تشتري أولاً معك المال، ثانياً معك جنسية أخرى ولا ندري ما هي الشروط السرية لصفقة البيع لأنه لا توجد شفافية في مصر المواطن المصري مجرد جزمة في نظر العسكر والسيسي فممكن يهجموا على المواطن من أجل تويتة أو تعليق على الفايسبوك ولقب إخواني وفي الواقع أنا خايف عليك من حيل النظام ضدك. مصر تعاني من أوسخ احتلال عرفته مصر فالجيش والشرطة والقضاء ومجلس الأمة والسيس كتلة واحدة منظومة فساد واحد، فالسيسي عنده مستشارين الظل يخططون له، فالشعب المصري ليس من أولويات السيسي هو يحضر مصر للمحتل الجديد وطبعاً انتم عارفين مين هو وقادم ليستعيد وطنه المزعوم وجاء ليحكم فالشعب فقير مريض جائع عاطل، سيعيدون استعباده تحت سيادتهم سيكررون ما فعلوه في غزة حصار الشعب في القرى والمدن الفقيرة وهم في العاصمة الجديدة ويحكمون مصر من خلال مدنهم المحصنة والشعب يأكل بعضه وقد مقاومة جديدة للتحرير ولكنهم استولوا على ثروات مصر ولم يبق شيء لمصر."

وفي محاولة لتفسير الخلفية الهندسية والتخطيطية للأزمة من منظور عقاري بحت، تشير  الناشطة رانيا الخطيب@ElkhateebRania إلى وجود عيوب تخطيطية ناتجة عن الجشع الاستثماري: "مشكلة مراسي إن مساحتها مش كبيرة وفيها وحدات كتير وكان فيها فندقين وهو زودهم لأربع فنادق اتنين على الشاطئ واتنين بره، وليهم جزء كبير من الشاطئ وكان فيهم شقق فندقية متباعة ومع الضغط على مراسي عشان هو مهتم بمنظرها بقى عنده مشكلة في العدد وعنده أولوية للفنادق ويحاول يخفض الزحمة".

استثمار عقاري أم تهويد و"صفقة القرن"

إن التساؤل عن سبب صمت السلطات الأمنية المصرية وغياب هيبة الدولة داخل كمبوندات الساحل الشمالي يقود مباشرة إلى شخصية رئيس مجلس إدارة شركة إعمار، الإماراتي محمد العبار. هذا الرجل لا ينظر إليه المراقبون كأيقونة استثمارية اقتصادية فحسب، بل كعراب سياسي شديد الخطورة يلعب دور "حلقة الوصل" في صفقات التطبيع والتهويد بالمنطقة.

يكتب الإعلامي  نظام مهداوي @NezamMahdawi  محذراً بوضوح: "محمد العبار الإماراتي، حاكم مراسي المحتلة، صهيوني حتى النخاع، تبرع بنحو 170 مليون دولار لإسرائيل لإقامة مشاريع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هذا تبرع، وليس استثماراً، مراسي، التي لا تدخلها الشرطة المصرية، هي على الأغلب الآن مستعمرة صهيونية، وهذا ما كنت أحذر منه منذ أن بدأ الجنرال القزم #السيسي ببيع أراضي #مصر وشواطئها. هذه الأراضي ستؤول إلى إسرائيل عبر الاستيطان والاستعمار، وستصبح أراضيَ خارج الجمهورية، وخارج سلطة الجنرال، عدوِّ مصر."

وتدعم الحقائق التاريخية والسياسية الموثقة هذا الطرح؛ فخلال مشاركته في ورشة المنامة الاقتصادية بالبحرين عام 2019 (التي عُقدت كتمهيد اقتصادي لتمرير "صفقة القرن" برعاية أمريكية)، كان العبار من أبرز المتحدثين الذين ركزوا على ضرورة الانخراط في خطة السلام والاستثمار في المشاريع المرتبطة بها. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" عن مهندس الصفقة وجاريد كوشنر إشادته الكبيرة بالعبار ووصفه إياه بأنه "محب للشعب اليهودي"، تقديراً لجهوده في تأسيس أول كنيس يهودي رسمي في منطقة الخليج العربي بدبي.

وتشير التقارير إلى أن علاقات العبار بالاحتلال ممتدة وموثقة؛ ففي عام 2005 التقى سراً برئيس الوزراء الصهيوني آنذاك أرييل شارون ونائبه شمعون بيريز (بتنسيق من وزير النقل الإسرائيلي الأسبق إفرايم سنيه) عارضاً شراء منازل المستوطنين في قطاع غزة قبيل الانسحاب الإسرائيلي لتسهيل العملية. هذا التغلغل والارتباط يثير مخاوف حقيقية من أن تتحول المشروعات العملاقة التي يستحوذ عليها العبار في الساحل الشمالي ورأس الحكمة (والتي كانت مقراً صيفياً تاريخياً للرؤساء والملوك كمصيف رأس الحكمة التاريخي) إلى مناطق نفوذ واستيطان مستقبلي للإسرائيليين الراغبين بالعيش في مصر، بعيداً تماماً عن القوانين أو السيادة الأمنية للدولة المصرية.

وحول هذا الامتداد الخطير والسيناريو المستقبلي المتوقع، يعلق المغرد  أحمد لطفي @AHMADLO13219562 في تغريدته: "اللي بيعمله العبار في "مراسي" ده بروفة.. النهارده الكلام على مصيف.. بكره حيبقى الكلام على بلد"

https://x.com/AHMADLO13219562/status/2077198406854803555

الدفاع والرد التبريري

على الجانب الآخر، يحاول تيار المدافعين عن النظام وأسلوب إدارة هذه المنتجعات تفنيد رواية "سقوط السيادة الأمني"، وإعادة تصوير الأزمة كإجراء تنظيمي روتيني تفرضه طبيعة التكدس وسوء استخدام الأنظمة من قِبل بعض الملاك والمواطنين.

في هذا الإطار، يكتب  عبدالحميد أحمد @ahamdyos: "الشرطة المصرية بتدخل أي مكان عند الحاجة، لكن زي ما بيحصل في أي كمبوند أو مجتمع سكني في العالم… بيكون فيه تنسيق مسبق مع الأمن وإدارة المكان علشان الأمور تمشي بشكل منظم. وده مش انتقاد ولا دفاع عن حد… ده ببساطة أسلوب عمل طبيعي موجود في أماكن كتير، وأقول الكلام ده وأنا أصلا دخلت مراسي مرة واحدة يتيمة في حياتي ومعجبتنش لأني حسيت أني في مدينة مش في مصيف…. ".

https://x.com/ahamdyos/status/2077298833344618534

فجوة طبقية في مجتمع "الساحل الشمالي"

في موازاة الخطر السياسي والسيادي، يبرز خطر داخلي متمثل في الاختلال القيمي والطبقي الذي يعيشه رواد الساحل الشمالي المعزولون عن واقع المجتمع المصري الفقير والجائع، وفي شهادة نقدية لاذعة ومؤثرة، كتبت غادة إيهاب نافع (ابنة الفنانة الراحلة ماجدة) تدوينة تصف فيها الحالة الأخلاقية المتردية لجيل الساحل الشمالي الجديد:

"إلى سكان الساحل الشمالي العشوائيين أرجوكم محدش يزعل من كلامي، لعلها تكون مصدر تنوير وإلهام لمن يهمه أمر أولاده ((يا ناس فوقوا وربوا عيالكم!!)) ربوا عيالكم قبل فوات الأوان.. ليه عيال في سن 15 سنة تشرب خمرة!!! ليه بنات تصاحب وتروح تقضي اليوم في بيت صاحبها!! ليه العيال معها فلوس بالألفات لدرجة إنهم في السن ده خروجتهم يتغدوا في ساتشي؟ ليه بنات تعمل عيد ميلادها 16 سنة كأنه فرحها؟ ليه نعلم ولادنا إن كل شيء مباح وإن الفلوس ملهاش قيمة؟ ليه من سن 15 سنة البنت تلبس Valentino and Gucci!!! ليه الساعة ال Rolex دلوقتي، طيب إيه اللي هيبسطهم لما يكبروا؟ ليه نطلع جيل بيقيم أصحابه على حسب عندهم فلوس قد إيه!!!! والله والله أنا مبحبش أقارن بس أصحابها في كندا آخرهم جزمة converse ولو خرجوا راحوا السينما مينفعش يأكلوا بره علشان ميصرفوش كتير… لكن في نفس الوقت بيصرفوا آلاف على رياضة وتمارين وكورسات، المسألة كلها هي ثقافة أولويات… أنا فعلاً مصدومة من حجم المنظرة اللي الجيل ده هيتربى عليها، إحنا مكناش كده… انعدام الأخلاق والنخوة بقت من العاديات.. أنا أسفة.. يمكن أنا دقة قديمة.. ويشرفني إن ولادي كمان يكونوا دقة قديمة.. وأتمنى ويشرفني ويسعدني إني أجوزهم ناس معتدلين ودقة قديمة زينا.. متعوب على تربيتهم. عارفين معنى القرش الحلال والعيب والحرام وعينيهم مليانة ومش محتاجين يبينوا ماركة مايوهاتهم عشان يبانوا إنهم ولاد ناس… لأنهم أصلاً ولاد أصول لازم الولاد يتعلموا!"

الهروب من التوافه إلى الكوارث:

بينما ينشغل الرأي العام بقضايا هامشية (كأزمة لباس المحامية في سوهاج)، تمر مراراً قضايا تمسّ جوهر السيادة الوطنية مرور الكرام.
وأشار الباحث محمد حبيب@
BeboFinance2021 إلى  أن الفضيحة الأحدث تفجرت بعد توثيق ملاك الفيلات في منتجع "مراسي" (المملوك لشركة إماراتية برئاسة محمد العبار) لحقيقة صادمة: الشرطة المصرية ممنوعة من دخول المنتجع. والصمت المطبق لوزارة الداخلية تجاه هذه الأنباء يُعد بمثابة اعتراف ضمني بصحتها.

 

وأضاف لطالما كانت هذه الحقيقة معروفة لطبقة "أهل Egypt" والإعلاميين الموالين، لكنهم لم يتكلموا إلا عندما مست الأزمة مصالحهم الشخصية وبواباتهم المغلقة أمام ضيوفهم. هذا الكمبوند يمثل نموذجاً لـ "الاحتلال الناعم"، حيث تخلت الدولة عن سيادتها القانونية والأمنية لصالح المستثمر الأجنبي.

وأكد أ ن المواطن في تلك المنتجعات بات يدرك أن الاستعانة برقم النجدة (122) لا قيمة لها؛ فالأمن الخاص للمستثمر هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة. في المقابل، تحولت عقيدة الأمن من حماية المجتمع ككل إلى حماية طبقة النخبة من "أهل مصر" الفقراء.

وخلص إلى أن عجز الأمن عن دخول مناطق ترفع العلم المصري، بالتوازي مع التنازلات المستمرة عن الأصول والجزر التاريخية، يكشف عن خلل بنيوي عميق؛ حيث تبدو الدولة وكأنها تُباع وتُدار بعقلية تجارية تفقدها هيبتها وسيادتها على أراضيها.

https://x.com/BeboFinance2021/status/2077718902314881238