قبل أكثر من عقد، كانت إحدى الروايات الصحفية الأشهر عن اللجان الإلكترونية في مصر تتحدث عن موظف يؤدي عملًا محددًا مقابل أجر؛ يجلس لساعات العمل أمام جهاز الكمبيوتر، يتلقى عبارات أو مواد جاهزة، ثم يقوم بنشرها والتعليق بها على مواقع التواصل الاجتماعي، في صورة أقرب إلى وظيفة مأجورة ذات مهام محددة وساعات عمل معلومة.
لكن الرواية المتداولة اليوم ترسم صورة مختلفة وأكثر تطورًا؛ فبدلًا من مجرد عامل يجلس أمام شاشة وينفذ «مقطوعية» من المهام الإلكترونية مقابل أجر، نتحدث ـ بحسب ما طرحه الصحفي أحمد رجب@Ragab في تغريدة حديثة ـ عن شباب جرى اختيارهم وتدريبهم في مؤسسات أو برامج مثل معهد إعداد القادة أو الأكاديمية العسكرية أو مبادرة رئاسية، ثم وضعهم في مجموعة تضم ضابطًا قبل الدفع بهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
يقول @Ragab في تغريدته: "الشباب اللي أخدوهم، درّبوهم في معهد إعداد القادة ولا الأكاديمية العسكرية ولا المبادرة الرئاسية لإعداد مش عارف إيه، وحطوهم في جروب مع ضابط، وبعدين نزلوهم على السوشيال ميديا"، متسائلًا عن طبيعة الدور الذي طُلب من هؤلاء الشباب القيام به، وما إذا كانوا يدركون أصلًا طبيعة المهمة التي أُسندت إليهم.
وهنا تبرز النقلة التي تستحق التوقف عندها: من نموذج الموظف الذي يؤدي مهمة إلكترونية مقابل أجر إلى نموذج أكثر تنظيمًا، قوامه التدريب والتأهيل والانتظام داخل مجموعات ووجود شخصية عسكرية، بحسب رواية أحمد رجب، فإذا صحت هذه الرواية، فإن الأمر لا يعود مجرد «تشغيل حسابات» أو تكليف أشخاص بكتابة تعليقات، وإنما يصبح أقرب إلى بناء كوادر مدربة للعمل في المجال الرقمي والتأثير في النقاش العام.
غير أن هذه النقلة، مهما كانت دلالتها السياسية، يجب أن تُنسب في التقرير إلى صاحبها بوضوح؛ فتغريدة @Ragab تمثل رواية أو اتهامًا يحتاج إلى التحقق المستقل، ولا تكفي وحدها لإثبات أن المؤسسات المذكورة قامت بالفعل بتدريب هؤلاء الشباب لهذا الغرض، أو أن وجود ضابط في مجموعة يعني بالضرورة إدارة نشاط سياسي أو إلكتروني من جهة أمنية.
ومع ذلك، فإن مقارنة رواية اليوم برواية «موظف اللجنة» التي نشرها مصطفى النجار قبل أكثر من عشر سنوات تفتح سؤالًا أكبر: هل تغيرت طبيعة العمل الإلكتروني المنظم في مصر من تشغيل أفراد بأجر لتنفيذ مهام محددة، إلى بناء مجموعات أكثر تدريبًا وتنظيمًا يمكن استخدامها للتأثير في المجال العام؟
هذا هو السؤال الذي يضع تغريدة @Ragab في سياق أوسع من مجرد خلاف على منشور أو هجوم متبادل على مواقع التواصل؛ فهو سؤال عن تطور أدوات التأثير السياسي الرقمي، وعن الحدود الفاصلة بين النشاط السياسي المشروع، والعمل الإعلامي المنظم، والحملات الإلكترونية المنسقة، وبين ما يمكن وصفه ـ إذا ثبتت عناصره ـ بأنه «جيش إلكتروني».
في 26 سبتمبر 2014 نشر الدكتور مصطفى النجار في «المصري اليوم» مقالًا حمل عنوان «يوميات موظف في لجنة الكترونية»، وقدمه باعتباره رواية شاب التقى به مصادفة في أحد المستشفيات الحكومية، يقول النجار: "إن الشاب، الذي رفض الكشف عن اسمه خوفًا من المضايقات، روى له تجربة التحق خلالها بوظيفة في موقع إلكتروني ظن في البداية أنها فرصة للعمل الصحفي، قبل أن يكتشف ـ وفق روايته ـ أنه يعمل ضمن منظومة منظمة لإدارة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ومهاجمة معارضين والترويج لشخصيات ومواقف مؤيدة للسلطة". المصري اليوم
الرواية التي نقلها النجار تبدأ بإعلان عن وظائف لشباب للعمل في موقع إلكتروني بمرتبات مجزية، وعندما ذهب الشاب إلى مقر العمل، وصف مكانًا كبيرًا يضم نحو مئة جهاز كمبيوتر، وأمام العاملين شاشة كبيرة تظهر عليها صور أشخاص أو روابط لمقالات وأخبار، ثم عبارات محددة يقوم العاملون بنسخها ونشرها عبر حسابات على فيسبوك وتويتر. ويقول الشاب، بحسب المقال، "إنه اكتشف أن كل مجموعة كانت تتعامل مع أشخاص محددين، وأن لكل عامل حسابين على الأقل، وأن المشرف هو الذي يحدد العبارات التي يجب نشرها". المصري اليوم
باش كاتب إلكتروني
وفق الرواية التي نشرها النجار، لم يكن الدور المطلوب من الموظف إنتاج محتوى صحفي بالمعنى التقليدي، وإنما تنفيذ تعليمات جاهزة؛ نسخ عبارات ونشرها على صفحات أشخاص وصفهم المشرفون بأنهم «خونة»، إلى جانب مشاركة صور وأخبار وتغريدات لشخصيات أخرى قيل للعاملين إنها «تحب البلد وتخاف عليها».
الأكثر دلالة في الرواية أن الهدف ـ بحسب الشاب ـ لم يكن مجرد مهاجمة خصوم سياسيين، وإنما صناعة انطباع جماهيري مصطنع؛ فالعاملون يكتبون عبارات التأييد لشخصيات معينة حتى يبدو أن كلامها يحظى بتأييد واسع، وفي المقابل يهاجمون شخصيات أخرى حتى يبدو أن آراءها مرفوضة شعبيًا، وهذه النقطة تحديدًا تجعل رواية النجار أقرب إلى وصف آلية لـ«التضخيم المنظم» على وسائل التواصل، وليس مجرد وجود أشخاص مؤيدين للحكومة على الإنترنت. المصري اليوم
ويقول الشاب، كما نقل عنه النجار، "إنه لم يكن صاحب قرار فيما يكتب، وإن المشرف على المجموعة كان يحدد له العبارات التي ينشرها، وهو ما دفعه بعد أسبوع من التدريب إلى رفض الاستمرار في العمل، بعدما رأى أن المهمة تتجاوز الاختلاف السياسي إلى الشتائم والتشهير والتلاعب بصورة الرأي العام". المصري اليوم
السؤال الذي تركه مصطفى النجار مفتوحًا
المهم صحفيًا أن النجار لم يقدم رواية الشاب باعتبارها وثيقة رسمية تكشف اسم الجهة التي تقف خلفها، بل أوضح أن مصدر الرواية شخص مجهول الهوية، وأنه لم يكشف اسمه بناءً على طلبه، ثم انتقل من الشهادة الفردية إلى سؤال أوسع: من يموّل هذه اللجان، ومن يعتقد أن استخدام الشتائم والتشويه يمكن أن يكون دفاعًا عن الوطن؟ المصري اليوم
وهنا تكمن قيمة المقال التاريخية بالنسبة إلى النقاش الحالي: فهو لا يثبت بمفرده وجود جهاز حكومي أو أمني محدد، لكنه يقدم رواية صحفية مبكرة، مؤرخة عام 2014، عن نموذج عمل منظم للحسابات الوهمية أو شبه الوهمية والتعليقات الموجهة والترويج المنسق، ثم يضعها في سياق أوسع يتعلق بتشكيل الرأي العام على الإنترنت.
جيش إلكتروني.. من خالد أبو بكر إلى عصام السقا
المادة التي أرسلتها تحتوي أيضًا على إشارات قديمة إلى أسماء قُدمت في سياق الحديث عن «قادة اللجان الإلكترونية». ففي منشور مؤرخ في 16 يناير 2018 وردت عبارة تتحدث عن القبض على الرائد خالد أبو بكر بوصفه «قائد اللجان ومؤسس الجيش المصري الإلكتروني»، كما تظهر إشارات أخرى إلى إبراهيم الجارحي باعتباره «قائد اللجان الإلكترونية».
وينطبق الأمر نفسه على السؤال الذي طرحه الحساب أحمد @Gimmy\_83: "هل عصام السقا قائد اللجان؟".
ومصطلح اللجان الإلكترونية يستخدم في النقاش المصري بمعانٍ مختلفة، أحيانًا يقصد به حسابات وهمية، وأحيانًا مجموعة أشخاص حقيقيين يعملون بتنسيق، وأحيانًا مجرد مؤيدين سياسيين ينشرون الموقف نفسه في وقت واحد.
ولهذا فإن وجود عدد كبير من الحسابات التي تؤيد موقفًا واحدًا لا يكفي وحده لإثبات أنها «لجنة إلكترونية»، إثبات وجود حملة منسقة يحتاج عادة إلى أدلة مثل تشابه المحتوى، والتوقيت، وشبكات إعادة النشر، وإدارة الحسابات، ومصادر التمويل أو التعليمات، أو أدلة تقنية تربط الحسابات ببعضها.
آلية تشغيلية: أجهزة كثيرة، مشرفون، عبارات محددة، حسابات متعددة، أشخاص مستهدفون، ومحتوى يراد تضخيمه، أما المنشورات اللاحقة فتنتقل أحيانًا من وصف الآلية إلى اتهام جهات وأشخاص بعينهم، وهو انتقال يحتاج إلى أدلة أقوى.
صناعة اللجان
في المرفق تظهر داليا حمزة @daliahamza1911 وهي تصف، من وجهة نظرها، طريقة صناعة ما تسميه «اللجان»: اختيار أشخاص، إعطاؤهم نصًا أو موضوعًا، ثم دفعهم إلى نشره وتكراره، مع الإشارة إلى المقابل المالي أو المزايا.
وأضافت "كيفية صناعة اللجان، تجيب واحد صايع وليه شلة مقاطيع ويكونوا جهلاوية، تكتب لهم الإسكريبت وهم ينشروه، أو تجمعهم في الطشت وتعرض عليهم موضوع وتقنعهم بيه، وهم يسرحوا ينشروه ويقنعوا القطيع بيه، والأهم تكون المرتبات مجزية، ويا سلام لو رابط وضيعه وترمي لهم فوايدها لأن الشمال طعمه أحلى".
ويظهر قدري المصري @KadreyElMasrey1 في أكثر من منشور وهو يتحدث عن «كيفية صناعة اللجان الإلكترونية» و«كيفية توجيه الرأي العام» و«خلق حالة من تفريغ المحتوى» على صفحات التواصل الاجتماعي.
حساب أحمد | ميكاف @KsaBankr في يوليو 2025، ورد اتهام بوجود حساب مصري ينشر مادة عن السعودية، مع الزعم بأن الغرض هو تشتيت نتائج البحث والتغطية على قضية أخرى، وهذه أيضًا رواية سياسية منشورة على «إكس» وليست حكمًا قضائيًا أو تقريرًا تقنيًا مستقلاً.
تحليل رقمي
وأكثر المواد أهمية في المرفق من ناحية وجود منهج بحث معلن هي المادة التي نشرها عربي بوست @arabic\_post في يونيو 2025 بشأن الحملة الرقمية ضد «قافلة الصمود».
بحسب المادة، قال الموقع "إنه حلل نحو 20 ألف تغريدة لرصد حملة رقمية، وإنها كانت تستهدف تشويه القافلة والتحريض عليها، وحدد فترة التحليل من مساء 10 يونيو حتى منتصف 12 يونيو 2025، كما أشار إلى ثلاثة وسوم رئيسية للحملة، هي قافلة_الصمود_الخرفانية وقافلة_الخيانة\_مصيرها\_الفشل\\ و\\مفيش\_تأشيرات\_مفيش\_مرور\\.
وهنا يختلف الأمر جزئيًا عن مجرد تغريدة اتهامية؛ فالمادة تقول إن "هناك تحليلًا لكمية كبيرة من البيانات الرقمية، وتحاول رصد توقيت الهاشتاجات والحسابات وطريقة التنسيق"، ومع ذلك، يبقى من الضروري التفريق بين ما يثبته تحليل النشاط الرقمي وبين إثبات الجهة التي تقف خلف تلك الحسابات أو تمولها.
ثلاث طبقات للتضليل
ويقدم حساب @bughunter\_App تصورًا مختلفًا لشبكات التضليل، ويقسمها إلى ثلاث طبقات: حسابات مزيفة، وحسابات حقيقية لمؤثرين يجري استقطابهم، ثم شخصيات حقيقية من سياسيين وإعلاميين ودعاة يمكن أن يجري استغلال انتشارهم لتضخيم روايات معينة.
هذه النظرية مفيدة لفهم كيف يمكن أن تعمل الحملات الحديثة دون أن يكون جميع المشاركين فيها أعضاء في تنظيم واحد؛ فقد يكون هناك حسابات آلية أو وهمية، وحسابات حقيقية تتلقى حوافز، ومؤثرون يتبنون رواية معينة لأسباب سياسية أو شخصية، ثم تأتي شبكة من الحسابات لتضخم المحتوى.
هل تغيرت الأدوات؟
اللافت أن أحد المنشورات القديمة في المرفق، المنسوب إلى أحمد المنياوي @AhmedElmeniaw11 في نوفمبر 2017، يقول "إن الأمر تجاوز اللجان الإلكترونية إلى جيوش مدربة، ويتحدث عن مرتبات مرتفعة وأجهزة متطورة وسرعات إنترنت كبيرة".
ويقول المنياوي: ".. الأمر زاد عن كونه لجانا إلكترونية، وأصبحت جيوشا على أعلى مستويات التدريب، وتتقاضى مرتبات خيالية كلاعبي كرة القدم المحترفين.
كما أن الأجهزة التي يعملون عليها على أعلى مستوى من التقدم العلمي، بالإضافة لقوة النت والتي تزيد أضعاف المرات عن مثيلاتها لدى الأجهزة الأخرى في الدولة".
والأهم أن التطور التقني خلال السنوات التالية جعل مفهوم التأثير الرقمي أكثر تعقيدًا من نموذج غرفة مليئة بأجهزة الكمبيوتر كما وصف مقال 2014، فاليوم يمكن لحملة صغيرة من الحسابات الحقيقية، إذا كانت منسقة جيدًا، أن تنتج أثراً أكبر بكثير من عشرات الحسابات الوهمية.
والفرق أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم أكثر مركزية في صناعة الرأي العام، وأصبحت الحملات الرقمية أكثر احترافًا، وأصبح من الممكن قياس أنماط الانتشار والتنسيق بصورة لم تكن متاحة بالسهولة نفسها في 2014.
https://x.com/Mayek5l/status/1640628996051202048