بريطانيا تصعّد لهجتها تجاه الكيان الصهيونى.. بيرنهام: لن نقف مكتوفي الأيدي أمام معاناة غزة

- ‎فيعربي ودولي

صعّدت الحكومة البريطانية لهجتها تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مؤكدة أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار معاناة الفلسطينيين، ومشددة على ضرورة إنهاء الحرب والحفاظ على فرص إقامة دولة فلسطينية ضمن حل الدولتين.

وقال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك: "إن عددًا كبيرًا جدًا من الفلسطينيين لقوا حتفهم في قطاع غزة، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال، مشيرًا إلى أن المساعدات الإنسانية التي تصل إلى القطاع لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية للسكان".

وأكد بيرنهام أن هذا الوضع "استمر لفترة طويلة جدًا"، داعيًا إلى إنهاء الحرب والمعاناة الإنسانية في القطاع.

حل الدولتين تحت التهديد

ووضع رئيس الوزراء البريطاني مسألة الحفاظ على حل الدولتين في صدارة موقف بلاده، معتبرًا أن هذا الحل يمثل، من وجهة نظر حكومته، أفضل أمل لتحقيق السلام والاستقرار للإسرائيليين والفلسطينيين.

وحذر بيرنهام من أن التطورات المتسارعة على الأرض تهدد بإغلاق الطريق أمام هذا الخيار، في إشارة إلى استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة وما يترتب عليه من تغييرات على الأرض.

وقال: "إن بريطانيا تريد إنهاء "المعاناة والموت" في غزة، ورؤية الإسرائيليين والفلسطينيين يعيشون جنبًا إلى جنب في سلام وأمن، مؤكدًا أن حكومته ستواصل العمل للحفاظ على إمكانية تحقيق هذا الهدف".

ويأتي هذا الموقف في ظل إجراءات بريطانية جديدة تستهدف أنشطة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تحول واضح عن الاكتفاء بالمواقف السياسية والدبلوماسية تجاه الاستيطان.

إجراءات بريطانية ضد الاستيطان

وأكدت وزارة الخارجية البريطانية أن الإجراءات التي أعلنتها الحكومة مؤخرًا تستهدف أنشطة الاستيطان الإسرائيلي التي تعتبرها لندن غير قانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأوضحت متحدثة باسم الخارجية أن الإجراءات الجديدة تشمل حظر التجارة في السلع القادمة من المستوطنات التي تصفها بريطانيا بأنها غير قانونية، إلى جانب حظر الإعلان عن الأراضي والعقارات داخل تلك المستوطنات أو الترويج لها في المملكة المتحدة.

كما تمنح الإجراءات الحكومة البريطانية صلاحيات لاستهداف الأشخاص الذين يدعمون أو يسهّلون أو يحققون أرباحًا من الأنشطة الاستيطانية التي تعتبرها لندن غير قانونية.

وأكدت الخارجية أن هذه الخطوات تأتي في إطار رؤية أوسع تعتبر حل الدولتين المسار الذي ينبغي الحفاظ عليه لتحقيق الأمن للإسرائيليين والفلسطينيين.

ميليباند: لم نقف موقف المتفرج

وكان وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند قد دافع عن الإجراءات التي اتخذتها حكومته، مؤكدًا أن لندن لم تكن مستعدة للوقوف موقف المتفرج أمام ما يجري في الأراضي الفلسطينية.

وقال ميليباند، في تصريحات نقلتها الخارجية البريطانية، "إن الحكومة اتخذت هذه الإجراءات لأنها ترى أن الطريق الوحيد للمضي قدمًا نحو تحقيق الأمن للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني هو حل الدولتين".

كما انتقد الوزير البريطاني ما وصفه بالمعاملة التي يتعرض لها الفلسطينيون، مستخدمًا توصيف "الاضطهاد"، ومعربًا عن أسفه إزاء رد الحكومة الإسرائيلية على الإجراءات البريطانية.

وأكد في الوقت ذاته اعتزازه بما قامت به الحكومة، معتبرًا أن الإجراءات التي اتخذتها كانت، من وجهة نظره، ضرورية.

دعم للمساءلة أمام محكمة العدل الدولية

وفيما يتعلق بالحرب على قطاع غزة، أكدت الخارجية البريطانية دعمها لمحكمة العدل الدولية، مشددة على أهمية المساءلة عن الانتهاكات التي وقعت خلال الحرب.

وقالت الوزارة: "إن الحكومة البريطانية وجهت انتقادات متكررة إلى حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن ما وصفته بالسلوك غير المقبول في غزة والضفة الغربية".

ويعكس ذلك محاولة من لندن للجمع بين التحرك السياسي تجاه الحكومة الإسرائيلية وبين دعم الآليات الدولية للمساءلة، في وقت تتواصل فيه الإجراءات القضائية الدولية المتعلقة بالحرب على غزة.

مساعدات بريطانية للفلسطينيين

وفي الجانب الإنساني، قالت الخارجية البريطانية: "إن الدعم الذي قدمته المملكة المتحدة منذ عام 2023 ساهم في إيصال مساعدات غذائية مستدامة إلى أكثر من 1.4 مليون شخص في أنحاء الأراضي الفلسطينية".

وأضافت أن أكثر من 830 ألف شخص استفادوا من خدمات محسنة في مجالات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية.

وتؤكد الحكومة البريطانية أن المساعدات الإنسانية تمثل جزءًا من التزاماتها تجاه الفلسطينيين، بالتوازي مع تحركاتها السياسية والدبلوماسية بشأن الحرب ومستقبل القطاع.

التزام بخطة السلام في غزة

كما جددت الخارجية البريطانية التزام حكومة بلادها بتنفيذ خطة السلام ذات النقاط العشرين الخاصة بقطاع غزة بصورة كاملة.

وتضع لندن هذا الالتزام ضمن مقاربة أوسع لسياستها الخارجية، تقوم، بحسب وزير الخارجية إد ميليباند، على ثلاث ركائز تتمثل في "القوة في القيم، والجرأة في الأفعال، والمثابرة في التحالفات".

ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه الحكومة البريطانية الموازنة بين علاقاتها التقليدية مع إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وتصاعد الضغوط السياسية والحقوقية داخل بريطانيا وخارجها بشأن الحرب في غزة والاستيطان الإسرائيلي من جهة أخرى.

اختبار جديد للموقف البريطاني

وتضع هذه المواقف الحكومة البريطانية أمام اختبار سياسي معقد؛ فالتشديد على رفض الاستيطان والدعوة إلى إنهاء الحرب ودعم المساءلة الدولية يمثل انتقالًا في مستوى الخطاب البريطاني، لكن السؤال يبقى حول مدى قدرة هذه الإجراءات على التأثير في الوقائع المتغيرة على الأرض.

وبينما تتمسك لندن بحل الدولتين باعتباره الإطار السياسي الذي ترى أنه قادر على توفير الأمن للإسرائيليين والفلسطينيين، يواصل الاستيطان والتوسع في الضفة الغربية، إلى جانب استمرار تداعيات الحرب على غزة، تضييق المساحة المتاحة أمام هذا الحل.

وفي ظل ذلك، تبدو السياسة البريطانية أمام معادلة مزدوجة: التحرك بصورة أكثر صرامة تجاه الاستيطان والحرب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تحالفاتها وعلاقاتها الدولية، وهو ما سيحدد مدى تحول المواقف المعلنة إلى إجراءات قادرة على إحداث تغيير فعلي في المشهد الفلسطيني.