في تقرير 1 أكتوبر الجاري نشرته صحيفة الجارديان The Guardian قال: "إن صعود طحنون (مجددا) لا يمكن فهمه من خلال المال وحده، فقد تولى مواقع متقدمة في منظومة الأمن القومي الإماراتية، وأصبح لاحقاً مستشار الأمن القومي للدولة، بالتوازي مع صعود نفوذه الاقتصادي، ويعرض التحقيق علاقته بملفات حساسة تشمل الاستخبارات الإلكترونية، والعلاقات مع "إسرائيل"، والتكنولوجيا الأمنية، ومشروع «رافن» أيضا مع الكيان أو رجالات الأمن الصهاينة الذي ارتبط بعمليات مراقبة إلكترونية واسعة".
كما يستعرض التحقيق قضية الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز، الذي اعتُقل في الإمارات عام 2018 واتُهم بالتجسس، ثم صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد قبل أن يحصل على عفو، وينقل التحقيق رواية هيدجز بشأن ظروف احتجازه واستجوابه، في مقابل نفي إماراتي رسمي تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة، وهو ما يجعل هذه الوقائع محل خلاف بين رواية المعتقل والموقف الرسمي الإماراتي.
إذا كان محمد بن زايد قد دفع ابنه خالد بن محمد بن زايد إلى مركز الخلافة، فهذا لا يعني بالضرورة أنه يريد تقليص أدوار إخوته، وربما تكون المسألة أكثر تعقيداً، خالد يتقدم بوصفه مركزا للخلافة، بينما يبقى طحنون مركزاً للقوة.
هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة مع عودة الشيخ طحنون بن زايد إلى واجهة الإعلام الغربي في سلسلة متزامنة من الملفات، من الأمن والاستخبارات إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة والاستثمارات الدولية والوساطة الإقليمية.
تقرير الجارديان الأخير يقدم طحنون باعتباره واحداً من أكثر رجال السلطة نفوذاً وغموضاً في الإمارات: مستشار الأمن القومي، ورجل المال، وصاحب شبكة استثمارية ضخمة، وأحد أبرز اللاعبين في مشروع أبوظبي للهيمنة على البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، وتقدر الصحيفة حجم الإمبراطورية الاقتصادية التي يشرف عليها بنحو 1.5 تريليون دولار.
لماذا أصبح طحنون ثرياً وقوياً؟
تطرح الصحف الغربية سؤالا هو عن لماذا يستمر هذا الحضور المكثف لرجل كان اسمه، في مرحلة سابقة، مرتبطاً أيضاً باحتمالات الخلافة، في الوقت الذي يفترض فيه أن الخلافة حُسمت لمصلحة خالد نجل محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي المنصب الذي يكون صاحبه مرشحا للرئاسة مباشرة؟
تقدم فايننشال تايمز مفتاحاً مهماً لفهم التحول داخل بيت آل نهيان.
فمنذ تعيين خالد بن محمد بن زايد ولياً لعهد أبوظبي في 2023، بدأ محمد بن زايد في بناء الجيل الجديد من الحكم، لكن مع إعادة توزيع الأدوار بين إخوته، أصبح طحنون نائباً لحاكم أبوظبي ورئيساً لجهاز أبوظبي للاستثمار، بينما تولى منصور بن زايد منصب نائب رئيس الدولة ورئاسة «مبادلة»، في حين أصبح خالد رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي وصاحب الدور المتزايد في إدارة الاقتصاد والسياسة الخارجية.
وتذهب الصحيفة إلى أن أحد أهداف هذا الترتيب هو تمكين خالد من دون السماح بتشكل كتل قوة متنافسة حوله.
وهنا تظهر المفارقة، فإذا كان الهدف هو انتقال السلطة إلى الجيل الجديد، فإن طحنون لم يتراجع إلى الصفوف الخلفية، لقد حصل على أدوات مختلفة عن أدوات ولي العهد: الأمن القومي، وأبوظبي للاستثمار، و«القابضة الدولية»، وشبكات الاستثمار والتكنولوجيا.
وبذلك يمكن أن يكون محمد بن زايد قد اختار صيغة أكثر ذكاءً من إقصاء إخوته: إبقاء كل واحد منهم داخل منظومة الحكم، لكن في مجال يمنحه نفوذاً كبيراً من دون أن يجعله وريثاً منافساً بصورة مباشرة.
وهذا يفسر لماذا لا يبدو طحنون في حالة «تعويض» عن منصب لم يحصل عليه، الأدق أنه لم يعد يحتاج إلى منصب نائب رئيس الدولة لكي يكون أحد أهم مراكز القرار في الإمارات، إذا لم يكن طحنون نائباً للرئيس، فلماذا يظهر في كل مكان؟ والإجابة تظهر في سلسلة الملفات التي يمر بها اسمه.
ففي صفقة أصول «لوك أويل» الدولية، كشفت فايننشال تايمز أن ائتلافاً يقوده الملياردير الأميركي تود بوهلي ينافس «كارلايل» على أصول روسية تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، ويضم الشيخ طحنون بن زايد ومؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية وعائلة الخياط السورية-القطرية.
طحنون يدخل إلى الصفقة عبر «القابضة الدولية»، بينما تقف إلى جانبه شركة «ألايد إنفستمنت بارتنرز» الإماراتية، في عملية تتقاطع فيها المصالح الأميركية والخليجية مع ملف حساس يتعلق بالأصول الروسية والعقوبات الأميركية.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص قوة طحنون: الأموال لا تتحرك بعيداً عنه عندما يدخل هو إلى الملف؛ بل تتحرك معه شبكة كاملة من المؤسسات والعلاقات السياسية والاستثمارية، وهذا ما يجعل ظهوره في «لوك أويل» أكثر دلالة من مجرد مشاركته في صفقة نفطية.
من النفط إلى الذكاء الاصطناعي
الصورة التي ترسمها «الجارديان» أكثر اتساعاً، طحنون لم يعد رجل استثمارات تقليدية، الصحيفة تربط صعوده الحالي بالذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والطاقة، والرقائق، وشبكات الاتصالات، وهي القطاعات التي ستحدد جزءاً كبيراً من القوة الاقتصادية والاستراتيجية خلال العقود المقبلة، وهنا تصبح علاقته بالولايات المتحدة أكثر أهمية.
فـ«الجارديان» تربط بين إمبراطوريته الاقتصادية وشبكاته في واشنطن، كما سبق أن تناولت الصحيفة علاقته بصفقات مرتبطة بعائلة ترامب، وفي فبراير 2026، كتب محمود البزّي في الجارديان عن صفقة بقيمة 500 مليون دولار ارتبطت باستثمار إماراتي في شركة للعملات المشفرة أسسها أفراد من عائلة ترامب، وقدم طحنون في سياقها باعتباره أحد أقوى المسؤولين الإماراتيين وأكثرهم ارتباطاً بالمال والذكاء الاصطناعي، أي أن الرجل يتحرك في منطقة تتداخل فيها الثروة السيادية مع التكنولوجيا ومع العلاقات السياسية الأميركية، وهذه بالضبط هي القوة التي يصعب اختزالها في منصب رسمي.
طحنون.. عصي على الانكسار
ربما تكون هذه العبارة هي المفتاح الحقيقي لقراءة وضعه، فالتاريخ الداخلي لآل نهيان يظهر أن الوصول إلى مرحلة ما بعد الرئاسة لا يعني بالضرورة اختفاء أصحاب النفوذ السابقين كما حدث مع الشيخ خليفة رئيس الدولة السابق وشقيقه سلطان وغيرهما من الأشقاء، واللافت في حالة طحنون أن انتقال الخلافة إلى خالد لم يتحول إلى عملية إلغاء لدور العم. بل حدث شيء مختلف: خالد يتقدم، وطحنون يبقى. والأهم أن بقاء طحنون ليس بقاءً بروتوكولياً، إنه بقاء مدعوم بمؤسسات مالية وأمنية واقتصادية ضخمة.
لذلك قد تكون فرضية «الانتقام من استبعاده» أضعف من فرضية أخرى: طحنون لم يُستبعد من مركز القوة؛ بل أُعيد تعريف مركز القوة نفسه، فإذا كان خالد يحتاج إلى أن يثبت نفسه بوصفه الجيل الجديد، فإن طحنون يملك بالفعل ما يحتاجه أي مركز قوة: المال، والأمن، والعلاقات الدولية، والقدرة على عقد الصفقات.
السعودية تصل إليه أيضاً
وتضيف الرواية التي نشرها «ميدل إيست آي» بعداً إقليمياً إلى الصورة، إذ تحدثت عن رسالة من محمد بن سلمان إلى طحنون بشأن الخلافات المتعلقة بالسودان واليمن، الدلالة هنا ليست في الرسالة وحدها، وإنما في اختيار الشخصية التي وُجهت إليها.
فطحنون، وفق هذه الرواية، لم يعد مجرد مسؤول إماراتي في ملف أمني، بل أصبح قناة يمكن أن تصل إليها اعتراضات قوة إقليمية كبرى عندما تتعلق القضية بمصالح السعودية والإمارات في ملفات شديدة الحساسية، وهذا ينسجم مع صورته التي تقدمها «الجارديان»: رجل يتحرك في المنطقة من موقع يتجاوز الحدود التقليدية والأزمات بين الأمن والاقتصاد والسياسة.
القدس.. حين يتحول الاستثمار إلى أداة نفوذ
وفي هذا السياق تكتسب قضية القدس التي أثارها الشيخ كمال الخطيب @KamalKhatib1948 أهمية خاصة، ففي منشور نشره الخطيب، أعاد الحديث عن محاولة شراء عقار قريب من المسجد الأقصى، وقال: "إن رجل أعمال مقدسياً تحرك في 2018 لمصلحة مشروع منسوب إلى طحنون بن زايد، وإن الهدف كان شراء العقار ليكون وقفاً باسم والدة محمد بن زايد".
ثم أضاف في روايته أنه التقى لاحقاً شخصاً ارتبط اسمه بالقضية، وقال له: "إن العرض المالي وصل، بحسب ما نقله عنه، إلى 100 مليون دولار، وإنه انسحب من المشروع بعد أن أعاد النظر في أهدافه".
هذه القضية، بصرف النظر عن مسارها القانوني والملكي، تكشف شيئاً مهماً في سياق التقرير: القدرة المالية وحدها لا تعني الكثير إذا لم تكن مصحوبة بشبكات علاقات وأدوات سياسية وأمنية تستطيع التحرك في مناطق شديدة الحساسية.
ولهذا تصبح القدس مثالاً لافتاً على سبب الاطمئنان الغربي إلى التعامل مع شخصيات من هذا النوع، كما يرى مراقبون: لأن رجل المال والأمن والاستثمار يستطيع أن يتحرك في ملفات لا يستطيع السياسي التقليدي أن يتحرك فيها بسهولة.
لهذا يبدو الغرب مطمئناً إلى طحنون
هنا ربما توجد الإجابة الأوسع عن سبب اهتمام «الجارديان» و«فايننشال تايمز» به فالغرب قد يختلف مع الإمارات في ملفات حقوق الإنسان أو السياسة الإقليمية، لكن طحنون يمثل في المقابل شريكاً يمكن أن يجمع عدة ملفات في يد واحدة: مكافحة الإرهاب، الأمن السيبراني، التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، الاستثمار، الطاقة، والعلاقات مع الكيان والولايات المتحدة، ولهذا فإن صورة طحنون في الصحافة الغربية ليست صورة «أمير إماراتي آخر»، إنها صورة وسيط بين الدولة والسوق والأجهزة الأمنية والسياسة الدولية.
وطحنون ليس بالضرورة «الرجل الذي يعمل ضد محمد بن زايد»، ولا توجد معطيات علنية كافية لإثبات وجود صراع شخصي بينهما، لكن في المقابل، من الصعب اعتباره مجرد منفذ تابع لا يملك أدوات مستقلة. الأرجح أن النظام نفسه يستفيد من هذه المنطقة الرمادية.
محمد بن زايد يملك الرئاسة، خالد يملك الخلافة المقبلة، وطحنون يملك شبكة القوة التي تجعل انتقال السلطة أقل اعتماداً على شخص واحد.
فخالد، كما تقول «فايننشال تايمز»، "يتولى بصورة متزايدة الملفات اليومية والاستراتيجية ويبني فريقه وشبكته الخاصة، بينما يحتفظ طحنون بنفوذ هائل في الأمن والاستثمار والاقتصاد العالمي" ، وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان طحنون قد خسر معركة منصب نائب رئيس الدولة.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن ظهور طحنون المتكرر في «لوك أويل»، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات الأميركية، والملفات الإقليمية، والملفات الأمنية، ليس علامة على فشل انتقال السلطة إلى خالد، إنه علامة على أن انتقال السلطة في الإمارات لا يجري بإخراج الجيل السابق من المشهد، بل بإعادة توزيع القوة داخله.
وهنا يصبح طحنون المثال الأوضح: رجل لم يحصل على لقب نائب رئيس الدولة، لكنه حصل على ما قد يكون في بعض الظروف أهم من اللقب نفسه — منظومة قوة تتحرك معه أينما ذهب، وخزينة تفتح له الأبواب، وشبكة علاقات دولية تجعل حضوره أكبر بكثير من منصبه الرسمي.
https://twitter.com/KamalKhatib1948/status/2009953710462382565
https://www.ft.com/content/e32c96e4-ed9f-44a6-aed7-ca680696963c
https://www.ft.com/content/152aa77b-977f-4607-8a09-77291f85d2a0
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/feb/06/trump-family-uae-crypto-deal