تصاعد الدعوات لانتخابات رئاسية مُبكّرة في مصر ومخاوف من إعادة هندسة انتقال السلطة

- ‎فيتقارير

لم تعد الدعوات إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في مصر مقتصرة على تصدر هاشتاج  (الانتخابات الرئاسية) منصة إكس، حيث  تطالب برحيل عبد الفتاح السيسي، بل انتقلت إلى تحليل دلالات الحديث عن انتهاء الحكم في عام 2030، ومدى جدية التعهد بعدم تعديل الدستور، والضمانات المطلوبة لانتقال سياسي سلمي، في ظل ما يطرحه معارضون من تساؤلات بشأن دور الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية في تشكيل المشهد الانتخابي وتحديد المرشحين والنتائج.

 

تصريحات السيسي الأخيرة بشأن عدم الاستمرار في الحكم بعد 2030، وما أثارته من تباين في المواقف بين من يتعامل معها باعتبارها احتمالًا يستدعي الاستعداد السياسي، ومن يشكك في إمكانية تنفيذها من دون تغييرات فعلية في بنية النظام السياسي وقواعد المنافسة الانتخابية.

وبتنا أمام  دعوات مباشرة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وثانيهما نقاش أوسع بشأن طبيعة الانتخابات التي يمكن أن تفضي إلى انتقال حقيقي للسلطة، وما إذا كانت مجرد إعادة إنتاج للترتيبات القائمة، أم فرصة لفتح المجال العام أمام منافسة سياسية فعلية.

الإخوان المسلمين: التشديد على انتخابات نزيهة وتنافسية

وفي سياق هذا النقاش، اكتسب استخدام كلمة «نزيهة» دلالة سياسية إضافية في بيان جماعة الإخوان المسلمين المنشور في 19 أكتوبر 2026، الذي تناول حق المصريين في اختيار من يحكمهم، وربط الخروج من الأزمات بضمانات سياسية ودستورية.

وجاء في البيان الذي صدر عن  د. محمود حسين القائم بأعمال فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمون: "الشعب المصري هو مصدر السلطات وصاحب الحق الأصيل في اختيار من يحكمه، وفقًا لأسس ديمقراطية سليمة تكفل حرية الاختيار في إطار أحكام الدستور والقانون من خلال انتخابات نزيهة وتنافسية، تتوافر لها كافة الضمانات".

ولم يقتصر البيان على وصف الانتخابات بأنها نزيهة، بل أضاف إليها صفة تنافسية، وربطها بتوافر الضمانات اللازمة لحرية الاختيار. كما دعا إلى تعزيز الحريات العامة، وإنهاء القيود على العمل السياسي السلمي، واستقلال الصحافة والإعلام، والفصل بين السلطات، وتوسيع المجال العام.

وتناول البيان كذلك دور القوات المسلحة، معتبرًا أن مهمتها الأساسية تتمثل في حماية الحدود والدفاع عن البلاد، وأن الانخراط في السياسة أو المشروعات الاقتصادية يخرج بها عن دورها المنوط بها.

والنزاهة والتنافسية يتصدران النقاش في إطار يتجاوز الدعوة إلى انتخابات مبكرة باعتبارها موعدًا مختلفًا، إلى المطالبة بشروط محددة للعملية الانتخابية نفسها: حرية التنظيم والدعاية، وتكافؤ الفرص، ووجود منافسين قادرين على الوصول إلى الجمهور، وضمانات تحول دون تدخل الأجهزة الأمنية في تشكيل المشهد السياسي.

https://ikhwanonline.com/article/276345 

طرح  عام للانتقال السياسي الحقيقي

ظهرت الدعوات المباشرة إلى انتخابات رئاسية مبكرة في منشورات تطالب بفتح المجال أمام اختيار رئيس جديد، لكن النقاش تجاوز لاحقًا مجرد طرح أسماء مرشحين أو المطالبة برحيل السيسي، ليصل إلى التساؤل عن طبيعة العملية الانتخابية نفسها، والضمانات التي يمكن أن تجعلها تنافسية، وإمكانية انتقال السلطة من دون إعادة إنتاج النظام القائم.

وفي هذا السياق، طرح حساب "وصل صوتك" مشروعًا لاستطلاع إلكتروني على مرحلتين، يبدأ بترشيحات الجمهور لأسماء يرونها مناسبة للرئاسة، بشرط ألا يكون المرشح معتقلًا، ثم اختيار أكثر 14 اسمًا حصولًا على الترشيحات لطرحهم في تصويت إلكتروني مفتوح.

وكتب الحساب @wasalsotak2026 : بنطلق مشروع استفتاء الانتخابات الرئاسية المبكرة على مرحلتين

وفي المقابل، كتب حساب "حدث بالفعل": عن التشكيك في إمكانية أن تؤدي الانتخابات وحدها إلى تغيير السلطة، مستشهدًا بالرقم الذي أُعلن عن حصول السيسي عليه في انتخابات 2024، وكتب @7adasBelfe3l : "توقفوا، لن يرحل بالصندوق".

ويكشف التباين بين المنشورين عن اختلاف جوهري في مقاربة الانتخابات المبكرة: فبينما ينظر إليها اتجاه باعتبارها وسيلة ممكنة لفتح باب التغيير، يرى اتجاه آخر أن الصندوق لن يكون كافيًا ما لم تتغير الشروط السياسية والمؤسسية التي تحكم المنافسة.

مبكرة وحل البرلمان وانتخابات نزيهة

وفي دعوة مباشرة إلى عبد الفتاح السيسي، طالب صلاح الدين السيد بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة قبل عام 2030، وربط ذلك بتعهده بعدم الترشح مجددًا، داعيًا كذلك إلى حل مجلسي النواب والشيوخ وإجراء انتخابات نزيهة، قبل الانتخابات الرئاسية.

وكتب: "أرى ودي نصيحة ترك الحكم قبل 2030 وعمل انتخابات رئاسية مبكرة وتترك فيها الأمور بلا تدخل"، وأضاف @AlsayidSal71663  أن إجراء انتخابات نزيهة للمؤسستين التشريعيتين قبل الانتخابات الرئاسية من شأنه، بحسب طرحه، أن يمثل خطوة في اتجاه انتقال سياسي مختلف.

كما دعت هاجر سيد إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وكتبت: "طالما قلبك على البلد نعمل انتخابات رئاسية مبكرة ونغير دم"، في إشارة إلى ضرورة تغيير القيادة السياسية.

https://x.com/hagrsayd/status/2113590028601356377 

وتتقاطع هذه الدعوات عند مطلب التغيير، لكنها تطرح ضمنيًا سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل يكفي تحديد موعد مبكر للانتخابات، أم أن ضمان نزاهتها واستقلالها عن تدخل السلطة هو الشرط الأساسي لأي انتقال سياسي؟

أزمة الثقة بالنظام

وذهب الدكتور حمزة زوبع إلى أبعد من المطالبة بتغيير الحكومة، رابطًا بين أزمة الثقة في السلطة وطريقة تعامل عبد الفتاح السيسي مع خصومه السياسيين، ومستحضرًا موقفه من هشام قنديل، رئيس الوزراء في عهد محمد مرسي.

وفي تدوينة مطولة، انتقد زوبع ما اعتبره ازدواجية في مطالبة المواطنين بالصبر على النظام، بينما يواصل السيسي، بحسب تعبيره، الحديث عن رؤسائه السابقين بصورة سلبية. ودعا إلى تفويض شخص آخر بإدارة البلاد أو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بدلًا من استمرار الأوضاع القائمة.

وكتب @drzawba : "طالما مش عارف تديرها أو تعلن عن إجراء انتخابات مبكرة بدل الفشل الذريع والبؤس اللي إحنا فيه".

https://x.com/drzawba/status/2113559756631633982 

وتعكس دعوة شراء دقيق  انتقال النقاش من الاعتراض على الأداء الحكومي إلى التشكيك في قدرة النظام السياسي على تصحيح مساره من داخله، مع طرح الانتخابات المبكرة باعتبارها أحد الخيارات المطروحة لإنهاء حالة الانسداد.

انتقال سياسي حقيقي

وفي تطور أكثر دلالة على انتقال القضية من التغريدات القصيرة إلى التحليل السياسي المطول، نشر الكاتب قطب العربي مقالًا بعنوان "نحو انتقال سياسي حقيقي في مصر"، تناول فيه تصريحات السيسي بشأن انتهاء فترة حكمه في 2030، وتعهداته بعدم تعديل الدستور أو توريث الحكم لأحد أفراد أسرته.

وانطلق العربي من الشكوك المحيطة بهذه التعهدات، مستندًا إلى ما وصفه بتجارب سابقة لم يلتزم فيها السيسي بوعوده، لكنه دعا المعارضة إلى التعامل مع احتمال مغادرته السلطة باعتباره سيناريو ينبغي الاستعداد له، بدلًا من افتراض استمرار الوضع الحالي حتمًا.

وكتب:  "فقد وجب عليها أن تبني خططًا احتياطية للسيناريو الثاني وهو ترك السلطة فعلًا، وهو احتمال لم يكن قائمًا من قبل بأي نسبة".

ووفقًا للمقال، فإن التعامل الجاد مع احتمال الانتقال السياسي يتطلب خطوات عملية لإزالة الشكوك، تشمل الإفراج عن السياسيين والنواب والصحفيين المحتجزين، وإنهاء هيمنة الصوت الواحد على الإعلام، وتنشيط الحياة الحزبية، وإتاحة المجال أمام المعارضة والمستقلين  بحسب @kotbelaraby

كما طرح العربي ضرورة استعداد المعارضة للتوافق على مرشح رئاسي ببرنامج إنقاذ، أو اعتماد خيار احتياطي يقوم على أكثر من مرشح يمثل اتجاهات سياسية مختلفة، مع توزيع المسؤوليات داخل فريق رئاسي مشترك.

وتتمثل الفكرة الأساسية في المقال في أن المعارضة لا ينبغي أن تكتفي بتوقع استمرار السيسي، بل عليها الاستعداد لاحتمال تركه السلطة، مع اختبار جدية تعهداته عبر إجراءات ملموسة تتعلق بالحريات والدستور والمنافسة السياسية.

هل تتحمل مصر بقاء السيسي حتى 2030؟

وطرح الحقوقي والسياسي د.أسامة رشدي القضية في مقال مطول بعنوان "هل تتحمل مصر بقاء السيسي حتى 2030؟ أم أنها بحاجة لانتخابات رئاسية مبكرة؟"، رابطًا بين استمرار الحكم حتى نهاية المدة المعلنة وبين الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد.

وانتقد رشدي منتدى "مصر 2026" معتبرًا أنه انشغل بعرض الإنجازات ورفع الروح المعنوية للوزراء، بدلًا من مواجهة نتائج السياسات الاقتصادية ومناقشة المسؤولية عن تراكم الديون وارتفاع الأعباء المعيشية.

واستند في طرحه إلى أرقام بشأن الدين الخارجي والمحلي وخدمة الدين والتضخم والفقر، كما تناول اتساع الدور الاقتصادي للمؤسسات العسكرية، وما اعتبره غيابًا للشفافية والرقابة والمنافسة المتكافئة.

وربط في مقاله: "الاقتصاد والسياسة وجهين لعملة واحدة لايمكن الفصل بينهما"  بين الإصلاح الاقتصادي وبين ضرورة إنهاء الانسداد السياسي، وتوسيع المجال العام، وإتاحة المنافسة الحقيقية، وإخضاع المؤسسات المدنية والعسكرية للقواعد نفسها من حيث الرقابة والشفافية والمحاسبة.

واختتم @OsamaRushdi طرحه بسؤال مباشر عن قدرة مصر على تحمل استمرار الأوضاع حتى عام 2030، مقابل الحاجة إلى رحيل مبكر للسيسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

وتكمن أهمية طرح رشدي في أنه لا يتعامل مع الانتخابات المبكرة بوصفها تغييرًا في شخص الرئيس فقط، بل يربطها بتغيير أوسع في بنية السلطة الاقتصادية والسياسية، وهي مسألة تتجاوز تحديد موعد الانتخابات إلى تحديد طبيعة النظام الذي ستجرى في ظله.

 

و.س. جورنال:  هندسة الانتخابات وإقصاء المنافسين

ولا ينفصل الجدل الحالي عن الخلفية التي تناولتها صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في تقرير نشرته في 4 أكتوبر 2023 بعنوان «الاعتقالات والصدقات: كيف يهندس السيسي في مصر انتصارًا انتخابيًا آخر (Arrests and Handouts: How Egypt’s Sisi Is Engineering Another Election Victory).

وتناول التقرير الانتخابات الرئاسية التي جرت في ديسمبر 2023، مشيرًا إلى عقبات واجهها منافسون محتملون للسيسي في الوصول إلى شروط الترشح، وإلى اتهامات بعرقلة حملات منافسة، وضغوط على موظفين حكوميين للمشاركة في فعاليات مؤيدة للرئيس، فضلًا عن استخدام المساعدات والمواد الغذائية في سياق حشد الدعم الانتخابي.

ونقل التقرير عن محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، قوله إن الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام والمؤسسات الإذاعية تعمل لصالح مرشح واحد، كما أورد مخاوف منافسين من صعوبة جمع التأييدات المطلوبة للترشح.

 

وتكتسب هذه الخلفية أهمية في النقاش الراهن؛ لأنها تقدم مثالًا سابقًا على المخاوف المتعلقة بتكافؤ الفرص الانتخابية، وتطرح سؤالًا عما إذا كان إجراء انتخابات جديدة، من دون تغيير الشروط المنظمة للمنافسة، يمكن أن يفضي إلى انتقال حقيقي للسلطة.

لكن تقرير 2023 يظل متعلقًا بوقائع تلك الانتخابات وسياقها، ولا يشكل بمفرده دليلًا على كيفية إدارة أي انتخابات مستقبلية. كما أن الاستناد إليه في تحليل الحاضر يستلزم التمييز بين الوقائع التي وثقها آنذاك وبين التوقعات المتعلقة بالاستحقاقات المقبلة.

وتوفر دراسة الباحث يزيد صايغ الصادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط في 12 مايو 2025، بعنوان The Second Republic: Remaking Egypt Under Abdel-Fattah el-Sisi، خلفية تحليلية لفهم المخاوف من أن تظل الانتخابات محكومة ببنية السلطة القائمة، حتى لو تغير موعدها أو أسماء المرشحين.

يرى صايغ أن «الجمهورية الجديدة» تقوم على إعادة تشكيل العقد الاجتماعي، وتوسيع صلاحيات الرئاسة، وتعزيز الدور السياسي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية، كما يناقش تراجع المجال المتاح للتنافس السياسي المستقل، وتهميش الأحزاب، ودور الأجهزة الأمنية في تشكيل الأحزاب الموالية واختيار المرشحين والقوائم البرلمانية.

وتشير الدراسة إلى أن الأجهزة الأمنية باتت تؤدي دورًا محوريًا في تنظيم المجال الحزبي والانتخابي، وأنها تتدخل في اختيار المرشحين وتشكيل القوائم والكتل البرلمانية، بما يحد من استقلال المنافسة السياسية.

وفي هذا الإطار، لا تتمثل المسألة الأساسية في إجراء انتخابات مبكرة أو الالتزام بموعد 2030 فحسب، بل في مدى توافر مؤسسات مستقلة وقواعد تسمح للمعارضة بالتنظيم والوصول إلى الناخبين، وتضمن ألا تكون نتائج المنافسة محسومة مسبقًا بفعل اختلال ميزان القوة.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما يطرحه قطب العربي بشأن ضرورة الاستعداد لانتقال سياسي محتمل، ومع أسئلة أسامة رشدي حول العلاقة بين الإصلاح الاقتصادي وتحرير المجال السياسي، لكنها تظل تحليلًا لبنية النظام وتطورها، وليست تأكيدًا بأن قرارًا محددًا بشأن الانتخابات المقبلة قد اتُّخذ بالفعل.

https://carnegieendowment.org/research/2025/05/the-second-republic-the-remaking-of-egypt-under-abdel-fattah-el-sisi