وسط دمار البنية التحتية وقيود الاحتلال.. الأمطار تغرق خيام النازحين في غزة ومئات الآلاف يواجهون خطر السيول

- ‎فيعربي ودولي

آلاف الخيام غرقت أو جرفتها الرياح في مناطق متفرقة من القطاع.. والأونروا تؤكد أن 94% من السكان بحاجة إلى مأوى ومساعدات غير غذائية.. وتحذيرات أممية من تعرض نحو مليون نازح لمخاطر الفيضانات

تحولت موجة الأمطار الغزيرة التي ضربت قطاع غزة، إلى كارثة إنسانية جديدة للنازحين، بعدما أغرقت المياه آلاف الخيام وجرفت الرياح عددًا كبيرًا منها، في مشهد كشف مجددًا هشاشة أماكن الإيواء التي يعيش فيها مئات الآلاف، وسط دمار واسع في البنية التحتية ونقص حاد في مستلزمات مواجهة فصل الشتاء.

ورصدت صحف ومواقع عربية وأجنبية غرق خيام واقتلاع أخرى في مناطق متفرقة من القطاع، بينها منطقة الميناء غربًا، ومناطق السودانية وجباليا وأجزاء من بيت لاهيا شمال غرب غزة، فضلًا عن مناطق في المحافظتين الوسطى والجنوبية، حيث وجد النازحون أنفسهم أمام خطر فقدان ما تبقى لهم من مأوى، بعدما تسللت مياه الأمطار إلى الفراش والأغطية وأغرقت مقتنياتهم البسيطة.

وتتفاقم معاناة النازحين بفعل تهالك الخيام المصنوعة من القماش، وعدم قدرتها على مقاومة الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة، إلى جانب تهديد السيول للمناطق المنخفضة، في ظل تدمير شبكات تصريف المياه ونقص المعدات والإمكانات اللازمة للتعامل مع حالات الطوارئ.

وتأتي هذه الكارثة في سياق الأوضاع الإنسانية التي خلفها الدمار الواسع جراء العدوان الإسرائيلي على القطاع منذ أكتوبر 2023، بينما تتواصل القيود الإسرائيلية على إدخال مستلزمات الإيواء والمعدات الضرورية لإصلاح البنية التحتية وترميم المساكن، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

 

خيام ممزقة وأسر بلا مأوى

في منطقة الميناء غرب غزة، وجدت النازحة أم سعيد نفسها عاجزة عن حماية أطفالها الأربعة من مياه الأمطار، بعدما تسربت إلى خيمتها الممزقة وأغرقت الفراش والأغطية.

وقالت إن ساعات الفجر الأولى مرت عليها في محاولة لسد الثقوب الموجودة في الخيمة، ومنع المياه الغزيرة من التسلل إلى داخلها، لكن محاولاتها باءت بالفشل، لتجد نفسها وأسرتها بلا مأوى يحميهم من البرد والمطر.

وأكدت أن معظم النازحين في المنطقة تعرضوا للأزمة نفسها، بعدما غمرت المياه خيامهم، وحولت أماكن إقامتهم المؤقتة إلى برك من المياه والطين.

وفي منطقة السوارحة، جنوب غرب النصيرات وسط القطاع، عاش أبو محمد وأسرته ليلة قاسية، محاولًا منع الرياح والأمطار من اقتلاع الخيمة التي تؤويهم في منطقة مكشوفة تتعرض باستمرار للعواصف.

وأوضح أنه قضى ساعات الليل في تفريغ المياه المتجمعة فوق سقف الخيمة، وإغلاق الثقوب التي تتسرب منها الأمطار، خوفًا من تكرار تجربة انجراف خيمته خلال العام الماضي.

وقال إن الخيمة المقامة في منطقة طينية تواجه خطرًا إضافيًا مع هطول الأمطار، إذ تتحول الأرض المحيطة بها إلى وحل، وتتدفق المياه نحو مكان الإقامة. وأضاف أنه نقل كميات من الرمل والطين لرفع مستوى الأرض حول الخيمة وإغلاق الشقوق، وهو ما نجح جزئيًا، لكن غزارة الأمطار تسببت في تسرب المياه إلى الداخل، وإن لم تصل إلى الفراش والأغطية.

وتعكس هذه الشهادات حجم المعاناة اليومية التي يعيشها النازحون، إذ لم تعد الخيمة توفر الحد الأدنى من الحماية، وأصبح الحفاظ على الفراش جافًا أو منع المياه من الوصول إلى الأطفال مهمة شاقة تتكرر مع كل موجة أمطار.

 

 94% من سكان غزة بحاجة إلى مأوى

ورغم مرور عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 11 أكتوبر 2025، لا تزال الأوضاع المعيشية في قطاع غزة بعيدة عن التعافي، في ظل الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية، وفقدان مصادر الرزق، وضخامة الاحتياجات الإنسانية.

وفي مؤشر على اتساع أزمة الإيواء، قالت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، الخميس، إن 94% من سكان القطاع بحاجة إلى مأوى ومساعدات غير غذائية، نتيجة تدهور ظروف المعيشة وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وأضافت الوكالة، في تقرير، أن تصنيف مجموعة المأوى، استنادًا إلى مسوحات أجريت خلال الفترة من 14 إلى 28 يونيو، يقدر عدد المحتاجين إلى المأوى والمساعدات غير الغذائية بنحو 1.98 مليون شخص، بما يمثل 94% من سكان قطاع غزة.

وأظهرت نتائج التقييم أن 58% من السكان يواجهون احتياجات إيواء حرجة أو كارثية، في ظل قصور حاد في ظروف المأوى أو انعدام الوصول إلى الخدمات الأساسية والمساعدات غير الغذائية.

وحذرت الأونروا من أن استمرار هذه الظروف يعرض السكان لمخاطر جسيمة تهدد صحتهم وسلامتهم وكرامتهم، مشيرة إلى أن المساعدات الغذائية التي تحصل عليها الأسر لا تزال غير كافية لتلبية احتياجاتها.

 

تحذيرات من كارثة شتوية أوسع

وتزامن التقييم الأممي مع تحذير الدفاع المدني الفلسطيني، الخميس، من منخفض جوي يبدأ الجمعة، مصحوب بأمطار غزيرة ورياح شديدة، بما يهدد النازحين المقيمين داخل الخيام ومراكز الإيواء، وكذلك العائلات التي تضطر إلى السكن في منازل متصدعة وآيلة للسقوط.

ووفق بيانات أعلنها المكتب الإعلامي الحكومي في أغسطس، يعيش أكثر من مليونين و150 ألف نازح في القطاع، بينهم نحو 867 ألفًا داخل خيام متهالكة، وأكثر من مليون شخص في مراكز إيواء.

وتكشف هذه الأرقام عن اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات الإنسانية والإمكانات المتاحة، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء، وافتقار غالبية أماكن الإيواء إلى وسائل الحماية من الأمطار والبرد، فضلًا عن ضعف شبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار.

من جانبه، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن إسرائيل تواصل حرمان الفلسطينيين في قطاع غزة من مقومات المأوى الآمن للعام الرابع على التوالي، في وقت يحتاج فيه نحو مليوني شخص إلى مساعدات في مجال الإيواء، بعد تدمير معظم منازل القطاع.

وأوضح المرصد أن سلطات الاحتلال تواصل منع النازحين من العودة إلى المناطق التي لا تزال تسيطر عليها، وتعرقل إدخال مستلزمات الإيواء ومواد ترميم المساكن، بما يدفع مئات الآلاف من العائلات إلى استقبال شتاء جديد داخل خيام مهترئة ومبانٍ متصدعة مهددة بالانهيار.

وأكد المرصد، في بيان، أن استمرار حرمان السكان من وسائل الاحتماء، رغم تكرار الوفيات والتحذيرات من مخاطر البرد والغرق، يكرس ظروف العيش المدمرة التي يفرضها الاحتلال على الفلسطينيين في سياق الإبادة الجماعية.

 

200 ألف خيمة ومليون شادر لمواجهة الشتاء

وأشار المرصد إلى أن قطاع غزة يدخل موسم الشتاء وسط احتياج عاجل إلى نحو 200 ألف خيمة ومليون شادر، وفق ما أعلنته لجنة طوارئ الشتاء في الأول من نوفمبر الحالي، محذرًا من أن القيود الإسرائيلية تعرقل توفير هذه الاحتياجات، وتمتد إلى إمدادات جرى تجهيزها بالفعل لإغاثة السكان.

ولا تقتصر المخاطر على الخيام وحدها، إذ يواجه النازحون المقيمون في المباني المتضررة تهديدات إضافية نتيجة احتمال انهيار أجزاء منها بفعل الأمطار والرياح، في ظل غياب بدائل سكنية آمنة.

وفي هذا السياق، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية «أوتشا»، في 15 أكتوبر، بأن نحو 950 ألف نازح يعيشون في مواقع معرضة لمخاطر متوسطة إلى مرتفعة من الفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف يواجهون مخاطر مرتفعة.

كما أشار المكتب الأممي إلى أن نحو 44 ألف فلسطيني يقيمون في أكثر من 2300 مبنى غير آمن إنشائيًا، بينما تحتاج 294 ألفًا و250 أسرة إلى مساعدات إيواء استعدادًا لموسم الأمطار.

وتضع هذه المعطيات قطاع غزة أمام شتاء جديد تتداخل فيه مخاطر الأمطار والسيول والبرد مع آثار الدمار والنزوح، في وقت لا تزال فيه مئات الآلاف من الأسر تفتقر إلى المأوى الآمن، وتنتظر دخول الخيام والشوادر ومواد الترميم والمعدات اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية.

ومع غرق الخيام واقتلاع بعضها مع أول موجات الأمطار، لم تعد الأزمة مجرد نقص في وسائل الإيواء، بل تحولت إلى تهديد مباشر لحياة النازحين وسلامتهم، خصوصًا الأطفال وكبار السن، الذين يواجهون فصل الشتاء في أماكن لا توفر الحد الأدنى من الحماية من تقلبات الطقس.