استقبال رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي لرئيس شركة "أورانج" الفرنسية للاتصالات ستيفان ريتشارد، أواخر الأسبوع الماضي، مبديا ترحيبا واسعا وتطلعا نحو زيادة التعاون مع الشركات الفرنسية، يعكس حقيقة الموقف الذي تتبناه حكومة الانقلاب من دعم صارخ وانحياز سافر لباريس في الوقت الذي تشن فيه فرنسا حربا عدائية ضد كل ما يتعلق بالإسلام.
هذا الاستقبال الحافل من جانب السيسي وإعلامه لرئيس الشركة الفرنسية في هذا التوقيت يمثل طعنة للمقاطعة الشعبية ضد المنتجات والبضائع الفرنسية والتي أصابت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الصميم ودفعته نحو الاستنجاد بقادة النظم العربية المستبدة من إجل إنقاذ موقفه المتدهور وسمعته التي باتت في الحضيض. كما يمثل رسالة صادمة للشعوب الإسلامية بعد أن تصدُّر وسم #مقاطعة_المنتجات_الفرنسية يومياً لقائمة الأكثر تداولاً في المنطقة، الذي حمل رقما تسلسليا لتجنب خروجه من القائمة وصل إلى الرقم 29.

تعمد دعم فرنسا

معنى ذلك أن السيسي يصر على دعم الموقف الفرنسي رغم أن الرئيس الفرنسي لم يعتذر عن إساءته للإسلام حتى هذه اللحظة؛ بل إن تصريحاته على قناة الجزيرة الفضائية يوم 31 أكتوبر 2020م والتي تضمنت شيئا من التراجع جرى الانقلاب عليها بعد ذلك؛ حيث أبدى الرئيس الفرنسي تمسكه بنشر هذه الرسوم المسيئة باعتبارها مرتكزا من مرتكزات العلمانية الفرنسية التي تقدس حرية الرأي والتعبير، بحسب مزاعم ماكرون.  ولا تستطيع وسائل الإعلام الفرنسية التشكيك في محرقة "الهولوكست" ضد اليهود في المانيا أثناء حكم النازية، ولا تستطيع أيضا انتقاد السلوك العدواني للاحتلال الإسرائيلي باعتباره محرما بسبب قانون غريب وشاذ اسمه "العداء للساميىة"، كما جرى فصل رسامي كاريكاتير  من صحفهم بسبب انتقادهم للحكومة الفرنسية؛ وحاليا تقدم حزب ماكرون بمشروع قانون مشبوه "الأمن الشامل" والذي يحظر تصوير عناصر الشرطة أثناء مهامهم وهو ما يمثل عصفا لكل مزاعم فرنسا  حول حرية الرأي والتعبير والتي لا تكون مقدسة إلا في هالة الإساءة للإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم.

وكان موقف الآلة الإعلامية للنظام من حملة مقاطعة البضائع الفرنسية برهانا عمليا على أن نظام السيسي يتعامل مع الإساءة الفرنسية للإسلام ونبيه بوجهين: الأول هو التصريحات المعسولة التي جاءت على غير العادة متوازنة، في خطاب قائد الانقلاب أثناء الاحتفال بالمولد النبوي "28 أكتوبر" وبين أفعاله التي تناقض هذه التصريحات. وبدا الارتباك واضحا على أدوات السلطة الإعلامية والتي انحازت للموقف الفرنسي وراحت تقلل من شأن  المقاطعة؛ حيث حاولوا تثبيط حماسة المصريين بالحديث عن انعدام جدوى المقاطعة، وأنها لن تؤثر في الاقتصاد الفرنسي القوي، وهو ما رد عليه مغردون بتداول بيان الخارجية الفرنسية الذي يطلب من الدول الإسلامية عدم المقاطعة.
وفي ظل اشتعال أزمة الرسوم المسيئة، أعلن الجيش المصري في 3 نوفمبر 2020م عن تنفيذ مناورة بحرية مع فرنسا في مياه البحر المتوسط ، بمشاركة الفرقاطة المصرية (طابا) والفرقاطة الفرنسية (JEAN BART)". وفي 17 نوفمبر "2020"م، أعلن الجيش أيضا عن تننفيذ تدريب بحري بين القوات البحرية المصرية ونظيرتها الفرنسية في البحر المتوسط، وهي رسالة مفادها أن الجيش لا يرى في إهانة الإسلام والنبي سببا مباشرة لتوتير العلاقات مع فرنسا؛ فماذا لو كانت هذه الإساءة لشخص السيسي وكان الرسم الكاريكاتيري مهينا له؛ فهل كانت حكومة السيسي ستتعامل ببرود وتواطؤ كما تفعل الآن؟ أم كانت ستصدر البيانات المنددة وتسحب السفير وتعلق النشاط مع فرنسا احتجاجا على إهانة السيسي؟

دعم حق الاختلاف!
ومن البراهين الواضحة على خذلان الموقف الرسمي لنظام السيسي في أزمة الرسوم المسيئة أن وزارة الأوقاف فرضت موضوعا محددا لخطبة الجمعة على جميع الأئمة حول "حق الاختلاف وقبول الآخر"؛ وهو عنوان براق أريد به سحب الجماهير من مربع المقاطعة  التي انتشرت كالنار في الهشيم الفرنسي، إلى مربع التهدئة والحوار؛ إذ لم يشر محتوى الخطبة الذي نشرته الوزارة وفرضته  على الجميع مطلقا لأي ذكر عن مقاطعة البضائع الفرنسية ولا حتى ذكر لفرنسا والرسوم المسيئة من الأساس.

كما جرى التنكيل بكل من يدعو إلى مقاطعة البضائع الفرنسية؛ فقد وقفت أجهزة السيسي الأمنية والإعلامية والحكومية لحملات مقاطعة البضائع الفرنسية بالمرصاد؛ فإلى جانب التقليل من شأنها في وسائل الإعلام، وتحريض الجماهير على عدم تبني خيار المقاطعة كرد عملي على الإهانة الفرنسية للإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، أحالت وزارة الأوقاف إمام مسجد "أحمد همام" للنيابتين العامة والإدارية؛ وقرر الوزير وقفه عن العمل، والتوصية بسرعة إنهاء خدمته. كما جرى ــ  في ذات السياق ــ اعتقال الداعية السلفي المعروف الشيخ مصطفى العدوى من منزله فجر الأربعاء 4 نوفمبر 2020م على خلفية إطلاقه تصريحات إعلامية بشأن وجوب مقاطعة المنتجات الفرنسية نصرة للرسول صلى الله عليه وسلم؛ ورغم إطلاق سراحه بعد ساعات من احتجازه؛ إلا أن الرسالة قد وصلت، بأن النظام لن يتسامح مطلقا مع الأشخاص والجهات التي تتبنى حملات المقاطعة ضد البضائع الفرنسية عبر المنابر أو وسائل الإعلام.

Facebook Comments