التسريب الذي بثه مسلسل "الاختيار 3" للرئيس الشهيد محمد مرسي والذي يحذر فيه رئيس المجلس العسكري المشير حسين طنطاوي، ومدير جهاز المخابرات الحربية عبدالفتاح السيسي من مغبة تزوير الانتخابات الرئاسية، عصف بكل الأكاذيب التي روج لها المسلسل؛ فقد بدا مرسي رحمه الله قويا شجاعا جريئا في الحق لا يخشى أحدا، مؤكدا أن تدخل المجلس العسكري بالتزوير في نتائج الانتخابات الرئاسية 2012م، سوف يشغل نيران الغضب الشعبي التي لا يمكن احتواؤها؛ وهو ما يبرهن على الحكمة التي كان يتمتع بها مرسي وبعد نظره، وحرصه على النزاهة والشفافية وتقديس إرادة الشعب. في الوقت الذي كان رد طنطاوي غريبا وشاذا ويدل على أن العسكر كانوا يتجهون فعلا لتزوير نتائئج الانتخابات لحساب الفريق أحمد شفيق، لأنه كان يجب على طنطاوي الاتفاق مع مرسي برفض أي شكل من أشكال التزوير بوصفه خيانة عظمى لمصر وشعبها وتزييفا لإرادة شعبها، لكنه لم يفعل! بينما كان السيسي على الهامش بلا دور حقيقي سوى الإذعان والصمت. 

يتعين علينا أن نشكر الذين بثوا هذا التسريب رغم أنه مجتزأ ، ولو نشروه كاملا لاتضح كم كان مرسي رحمة لله عملاقا شامخا؛ البرهان على ذلك هو طريقة خطابه مع طنطاوي والسيسي وهو مجرد مرشح رئاسي، فكيف كان يتعامل معهم بعدما بات رئيسا؟ لذلك تعجلوا الانقلاب عليه من أجل سيطرتهم الكاملة على الحكم بالعنف والإرهاب لينهبوا مصر كما يشاءون دون خوف من حساب أو مساءلة.

المغزى واضح، فالنظام بإصراره على توظيف الدراما سياسيا لخدمة أجندة السلطة العسكرية كما في الاختيار بأجزائه الثلاث، يمضي الدكتاتور عبدالفتاح السيسي ونظامه على خطى الكيان الصهيوني الذي اعتمد على الكذب والتدليس والافتراء من أجل فرض روايته الكاذبة على العالم بشأن احتلاله لفلسطين مستخدما جميع أدوات الإعلام الجبارة (فضائيات ــ صحف ــ أفلام ــ دراما ــ كتب ــ مقالات ــ صور ــ إذاعات ــ شراء ذمم) لتكريس سرديته رغم تهافتها وهشاشتها وعدم قدرتها على الصمود أمام الحق الفلسطيني. زعم الاحتلال في البداية أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ثم ادعى أنه واحة الديمقراطية بين  أكوام التخلف العربي والإسلامي، وروج لأكذوبة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم للإسرائيليين وهي الأكذوبة التي شارك في ترويجها أيضا الطابور الخامس في بلادنا مدعومين من الأنظمة المتواطئة التي اتضح أنها كانت تخون الأمة  على فراش العشيق الصهيوني وهي العلاقة التي فاحت وباتوا يجاهرون بها دون خجل أو حياء.على خطاهم يمضي السيسي ليروج الأكاذيب في شهر الصدق والإيمان "رمضان".

الهدف إذا هو حرب الروايات وتزييفها مارسته إسرائيل ويمارسها السيسي كنظام استبدادي يستقوي على خصومه بتوظيف جميع إمكانات الدولة لترويج وتكريس روايته الخاصة وسرديته رغم بشاعة الجريمة التي اقترفتها يداه، بالانقلاب أولا على النظام الديمقراطي الوليد والمسار الثوري والرئيس المدني المنتخب، ثم بحجم الدماء التي سفكها ليحقق أطماعه في السلطة وشهوته في الحكم والتسلط مزهوا بقوته وبطشه من جهة، والدعم والمساندة التي يلقاها من حلفائه الدوليين والإقليميين من جهة ثانية، وعجز خصومه ومعارضيه من جهة ثالثة، ويأس  المنتقدين له الذين تحولت مواقفهم مؤخرا ليدعموا الجنرال استنادا إلى لغة المصالح بعيدا عن القيم والأخلاقيات التي لا وجود له في عالم السياسة اليوم من جهة رابعة.

صناعة الكذب والتضليل الإعلامي له عدة صورة منها قلب الحقائق أو التضليل بالمعلومات التي ليس لها علاقة بالحدث، ويؤدي الإعلام دورا خطيرا في حياة الأمم . ليس في نقل الأخبار والأحداث فقط وإنما في صياغة وتحديد توجهات الرأي العام.  ومن هنا يصبح التضليل  الإعلامي الذي يمارسه الإعلام حاليا بمثابة حرب نفسية تمارس بحق المتلقي لإحداث تترك أكبر قدر من التأثير السلبي على وعيه وقناعته وأحكامه على الأحداث والأشخاص. والتضليل الإعلامي له عدة صور منها قلب الحقائق أو التضليل بالمعلومات التي لها علاقة بالحدث أو باستخدم مفردات معينة تؤدي إلى إحدار أحكام بالإدانة أو الانتقائية المتحيز التي تنتقي بعض الكلمات والحقائق والمصادر وتهمل الأخرى.

ومن خلال تتبع حالة الإعلام السلطوي منذ ثورة يناير ثم مرحلة ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م،  نجد أن هناك حالة من الفوضى ونشر أكاذيب مضحكة يقوم الإعلام المضلل عبر تصريحات مفبركة وأكاذيب لتضليل الرأي العام وخداع المتلقي عبر محاولات غسيل الأدمغة وقلب الحقائق وضرب القناعات وحتى استهداف الهوية الإسلامية لمصر والتركيز على هويتها الفرعونية وشيطة ثورة يناير والنضال في سبيل الحرية والعدالة وإنشاء نظام سياسي ديمقراطي تعددي يسمح بالحرية والتنافس الحر والاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدلا من صناديق الذخيرة التي يهدد بها السيسي المصريين باستمرار.

إن صناعة الكذب والفبركة الإعلامية باسخدام قلب الحقائق وتوزيع صكوك الغفران على المسئولين للتغطية على انتهاكاتهم وجرائمهم اليومية بحث الشعب على مدار السنوات الماضية وتلك المجازر التي يعترف بارتكابها النظام لكنه يبررها بدعاوى متهافتة وسخيفة رغم أنها موثقة بالصوت والصورة وتوظيف الإعلام الأسود وصناعة الكذب يعد من أكثر الوسائل أو الحروب التي تستهدف عقول البشر؛ حيث يبدأ بالتشويش ثم يصييبها في قناعاتها لصرف الأنظار عما يحدث من جرائم تمارسها السلطات وتسعى لخلق قناعات وإيجاد توجهات شعبية نحو واقع ليس موجودا في الأصل وما هو إلا وهم وسراب. بهدف التشويش والتغطية على على الواقع المر والجرائم الفظيعة التي ترتكب من جانب النظام العسكري منذ سنوات، وبالتالي فالهدف هو توظيف ماكينة الكذب من أجل تحويل المجرم من جلاد وطاغية إلى بطل قومي، والنظر إلى الجريمة من زوايا وأبعاد مفتعلة ومتوهمة بهدف تبرير الجريمة وصولا إلى تحويلها إلى بطولة تستحق الإشادة والتمجيد ومنح المتورطين فيها أنواط الشجاعة والبطولة. فنظام الدكتاتور السيسي يوظف الدراما سياسيا ويتصرف بوصفه وكيلا حصريا عن الحقيقة التي يملك وحده ناصيتها بهدف العصف بالرواية الحقيقية للأحداث والتي تدين السلطة في كل جزء وتفصيلة من تفصيلاتها وهي الجرائم التي تستوجب محاكمة المتورطين فيها بتهمة الخيانة العظمي من جهة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية من جهة أخرى. فالهدف هو أسر الحقيقة ومصادرتها من أجل تكريس سردية السلطة عبر أدوات الكذب والإلحاح على الكذب والإصرار عليه وفق قاعدة (اكذب ثم اكذب واكذب حتى يصدقك الناس أو تصدق نفسك).

Facebook Comments