تتواصل تداعيات قانون المسؤولية الطبية لتكشف عن مزيد من الفشل لحكومة الانقلاب وتراجعها جزئيًا أمام تهديدات الأطباء بالتصعيد إلا أنها تصر على حبس الأطباء ما تسبب فى استقالة أعداد كبيرة منهم وهجرتهم إلى الخارج ما يهدد بانهيار المنظومة الصحية.
كانت حكومة الانقلاب قد أصرت على تمرير قانون المسئولية الطبية فى برلمان السيسي ومارست ضغوطاً قوية على مجلس نقابة الأطباء، انتهت بإعلان النقابة تأجيل انعقاد جمعيتها العمومية الطارئة، التي كان مقرراً عقدها الجمعة 3 يناير تحت ستار الانتظار حتى “إصدار المسودة النهائية من مشروع قانون المسؤولية الطبية”.
فى هذا السياق كشفت مصادر مطلعة أن هناك تقارير أمنية تم رفعها إلى مسؤولي الانقلاب تحذر من لجوء الأطباء إلى التصعيد بسبب القانون في ظل حالة الاحتقان السائدة بسبب أوضاعهم الاقتصادية المزرية.
وقالت المصادر ان إضافة قوانين تكبل الأطباء وتحبسهم وتفرض عليهم غرامات، يؤدي إلى مظاهرات وانفلات الأوضاع وانفجارها ليس على مستوى نقابة الأطباء فقط، ولكن هناك معلومات عن انضمام نقابات مهنية أخرى إليها تضامناً أو تضرراً من حكومة الانقلاب.
نقابة الأطباء
فى المقابل قال مصدر بمجلس نقابة الأطباء إن إلغاء الجمعية العمومية غير العادية لم يحظَ بتوافق غالبية أعضاء المجلس، بل إن القرار جرى التمهيد له وإصداره دون أن يطلع عليه جميع أعضاء المجلس، مع الإصرار على انعقاد الجمعية العمومية وعرض بنود القانون عليها، مشيراً إلى أن الإلغاء يضر بالحركة النقابية وسيقود إلى انقسام واسع بين أعضاء المجلس الحالي.
وأضاف المصدر أن الضغوط والاتهامات بإثارة البلبلة لم تتوقف على مجلس النقابة من جانب أعضاء في برلمان السيسي ووزير صحة الانقلاب خالد عبدالغفار، بهدف إلغاء الجمعية العمومية، بحجة أن البرلمان استجاب لمطالب الأعضاء مع إلغاء الحبس الاحتياطي.
وكشف أن مجلس النقابة رفض الاستجابة لتلك الضغوط قبل أن يذهب برلمان السيسي لاتخاذ خطوة خادعة، بتعديل المادة الخاصة بحبس الأطباء في حالة الأخطاء المهنية، وفي المقابل وضع عبارات فضفاضة في تعريف الخطأ الجسيم، بينها “رعونة الطبيب”، وهو ما واجه اعتراضات من الأطباء.
وشدد المصدر على أن الوضع الحالي، الذي ينص فيه قانون العقوبات على الحبس في حال الخطأ الجسيم، أفضل من نص القانون الجديد، الذي يدعم حبس الأطباء مع رفض الاستجابة لمطالب الاستعانة بتجارب الدول العربية الشقيقة التي لديها قوانين مماثلة للمسؤولية الطبية.
أمن الانقلاب
وحول ممارسة أجهزة أمن الانقلاب ضغوطاً على نقيب الأطباء لتأجيل الجمعية العمومية، زعم مسئول بأمن الانقلاب أن الوقت ليس مناسباً لانعقاد جمعية عمومية من شأنها إثارة البلبلة بين أفراد الشعب المصري، مشيرًا إلى أن الطبيب مواطن مصري والمريض مواطن مصري.
وقال: هناك من يصطاد في المياه العكرة وينفخ في العلاقة المتوترة بالفعل بين الأطباء والمرضى ويدعو إلى مظاهرات لرفض القانون، وذلك ليس في مصلحة الوطن في الوقت الحالي وفق تعبيره.
مستقبل وطن
واعترف مصدر مسئول في حزب الانقلاب “مستقبل وطن” أن بعض أعضاء الحزب مارسوا ضغوطاً وتهديدات على مجلس نقابة الأطباء للتراجع عن عقد الجمعية العمومية للنقابة في موعدها.
ورفض المصدر الكشف عن طبيعة هذه التهديدات وإلى من وُجِّهت تحديداً.
وأشار إلى أنه في إطار محاولة السيطرة على حالة الغضب التي اجتاحت الأطباء، تم إلغاء المادة 29، الخاصة بجواز حبس مقدم الخدمة الطبية “احتياطياً” في الجرائم التي تقع منه أثناء تقديم الخدمة الطبية أو بسببها.
وقال المصدر ان هذه التعديلات لاقت ترحيباً من بعض أعضاء النقابة، ومنهم نقيب الأطباء، لكنها لم تعجب قطاعاً واسعاً من الأطباء بسبب تجاهل حكومة الانقلاب مشروع قانون تقدمت به نقابة الأطباء منذ سنوات، يطالب بإدخال تعديلات جذرية على القانون الحالي أو الاستعانة بالقانون الذي وضعته النقابة في السابق.
الحبس الاحتياطي
وقال مصدر مسئول بنقابة الأطباء، إن حذف المادة 29 من قانون المسؤولية الطبية لا يعني إلغاء الحبس الاحتياطي للأطباء، لأن القانون لم يذكر بشكلٍ مباشر حظر حبس الأطباء احتياطياً في قضايا الخطأ المهني.
وأشار إلى أن هناك مواد في قانون العقوبات، مثل المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية، تتيح إمكانية حبس الأطباء احتياطياً.
وأوضح المصدر أنه طالما هناك إمكانية لحبس الأطباء من جانب المحكمة، فإن مطالبهم لم تتحقق، مؤكدًا أن التسويق لإلغاء الحبس الاحتياطي قد يكون ضرره أكبر من نفعه، لأنه لم يتم معالجة المشكلة جذرياً.
وشدد على أن النقابة لم تعترض على حبس الأطباء الذين يرتكبون أخطاء عمدية أو يعملون دون ترخيص، أو يقومون بعمليات ختان إناث أو إجهاض غير شرعي، بل يطالبون بإعفاء الأخطاء غير المقصودة من الحبس، كما هو متعارف عليه عالمياً.
وأضاف المصدر: “مش ممكن يكون غرض دولة العسكر مع فئة هامة تقدم خدمات حيوية أن نكبلها أو نصدر أحكاماً تؤدي إلى ضرر، والذي يفكر بهذه الفكرة مريض، لأن أى دولة تكبر بكوادرها، ومن يفكر في وجود مؤامرة على فئة معينة في المجتمع، تفكيره مريض، لكن التفكير الصحيح هو أن كل الأفكار تُدرس وتوضع في سياقها، ونستعين بالقانونيين لأنهم أدرى بفلسفة المقترحات.”
خصومة وعداء
وكشف مصدر بحكومة الانقلاب أن استجابة برلمان السيسي للجزء الأكبر من مطالب الأطباء سببها الخوف من التصعيد، مشيرًا الى أنه كان من الضروري تفويت الفرصة على دعوات التظاهر أمام دار الحكمة في منطقة وسط القاهرة، إلى جانب عدم الدخول في أزمة مع النقابات المهنية المختلفة.
وأكد المصدر أن العديد من النقابات أبدت دعمها للأطباء، بينها نقابة المهندسين والصحفيين، إلى جانب اتحاد المهن الطبية، كما أن هناك مخاوف حقيقية لدى مسؤولي الانقلاب من لجوء الأطباء إلى الإضراب أو هجرة المزيد منهم للخارج، في ظل التراجع الملحوظ في أعدادهم، وخاصة الأكفاء منهم.
وحذر من أن حكومة الانقلاب، بحسب نص القانون الحالي، يمكن أن تتسبب في أزمة بين نقابة الأطباء وغيرها من النقابات المهنية بعدما أتاحت الاستعانة بأعضاء آخرين من المهن الطبية لتقرير ما إذا كان الطبيب يتحمل المسؤولية الطبية الناتجة عن الخطأ من عدمه، فضلاً عن أن اللجنة تتشكل من خمسة عشر عضواً؛ قانونيان، وثلاثة عمداء كليات طب، وخبيران مرموقان، وسبعة أطباء يمثلون جهات حكومية، بينما لا يوجد إلا عضو واحد فقط من نقابة الأطباء.
وشدد المصدر على أن القانون سيكون له آثار كارثية على الأطباء والمرضى، ويخلق خصومة وحالة من العداء بينهما، متوقعًا أن يمتنع عدد كبير من الأطباء عن علاج الحالات المعقدة والحرجة مما يسبب معاناة للمرضى وتوتراً في العلاقة بين الطبيب والمريض.