لم تطوَ صفحة القضاء "الشامخ" برحيل المستشار ناجي شحاتة، عنتيل القضاة، وقاضي الإعدامات، كما نعته أغلب الدوريات المعارضة للانقلاب بل والرافضة له، فحتى وفاته صباح الجمعة 6 فبراير استمر في رئاسة دوائر الإرهاب وأمن الدولة العليا طوارئ، وهي محاكم استثنائية تفتقر لأدنى درجات العدالة، وتنتج أحكاما مشوهة على غرار تبعات غالب مؤسسات مصر بظل الانقلاب.
وظل (رغم تخطيه السن القانوني للتقاعد ب75 سنة) يصدر أحكامًا مشددة في قضايا سياسية وأمنية حتى وفاته، وكان لُقبه عن جدارة فطوال 13 عاما كان الأعلى معدل في أحكام الإعدامات بحق رافضي الانقلاب، وأبرزهم من جماعة الإخوان المسلمين.
والنماذج كثيرة ومنها أحكام إعدام بحق المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين د. محمد بديع الذي صرح وأمام حشد مؤلف (سلميتنا أقوى من الرصاص)، بقضية "غرفة عمليات رابعة" وضمت الأحكام قائمة من الإخوان رفقته.
وفي قضية "خلية الماريوت"، حكم في القضية على صحفيي الجزيرة "محمد فهمي وباهر محمد وبيتر جريستي" و14 صحفياً آخرين بالسجن مدة من 7 إلى 10 سنوات.
وفي قضية "أحداث مجلس الوزراء"، بلغ عدد المعتقلين فيها 268، وعلى رأسهم الناشط أحمد دومة، والتي قضى فيها بعدة مؤبدات .
وفي قضية "أحداث كرداسة"، أمر شحاته فيها لإحالة أوراق 185 شخصًا لمفتي الجمهورية لمفتي الجمهورية.
وتولى "شحاتة" رئاسة الدائرة الخامسة بمحكمة جنايات الجيزة المختصة بقضايا الإرهاب، وترأس لاحقًا محكمة أمن الدولة العليا طوارئ، وهي المحكمة التي نظرت قضايا حساسة مرتبطة بالمعارضين السياسيين بعد 2013.
مغالطات وأكاذيب
وفي حوارات معه ظل ناجي شحاتة "الشامخ" يقول عنه نفسه: إنه "ينتمي للتيار الناصري، لذلك يميل إلى السلطة العسكرية أكثر، وأن أكثر ما يستفزه خلال المحاكمة هتاف أنصار جماعة الإخوان "يسقط كل قضاة العسكر"، ووصف ذلك بقوله: "أعتبرها كلابا تعوي".
ادعى أنه يمتنع عن ممارسة العمل السياسي ويقول دائما: "أنا مواطن عادي".
وافتقار محاكمات ناجي شحاتة إلى معايير المحاكمة العادلة سجله وزير العدل الشرعي المستشار أحمد سليمان(رحمه الله) والذي حبسه السيسي لنزاهته وشرفه كقاضي ووزير رافض للانقلاب العسكري الذي جرى في مصر في 3 يوليو 2013.
ففي ديسمبر 2014، هاجم المستشار أحمد سليمان قاضي الانقلاب محمد ناجي شحاتة الذي أمر بسجن أحمد دومة ثلاث سنوات بتهمة إهانة القضاء لمجرد أنه سأله عما إذا كان لديه حساب على موقع "الفيس بوك".
وأوضح المستشار سليمان في مداخلة عبر فضائية "الجزيرة مباشر مصر" أن كتابات القاضي "ناجي شحاتة" على الفيس بوك توجب تنحيه عن القضية، مؤكدًا أن ما قام به أحمد دومة لا يُعد إهانة للقضاء، لأنه سأله عن انتمائه السياسي، وهو ما ينفي أنه مواطن عادي، فضلا عن "حياده" عن العدل الذي يدعيه.
وفي مرة تالية، قال وزير العدل في حكومة قنديل: إنه "كان يجب منذ البداية عدم إسناد قضايا إلى المستشار ناجي شحاتة وكل من ثارت حوله الشبهات، بسبب تقديم شكاوى ضده في قضية تزوير انتخابات مجلس الشعب عام 2005 عن دائرة الزرقا بدمياط، إلا أنه تم حفظ التحقيق ضده قبيل إجراء محاكمات الإخوان".
وأضاف "سليمان" في تصريحات صحفية أنه لا يجوز لشحاتة إعلان تأييده للسيسي كمواطن، خاصة وهو يحاكم خصومه، وإعلان تأييده له يعني ميله لصالح اتجاه بعينه، مشيرا إلى أن تصريحاته تعد إعلانا لعداء وبغض لتيار سياسي معين، وليس مجرد رأي سياسي.
وأشار إلى أنه عقب تصريحات شحاتة يجب عليه التنحي عن نظر جميع القضايا، فإن لم يفعل يجب على رئيس محكمة استئناف القاهرة إعادة تشكيل هذه الدائرة، قائلا: إنه "من الخطورة بمكان بل مأساة أن يكون أحد فوق القانون في مصر".
أما رئيس محكمة استئناف القاهرة، المستشار فؤاد راشد، فقال في تصريح صحفي إنه يشعر بالمرارة لوصف شحاتة ل"ناس" بالكلاب، ووصفه لضحايا يناير ب"السادة الحرامية"، وهذا يعد إعلانا عن موقفه من الثورة، مشددا أن القاضي يجب أن تكون كلمته محسوبة ومتوازنة، مبدياً تعجبه مما يحدث الآن، وقائلًا: أصبحنا نعيش في عالم "صدق أولا تصدق".
ومن غير المثير للدهشة، بظل اعتلاء الانقلابيين الحكم، أن استمر ناجي شحاتة في إصدار أحكام بالسجن المؤبد والإعدام في قضايا ذات طابع سياسي وأمني، مما عزز صورته كأحد أكثر القضاة تعبيرا عن حصاد قضاة دولة مبارك وشامخ السيسي لاحقا.
شهادة من الخارج
المدير التنفيذي لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم، كينيث روث، استنكر في ابريل 2015 حكم المؤبد الصادر بحق المواطن الذي يحمل الجنسية الأمريكية محمد سلطان في القضية المعروفة إعلاميا بـ "غرفة عمليات رابعة العدوية".
وفي تغريدة عبر حسابه على شبكة تويتر للتدوينات المصغرة، قال "روث": "وهو يحكم بالموت، ينبغي لقاضي الإعدام في مصر أن يتحلى على الأقل بفضيلة النظر إلى أعين الضحايا".
وأضاف، في تغريدات سابقة: "السيسي لأوباما: شكرا على استئناف المساعدات العسكرية، وإليك حكما بالمؤبد لمواطنك".
وتابع: "قاضي الإعدام في مصر يحكم على محمد بديع مجددا و11 قادة آخرين من جماعة الإخوان المسلمين".
وكتب روث، في أولى تغريداته بشأن حكم المؤبد بحق محمد سلطان: "مصر تقضي بالسجن المؤبد لتمويل اعتصام، بينما تحصل الشرطة التي قتلت أكثر من 817 من المعتصمين على مكافآت ونصب تذكاري".
أما الإعلامي أحمد منصور (المذيع بقناة الجزيرة) فكتبب على "فيسبوك" بين ما كتب عن القاضي الظالم: "لا تنسوا هذا الاسم: محمد ناجي شحاتة، جلاد أحمق بدرجة قاضي، يمارس التعذيب والسادية وكل أنواع الأمراض النفسية من على منصة القضاء في مصر" .
عنتيل القضاة
ونشر منصات رافضة للانقلاب منها موقع "بوابة الحرية والعدالة" و"نافذة مصر" تقريرا حول الفساد الأخلاقي لهذا القاضي الذي يعتلي منصة الحكم والفصل بين الناس، والذي ظهر واضحا حين تجولنا في حسابه على فيس بوك.
وتوصلت التقارير لحساب القاضي المجرم "محمد ناجي شحاتة" على موقع "فيسبوك"، فلم يكن مفاجئا داخل حساب أن هذا المجرم كل اهتمامته على فيسبوك للصفحات الإباحية، وعددا من أصدقائه على الموقع هن من النساء الخليعات، والصور المنشورة خاصته وهو يرتدي سلاسل ذهبية، ويفتخر بعدائه للتيار الإسلامي في منشوراته على هذا الحساب (ليس عاديا أو حياديا كمتطلبات قاض).
الناشط الانقلابي أحمد دومة (عوقب بالسجن لسنوات ولطالما طالبنا بحرية الجميع وله ولعلاء عبدالفتاح) كان سبب سؤاله للقاضي محمد ناجي شحاتة، والمعروف بقاضي الإعدامات ، كونه أول شخص حكم على امرأة بالإعدام منذ 3 يوليو 2013، بعد انتشار فضائحه الأخلاقية إضافة لتوثيق جانب منها عبر حسابه على "فيسبوك" بسؤاله: هل لديك حساب على فيس بوك؟.
إحنا ظلمة
وسمح ناجي شحاتة في قضية أحداث مجلس الوزراء بخروج معتقلة أجهشت بالبكاء، قائلةً لهيئة المحكمة: "أنا عملت إيه علشان أتعامل المعاملة دي"، " لو هتحكم عليّ احكم بالإعدام ولا يوم واحد في السجن"، وهو ما أثار غضب المستشار محمد ناجى شحاتة، ليعقب على حديث المتهم قائلًا: "بلاش أفلام عربي ومش عاوز أسمع كلام تاني"
وبعد أن نشبت مشادة كلامية بين هيئة المحكمة والدفاع بقضية كرداسة الذي تمسك بسماع الشهود، وهو ما أثار غضب المستشار محمد ناجي شحاتة رئيس المحكمة، قائلًا لأعضاء الدفاع: "شكرًا، احنا ظلمة وما بنحققش العدل".
قالوا عن ناجي شحاتة
وفي بيان ل"هيومن رايتس واتش" مع انتقادها حكم إعداد 188 معتقلا في قضية كرداسة، أشار إلى أن قضاء مصر فقد "ما تبقى من سمعة استقلاله"، وخص البيان "شحاتة" بالحديث ومعه الدوائر الخاصة (الاستثنائية) بالانتقادات معتبرا أنها انتهاكات حقوقية.
وأضافت أن "شحاتة" وقضاة الدوائر الخاصة ظاهرة شديدة السلبية تتعلق بالاستبداد ولا يجب السكوت عليها، ومحاسبة من يقف خلفها.
ومن جانبها، أصدرت "العفو الدولية" بيانا بخصوص القضية نفسها يقول إن حكم حكمة قضية كرداسة "مثالا أخر على خروج القضاء الجنائي في مصر عن السيطرة"
واعتبرت أن سلطات الانقلاب "لم تعتد تستطيع الحديث عن استقلال القضاء لأن هناك قضايا متتالية توضح حكم "انكسار" هذا القضاء وكيف أنه عرضه "للأهواء السياسية".
قاضي الإعدامات
وكان أول من وصف ناجي شحاتة (بعد متظاهري الشوارع في مصر) بقاضي الإعدامات صحيفة فايننشال تايمز في أبريل 2015، معتبرة أنه يخدم النظام ويستخدم أحكامه لترهيب الناس.
وذكرت أن "شحاتة" أصدر أحكامًا قاسية في قضايا سياسية، منها الحكم على صحافيي الجزيرة بالسجن لمدد طويلة، وهو حكم رفض لاحقًا في الاستئناف.
وأوضح أن شحاتة كثيرًا ما يهاجم ثورة يناير ويدافع عن الشرطة، وأن دبلوماسيين غربيين وصفوه بأنه "خرج عن السيطرة"، كما نقل عن محامين قولهم إنه يعرف القانون لكنه غير نزيه بسبب ولائه للنظام.
وأبرز التقرير حكمه بالسجن المؤبد على محمد سلطان، وهو ما أثار انتقادات أمريكية ودعوات للإفراج عنه بسبب تدهور حالته الصحية.
وعابت عليه الصحيفة ولاؤه المعلن لزعيم الانقلاب، عبدالفتاح السيسي وإشارته أن القضاة "ظل الله على الأرض"، وأشار التقرير إلى أن أحكامه وتصرفاته أصبحت مثار جدل واسع، حيث منع محامين وأهالي متهمين من حضور الجلسات، وقاطع الدفاع بشكل متكرر.
واختتمت الصحيفة بأن النظام المصري يتسامح مع أسلوب شحاتة رغم الانتقادات، معتبرة أنه يمثل مظاهر القصور في القضاء المصري، وأنه يؤدي دورًا سياسيًا في خدمة السلطة، ويُستخدم كأداة لإرهاب الناس ومنعهم من الاحتجاج.
لافتة قضائية
ومع التقارير الدولية المنتقدة للضابط (في زي قاضي) ناجي شحاته على غرار الصحيفة البريطانية، قبلت بشكل مفاجئ محكمة استئناف القاهرة التابعة للانقلاب طلب 30 من معارضي حكم العسكر برد القاضي ناجي شحاتة عن نظر قضية أحداث أوسيم .
وعلقت هيئة الدفاع: حكم قبول طلب رد القاضي في يناير 2016 "تاريخي" ولم يحدث منذ سنوات وجاء لتصريحاته ضد ثورة يناير
إلا أنه لم يمض أسبوع حتى تنحى قاضي الإعدامات شحاتة من نظر إعادة الإجراءات للدكتور محمود غزلان في قضية ما عرف إعلاميا بغرفة رابعة، بعد تقدم المحاميين بطلب رده عن نظر القضية إلا أن المحكمة عينت محله قاضيا أسوأ منه وهو المستشار معتز خفاجي.
ومن سوابق ناجي شحاتة إعدام طالب ذهب لغزة ففي 24 مايو 2015 أصدرت محكمة جنايات الجيزة، برئاسته حكمًا بالإعدام شنقًا على الطالب أنس عبد ربه سليمان شاهين، بعد اتهامه بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين والتعامل مع حركة حماس، ونسبت له المحكمة التنقل عبر أنفاق سيناء، والوصول لحماس.
وعرف عنه تعاطفه مع الضابط الشناوي المشهور قناص العيون الذي أصاب أحد المتظاهرين بخرطوش في عينه، وصرح صحفيا (وهو محظور على القضاة)، "الضابط الغلبان، الذي اشتهر سابقًا بقناص العيون لم يقصد أن تخرج الطلقة التي خرجت من سلاحه في عين أحد المواطنين، حيث كان يطلقها لتفريق المتظاهرين، ولأنها كانت على مدى قريب، عشرين مترا، خرجت الطلقة في عين متظاهر".
وخصصت له وزارة الداخلية بحكومة السيسي حراسة خاصة منذ إصداره حكما بتبرئة 18 ضابطا اتهموا بقتل معارضين.
