شهدت الجولة الخليجية الأخيرة للسيناتور الأمريكي ليندسي جراهام جدلًا واسعًا، بسبب مواقفه المعروفة بانحيازها الشديد لتل أبيب، وهو ما جعل حضوره في المنطقة يُقرأ باعتباره جزءًا من أدوار أمريكية حساسة في لحظة إقليمية متوترة، وقد تزامن ذلك مع انسحاب الإمارات من لقاء كان مقررًا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحجة مرض الشيخ محمد بن زايد، الأمر الذي فتح باب التأويلات حول خلفيات هذا الانسحاب وتوقيته، خصوصًا مع وصول جراهام بعدها مباشرة إلى الرياض.
ورغم أن جراهام يُعد من أكثر الأصوات المؤيدة لأبو ظبي ولقضاياها داخل الكونغرس، فإن استقباله في السعودية جرى باحتفاء لافت، ما دفع مراقبين إلى التساؤل عن أهداف اللقاء، وما إذا كان يحمل رسائل أمريكية تتعلق بملفات إقليمية حساسة، أو محاولات لإعادة ترتيب العلاقات بين العواصم الخليجية في ظل التنافس السياسي القائم، ويبدو أن الرياض تعاملت مع الزيارة باعتبارها جزءًا من قنوات التواصل مع واشنطن، بغضّ النظر عن مواقف جراهام الشخصية، في حين رأى آخرون أن الزيارة تكشف حجم التعقيد في شبكة التحالفات والمصالح بين واشنطن، أبوظبي، والرياض.
وشهدت المنطقة خلال الأيام الأخيرة حراكًا لافتًا للسيناتور الأميركي ليندسي جراهام @LindseyGrahamSC، الذي تحرك بين تل أبيب وأبوظبي والرياض في جولة بدت أقرب إلى مهمة سياسية غير معلنة، فقد التقى جراهام أولًا برئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، واطّلع منه على ما وصفه بـ”التحضيرات “الإسرائيلية” لضرب إيران “، قبل أن ينتقل إلى الإمارات ويلتقي محمد بن زايد، ثم وصل إلى السعودية للقاء ولي العهد محمد بن سلمان، هذا التحرك المتسارع دفع مراقبين إلى وصفه بأنه يتحرك كمبعوث غير رسمي لإدارة ترامب، بهدف ضمان تماسك التحالفات الإقليمية قبل اتخاذ قرارات كبرى.
وفي الرياض، التقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان السيناتور جراهام في مكتبه بقصر اليمامة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية “واس”، وجرى خلال اللقاء استعراض العلاقات الثنائية، وبحث التطورات الإقليمية والدولية، إضافة إلى مناقشة عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، الحسابات السعودية احتفت باللقاء، ومنها حساب الردع السعودي ١٧٢٧م 🇸🇦 @s_hm2030، وكذلك حساب أخبار آل سعود KSA @alsaud1ksa الذي ذكّر بلقاء سابق جمع الأمير محمد بن سلمان وجراهام في مخيم العلا الشتوي في يناير 2024.
وتعود علاقة جراهام بالرياض إلى مسار متقلب؛ ففي عام 2018 صرّح بأنه “لن يزور السعودية طالما أن محمد بن سلمان موجود”، لكنه عاد في 2023 ليتراجع عن تصريحاته ويزور الرياض ويلتقي ولي العهد شخصيًا. وفي مايو 2024 قال جراهام إن ولي العهد “يريد أكثر من حل الدولتين، ويريد إبرام اتفاقية دفاعية”، مضيفًا أنه سيدعمه ويصوّت لصالحه، وأنه رأى لدى الأمير رؤية تدفع نحو الاستقرار والسلام والرفاه الاقتصادي في المنطقة.
لكن العلاقة لم تكن دائمًا سلسة، فقد تداولت حسابات سعودية أن المملكة رفضت استقبال جراهام في إحدى المرات بحجة ازدحام أجندة ولي العهد، وذلك بعد تصريحات للسيناتور الأميركي طالب فيها السعوديين بـ”التوقف عن مهاجمة الإمارات”، واعتبر بعض المعلقين أن الرد السعودي كان واضحًا: “نحن من يحدد مواعيدنا، شكرًا على الزيارة الافتراضية”، في إشارة إلى أن المقام السامي لا يقبل الإملاءات.
بيان قبل الرياض
الحساب الإماراتي مفتاح @keymiftah79 نشر بيانًا لجراهام قبيل سفره إلى السعودية، تضمّن رسائل واضحة، فقد أكد السيناتور أن محمد بن زايد “على قيد الحياة”، وهاجم “القوى” التي تنتقد الإمارات، واعتبر أن ابن زايد يبني “دولة إسلامية يمكن دمجها في العالم بطريقة تحقق المنفعة للجميع”.
كما قال: إن “هناك أصواتًا أخرى في الإسلام تحمل أسوأ رؤية للبشرية، لكنها تمثل أقلية واضحة”، وأشاد جراهام باتفاقيات أبراهام، وبما وصفه بـ”تحديث الإمارات مع الحفاظ على الدين”.
وأضاف أن الرئيس ترامب يريد “شرقًا أوسط يشبه الإمارات أكثر من نظام آية الله”، داعيًا المنطقة إلى “اتباع رؤية تنبذ الماضي بدلًا من العودة إلى الظلام”،
وفي الوقت نفسه، وصف السعودية في مقابلة مع الإعلامية هادلي غامبل بأنها “تتحرك إلى الوراء”، لكنه عاد ليؤكد دعمه لرؤية 2030، معتبرًا أنها ستكون مفيدة لولاية كارولاينا الجنوبية وللولايات المتحدة.
https://x.com/LindseyGrahamSC/status/2024106621727645968
وفي فبراير 2025، قال جراهام: إن الأمير “محمد بن سلمان لا يريد عودة حماس، لأن رؤيته لعام 2030 لا تتوافق مع وجودهم”، مضيفًا أن الإمارات والسعودية و”إسرائيل” في توافق تام حول ما يسميه “الإسلام الراديكالي”، وأنه “لا يوجد شريك لإسرائيل أفضل من السعودية في تدمير الإسلام الراديكالي”.
ووثّق مراقبون عدة محطات في علاقة جراهام بالرياض، ففي أبريل 2023، استقبل ولي العهد السعودي السيناتور الأميركي في أول لقاء بينهما منذ مقتل جمال خاشقجي، رغم أن جراهام كان من أبرز المطالبين بعزل الأمير، وفي فبراير 2024، نقلت تصريحات لجراهام من مؤتمر صحفي في الكيان الصهيوني، قال فيها: إن “نتنياهو طلب منه إبلاغ الصحافة بأنه مندهش من مستوى التعاون بين الإمارات و”إسرائيل”، وأن محمد بن زايد “نفّذ كل ما طُلب منه وأكثر”، واصفًا الإمارات بأنها “شريك ثابت وموثوق”، وأضاف جراهام أنه سيزور الإمارات ليشيد بقيادة ابن زايد، واقترح أن تعزز الولايات المتحدة قدراتها الدفاعية لحماية الإمارات والمنطقة.
لكن تصريحات جراهام لم تمر دون ردود غاضبة، فقد كتب الدكتور أحمد عطوان @ahmedatwan66 أن السيناتور “الصهيوني” الذي دعا سابقًا إلى “تسوية غزة بالأرض بقنبلتين نوويتين” يفضح بالصوت والصورة شراكة أبوظبي وتل أبيب، معتبرًا أن محمد بن زايد “خادم مطيع وعميل مخلص لإسرائيل”، كما أشار إلى أن جراهام كشف أن ابن زايد نفّذ كل ما طلبته إسرائيل منه وأكثر.
وفي سياق متصل، كتب عبد السلام محمد @salamyemen2 أن انسحاب محمد بن زايد من الواجهة – ولو بحجة المرض – قد يخفف التصعيد في المنطقة، معتبرًا أن غيابه قد يفتح الباب لمصالحة عربية عربية، وربط بين وضعه الصحي الحالي وما حدث مع شقيقه خليفة الذي غاب لسنوات قبل وفاته.
وقبل أسابيع قالت “سي ان ان”: إن “السعودية تعتقد أن الإمارات حرّكت قوات انفصالية يمنية في محافظات محاذية للمملكة، بعد أن تلقّت معلومات غير صحيحة تفيد بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارة إلى البيت الأبيض في نوفمبر، فرض عقوبات على أبوظبي، بسبب دعمها المزعوم لأحد أطراف الصراع في الحرب الأهلية السودانية”.
كما أن الشريك الأمني المحتمل الجديد للسعودية، تركيا، لا يزال يحافظ على علاقات وثيقة مع الإمارات، لذلك، لا ترى بيانكو أن هذه الصفقات الأمنية الجديدة قد تؤدي إلى قطيعة حقيقية تتجاوز إطار التوتر بين السعودية والإمارات.
وأضافت: “وإذا نظرنا إلى سياسات التحالفات، فلا يمكنك عمليًا المضي قدمًا من دون أن تكون الولايات المتحدة إلى جانبك”.
