السياسة والإعلام بعد 13 عاما .. أنفاس الخوف: هنا يقف المجال العام وتنعدم الحريات!

- ‎فيتقارير

تشير التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والمراكز البحثية المعنية بالحقوق السياسية والمدنية إلى تحولات جوهرية شهدها المجال العام في مصر على مدار الأعوام الـ13 الماضية، حيث اتجهت المؤشرات نحو مزيد من المركزية وتراجع مساحات العمل الحزبي والعمل النقابي المستقل.

 

مؤشرات الحرية العامة والحقوق الرقمية

وفقاً للتقييمات السنوية الصادرة عن مؤسسات قياس الحريات الدولية (مثل مؤسسة فريدوم هاوس)، فإن مصر تُصنف ضمن فئة الدول "غير الحرة"، حيث سجلت 18 درجة من أصل 100 في مؤشر الحقوق السياسية والحريات المدنية. كما حصلت على 28 درجة من أصل 100، نتيجة القيود المفروضة على المحتوى الرقمي، وحجب المواقع الإلكترونية، وتتبع الأنشطة على منصات التواصل الاجتماعي بموجب قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

ووصنف التقرير السنوي لمنظمة فريدوم هاوس مصر ضمن الدول "غير الحرة" لعام 2025 وأن النظام السياسي يتسم بتركيز شديد للسلطة والتوجه نحو مزيد من المركزية الإدارية منذ عام 2013، مما أدى إلى غياب المعارضة السياسية الفاعلة.

ويشير التقرير إلى أن القيود المشددة المفروضة على حرية التعبير والتنظيم، والملاحقات القانونية لأي محاولات احتجاجية، تحرم الانتخابات العامة من توفير بيئة تنافسية حقيقية ومستقلة.

 

الصحافة والإعلام

وشهد الهيكل الإعلامي في مصر عملية إعادة صياغة شاملة أدت إلى تقليص التعددية لصالح نمط "الصوت الواحد"، وفي مؤشر حرية الصحافة، تراجعت مصر إلى المرتبة 169 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود". وتشير التقارير الحقوقية المحلية والدولية إلى حجب مئات المواقع الإخبارية والحقوقية المستقلة (تتجاوز 500 موقع ومجال رقمي) لمنع تدفق المعلومات غير الرسمية.

واستحوذت شركات إعلامية كبرى تابعة أو مقربة من الأجهزة الرسمية السيادية (المخابرات والأمن الوطني)على غالبية القنوات التلفزيونية، والصحف الورقية، والإذاعات، مما أوجد خطاباً إعلامياً موحداً يركز على المشاريع القومية والرؤى الأمنية.

 

الأحزاب السياسية والعمل المعارض

وتحول المشهد الحزبي من الزخم والتنافسية التي تلت عام 2011 إلى حالة من الانكفاء، فالأحزاب الرسمية، رغم وجود أكثر من 100 حزب منها مرخص قانوناً في مصر، الغالبية العظمى منها غائبة عن الشارع، وتماهت الأحزاب الكبرى داخل البرلمان مع التوجهات الرسمية للدولة.

ويقتصر الحراك السياسي على مساحات منضبطة ومحددة سلفاً، مثل مؤتمرات محددة سلفا أشبه بندوات تثقيفية، وجلسات "الحوار الوطني" التي تُعقد لتقديم توصيات تشريعية واقتصادية دون السماح بوجود معارضة برامجية تؤثر في صنع القرار الأساسي.

النقابات والحركة العمالية

وتواجه النقابات المهنية والعمالية استراتيجيات حوكمة صارمة تهدف إلى منع الاحتجاجات والتشريعات المقيدة، حيث تفرض القوانين الحالية (مثل قانون التظاهر وقانون الكيانات الإرهابية) عقوبات مشددة تجعل من الاحتجاج أو الإضراب العمالي خطاً أحمر.

وأدى غياب التمثيل النقابي المستقل تماماً إلى تراجع قدرة العمال على التفاوض بشأن الأجور، مما تسبب في ثبات الدخل في العديد من القطاعات رغم موجات التضخم المرتفعة التي شهدتها البلاد.

ويكشف تقرير لصحيفة فرنسية أن الحكومة المصرية تفرض قيوداً متصاعدة على النقابات والعمال تزامناً مع أزمة معيشية وتضخم متسارع. ويرى الباحث النقابي فيليب مارشال أن تقييد النقابات المستقلة يضعف آليات التفاوض الجماعي ويحيل العلاقة بين العمال والدولة إلى علاقة غير متوازنة تفقد فيها الطبقة العاملة أدوات ضغطها التقليدية، مؤكداً أن تقليص المساحة النقابية ينعكس سلباً على بنية الأجور، وساعات التشغيل، وظروف العمل داخل مختلف القطاعات.

وتوضح الصحيفة وجود تباين بين الخطاب الرسمي الذي يقدم قانون العمل الجديد كأداة لتحديث العلاقات المهنية، وبين الممارسة على الأرض التي تراها النقابات قيداً إضافياً. ونقلت عن الخبير الاقتصادي جان بيير لوران أن الإفراط في التنظيم الإداري دون تمثيل مستقل يقلل القدرة التفاوضية للعمال ويرفع الاحتقان الاجتماعي، رابطاً بين القيود النقابية وتراجع القدرة الشرائية وتثبيت أجور جامدة لا تتماشى مع معدلات التضخم المتصاعدة.

وتشير الصحفية الاقتصادية كلير دوما إلى أن الأزمة تمتد لبنية سوق العمل نفسها التي غدت أقل استيعاباً للمطالب الاجتماعية وأكثر ميلاً للتنظيم الإداري الصارم، موضحة أن الارتفاع المستمر في الأسعار يجعل أي تأخير في تعديل الأجور عاملاً مباشراً في توسيع الفجوة بين الدخل وتكلفة الحياة.

ويلفت الباحث الاجتماعي إريك دوبون إلى أن العلاقة بين الدولة والمجتمع في ملف العمل باتت أكثر تعقيداً؛ نظراً لأن تزامن القيود التنظيمية مع الأزمات المعيشية يربط تلقائياً أي احتجاج اقتصادي بملفات سياسية أوسع، مشيراً إلى أن غياب التمثيل المستقل يضعف القدرة على إدارة الصراعات المهنية وحلها داخل الأطر المؤسسية التقليدية.

ويخلص التقرير إلى أن النقابات المصرية تواجه اختباراً صعباً بين الحفاظ على استمرارها المؤسسي أو التحول إلى كيانات تنظيمية قللت من قدرتها على التأثير والضغط الفعلي. ويحذر المحللون من أن تراجع هذا الدور يهدد الاستقرار الاجتماعي، إذ إن غياب قنوات التفاوض الرسمية والفعالة قد يدفع المطالب الاقتصادية العمالية إلى اتخاذ مسارات أكثر حدة خارج الأطر المؤسسية المقننة.

 

العمل الطلابي

وأُلغيت آليات التسييس التقليدية داخل الحرم الجامعي بشكل كامل، وأُلغي نظام انتخاب رؤساء الجامعات وعمداء الكليات واستُبدل بالتعيين المباشر بقرارات تنفذية، مما جعل الإدارات الأكاديمية مسؤولة أمام الجهات التي عيّنتها.

ووُضعت شروط مطاطة للترشح للاتحادات الطلابية (مثل شرط السيرة الحميدة والخلق القويم) لاستبعاد الطلاب ذوي الميول السياسية، مع منح الإدارة حق تعيين الأعضاء في حال عدم اكتمال النصاب القانوني للتصويت.

ومنحت التعديلات على قانون تنظيم الجامعات رؤساء الجامعات الحق في الفصل الفوري للطلاب أو الأساتذة المشاركين في أعمال تضر بالعملية التعليمية دون انتظار مجالس التأديب.

وتعين الأجهزة "أعضاء في الاتحادات حال عدم اكتمال النصاب القانوني" دون ذكر النسبة المطلوبة للنصاب أو عدد الحالات فضلا عن التوسع في "البرامج التعليمية المدفوعة والجامعات الأهلية" كعامل ضغط مالي دون تحديد كلفة هذه البرامج أو نسب نموها إضافة لـ"العزوف الكامل" أو تراجع الإقبال كقراءة سلوكية عامة دون الاستناد إلى إحصاءات رسمية أو استطلاعات رأي رقمية.

وتغير دور الجامعات المصرية من كونها معاقل تاريخية للحراك السياسي، والاحتجاجات، وتشذيب النخبة الوطنية، إلى مساحات يتجنب فيها الطلاب الخوض في أي نقاشات عامة أو سياسية داخل الحرم الجامعي، مدفوعاً بالمخاوف من التعرض للاعتقال، أو الفصل، أو الملاحقة الأكاديمية والأمنية.

ومن جانب آخر، باتت الدعوات الاحتجاجية والأنشطة الحزبية خطاً أحمر داخل الجامعات، وحلت الأنشطة الخدمية والترفيهية وريادة الأعمال بدلاً من العمل السياسي. وفي الوقت الذي فرضت فيه لوائح مشددة شملت بنوداً فضفاضة مثل "شرط السيرة الحميدة" لاستبعاد الطلاب المستقلين والتنكيل بهم عبر مجالس التأديب، برزت كيانات مدعومة رسمياً مثل أسرة "طلاب من أجل مصر" لتصبح الذراع التنظيمية شبه الوحيد لإدارة الفعاليات والانتخابات فضلا عن تنامي ظاهرة الرقابة الذاتية؛ حيث يعزف الطلاب تماماً عن الحديث في الشئون العامة والاقتصادية داخل قاعات الدراسة.

وامتد الحذر إلى الفضاء الرقمي عبر إغلاق الحسابات الشخصية، أو مسح التدوينات القديمة، أو استخدام أسماء مستعارة، خوفاً من التقارير الكيدية لبعض زملائهم، أو تتبع الأنشطة الإلكترونية واستخدامها كأدلة إدانة.

وأصبحت الجامعات تدار بمنظومة حوكمة محكمة ألغت نظام انتخاب رؤساء الجامعات وعمداء الكليات واستبدلته بالتعيين المباشر من السلطة التنفيذية. وأدى هذا النظام إلى ترسيخ ولاء إداري مزدوج يربط المسئول الأكاديمي بالجهات التي عينته، مما يدفعه إلى الحظر المطلق للشعارات والتنظيمات، ومنع أي فعاليات أو منشورات تحمل صيغة أيديولوجية للحفاظ على منصبه.

ومنحت التعديلات التشريعية الأخيرة على قانون تنظيم الجامعات رؤساء الجامعات صلاحيات واسعة تفضي إلى الفصل الفوري للطلاب أو الأساتذة دون انتظار مجالس التأديب المطولة. وتزامن ذلك مع التوسع في التعليم المدفوع والجامعات الأهلية والخاصة، مما جعل ارتكاب أي مخالفة سياسية مغامرة بخسارة استثمارات مالية ضخمة للأسر، وهو ما عزز الرقابة العائلية الذاتية على سلوك الطلاب.

 

تنامي جمهورية الخوف

ويشهد المجال العام في مصر تراجعاً ملحوظاً في النقاشات والممارسات السياسية اليومية مقارنة بالزخم الواسع الذي أعقب ثورة 25 يناير 2011. وبات المواطنون يفضلون تجنب التعبير عن الآراء النقدية تجاه النظام القائم لتفادي الملاحقات القانونية أو الاتهامات المتعلقة بنشر معلومات غير دقيقة، مما أدى إلى غياب شبه كامل للمظاهر الاحتجاجية والتظاهر في الشوارع.

ويرجع تراجع الاهتمام بالعمل العام إلى عدة عوامل، أبرزها شعور قطاعات من الشباب بالإحباط وخيبة الأمل تجاه جدوى الفاعلية السياسية، والتركيز بدلاً من ذلك على الأوضاع المعيشية والاقتصادية. يضاف إلى ذلك غياب التنافسية الحزبية التقليدية وتراجع دور الأحزاب في الشارع، حيث آثرت قوى سياسية عديدة التماهي مع التوجهات الرسمية، مما قلص مساحات الحوار والنقاش اليومي.

وتوارى التعدد والتنوع الإعلامي الذي أعقب عام 2011 لصالح خطاب إعلامي موحد تشرف عليه شركات إعلامية كبرى، حيث يركز المحتوى الأساسي على المشروعات القومية والملفات الأمنية. وترافق هذا التحول مع حجب العديد من المواقع الإخبارية وتراجع ترتيب مصر في مؤشرات حرية الصحافة العالمية، مع الاعتماد على هوامش محددة ومنضبطة للنقاش مثل جلسات "الحوار الوطني".

ويتجنب الموظفون في القطاعات الحكومية والخاصة الانخراط في أي أنشطة أو دعاية حزبية داخل مقار العمل، التزاماً بالقوانين التي تحظر ذلك وتفادياً للمساءلة الإدارية أو الفصل. وقد أسهمت الإجراءات الإدارية السابقة لإقصاء بعض الموظفين بدعوى الانتماءات السياسية في زيادة حذر العاملين وحرصهم على حصر نشاطهم في الجوانب المهنية فقط

ويتحاشى رجال الأعمال والمستثمرون إضفاء أي طابع سياسي على أنشطتهم لضمان استقرار استثماراتهم وتجنب الأزمات مع الجهات الرقابية. وتظهر هذه المقاربة في امتناع القطاع الخاص عن توجيه انتقادات مباشرة للسياسات المالية والنقدية أو لمنافسة الشركات التابعة للمؤسسات الرسمية، حيث يفضل المستثمرون طرح التحديات بأسلوب فني واقتصادي بحت.

صناعة بيئة معادية للحقوق

ويُفكك بهي الدين حسن (مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان) طبيعة الآلية الأمنية؛ موضحاً أن السلطة تجاوزت مجرد ارتكاب انتهاكات فردية إلى تأسيس "بيئة كاملة معادية لفكرة الحقوق ذاتها"، حيث جرى تحويل القمع من إجراء استثنائي إلى طريقة حكم أساسية. ويظهر ذلك في وضع المنظمات تحت الملاحقة الدائمة، وتقييد السفر، وتجميد الحسابات البنكية، وتحويل التحقيقات المطاطة إلى عقوبة قائمة بذاتها لإنتاج العجز المجتمعي.

ويرى حسام بهجت (مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية) أن جوهر الأزمة يكمن في "تحويل القانون نفسه إلى أداة للردع السياسي"، حيث تستهدف الملاحقات والتشهير بالباحثين والمدافعين كرسالة ترهيب عامة للمجتمع لفرض الرقابة الذاتية، نظراً لأن قتل فرص التغيير يبدأ أساساً من تجفيف منابع المعرفة وتوثيق الانتهاكات.

ويعكس مسار جمال عيد (المحامي الحقوقي ومؤسس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان) مآلات محاصرة الفضاء المستقل؛ إذ يشير الاضطرار لتعليق نشاط الشبكة -التي دافعت عن حرية التعبير والإنترنت- نتيجة لتجميد الأموال ومنع السفر والضغوط المتلاحقة، إلى عدم سماح الدولة بوجود أي جيوب مستقلة. ويؤدي ضرب هذه الهياكل والوسائط إلى ترك المواطن وحيداً بلا شبكات حماية أو نقابات مستقلة أو أحزاب تترجم مطالبه.

ويعتبر محمد لطفي (مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات) أن تناول المختفين قسرياً، والمحبوسين احتياطياً، وضحايا الانتهاكات يضع العمل الحقوقي كعمل محفوف بالمخاطر الأمنية الصرفة؛ حيث يُراد من خلال هذه الممارسات السيطرة الكاملة على أجساد المعارضين وحرياتهم وأثرهم القانوني، وتحويل البيانات والتوثيقات والمساعدات القانونية المدنية إلى تهم جنائية ومظهر من مظاهر العداء للدولة.

ويقدم المحامي الحقوقي نجاد البرعي قراءة نقدية للمنظومة التشريعية؛ مؤكداً أن معضلة الاستبداد الحديث لا تكمن في خرق القوانين، بل في "مأسسة القمع وصناعة قوانين تفصلها السلطة على مقاس الخوف" تحت دعاوى التنظيم وحماية الأمن القومي. ويتحقق ذلك عبر صياغة نصوص فضفاضة، وتوسيع تعريفات الإرهاب، وتمديد الحبس الاحتياطي، لإضفاء طابع قانوني وإجرائي شكلي على عملية خنق الحريات.