استقالات الكرامة في “الأزهر”.. صرخة “إيمان أحمد” من فساد وفقر السيسي إلى مواقف الكبار

- ‎فيتقارير

فجّرت الدكتورة إيمان أحمد السيد، المُدرسة بقسم التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالخانكة، عاصفة مدوية من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي إثر إعلان استقالتها بكلمات حادة ومؤثرة لخصت فيها الدوافع من وجهة نظرها.

وعبر منشوراتها على منصات التواصل، أطلقت الدكتورة إيمان تصريحات مست شغاف الواقع المعيشي لأساتذة الجامعات، حيث لخصت موقفها في:

وأعلنت صراحة أن "راتبي لا يكفي ثلث الشهر.. وصوتي ليس ملكي"، في إشارة إلى الفجوة الكبيرة بين المداخيل وموجات الغلاء والتضخم، والقيود المفروضة على العمل الخارجي أو تأليف الكتب.

واتهمت المنظومة بمجاملة "العمداء الفاسدين"، وتوجيه عشرات التحقيقات الكيدية والتعسفية ضدها مع حفظ شكاواها في الأدراج.

وادعت أن الجامعة تعمدت تأخير قبول استقالتها لوقف صرف "معاش والدها" (الذي تراه أفضل من راتب الجامعة)، واستمرار صرف راتبها الجامعي ليصبح عبئاً مالياً عليها عند رده لاحقاً.

"تطبيق القانون"

 

في المقابل، أوضح المتحدث الإعلامي لجامعة الأزهر، الدكتور أحمد زارع، الرواية الرسمية للجامعة مبرئاً ساحتها من ادعاءات الاضطهاد:

وأدعت الجامعة أن إدارة الكلية حاولت مراراً إقناعها بالعدول عن الاستقالة حرصاً على مستقبلها وعرضت عليها النقل لكلية أخرى، إلا أنها أصرت.

وكشفت الجامعة أن ملفها مليء بالمخالفات، منها إحالتها لمجلس تأديب سابقاً بسبب التغيب واقتحام مكتب العميد، والحديث بأسلوب غير لائق، وخصم 20 يوماً من بدل الجودة لغيابها عن مراقبة الامتحانات.

وأوضحت الجامعة أن الدكتورة فضلت قانونياً الحصول على معاش والدها والتفرغ للعمل عبر المنصات الرقمية، محذرة من استخدام وسائل التواصل لنشر "ادعاءات غير صحيحة".

 

لم يتأخر رد الدكتورة إيمان على بيان الجامعة، حيث تحدّت إدارة الأزهر عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك قائلة:

"أطالب بنشر جميع التحقيقات معي للوقوف على حقيقة أني ارتكبت مخالفة واحدة أستحق عليها أي جزاء يذكر.. وأطالب رئيس الجامعة برفع صورة من الاستقالة المقدمة مني للوقوف على حقيقة سببها".

محمد توفيق حديد

تزامناً مع أزمة الدكتورة إيمان، أثير لغط كبير حول اسم الدكتور محمد توفيق حديد، الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بكفر الشيخ (دسوق).

وصدر قرار رسمي من جامعة الأزهر بعزله (إقالته) من وظيفته كأستاذ جامعي في يونيو 2026، إثر تحقيقات تعلقت بالانقطاع عن العمل وتجاوزات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما أكده الأستاذ بنفسه معلنا أنه صاحب رأي وأنه الإدراة تتعسف بالأراء.

ووافق الأزهر الشريف على قبول استقالة الدكتور عبد الحي عزب، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، في 2015 على خلفية أزمة تزوير في بعض الشهادات والأوراق الرسمية، مما جعل استقالته مخرجاً إدارياً فورياً للأزمة.

وتقدم د. محمد فكري خضر نائب رئيس جامعة الأزهر لفرع البنات باستقالته من منصبه عقب حملة وتداول شكاوى واتهامات ضده على منصات التواصل، مفضلاً التنحي للحفاظ على كرامة أسرته.

وأعلن د. سيد قدح في (2020) من خلال نائب رئيس الجامعة محمود صديق في استقالة قدح، مدير مستشفى الزهراء الجامعي، على خلفية إصابته بفيروس كورونا وخضوعه للعزل المنزلي، في ذروة موجة الضغط القهرية التي تعرضت لها الطواقم الطبية إبان الجائحة.

 

محطات تاريخية

وشهدت أروقة الأزهر الشريف، جامعاً وجامعة، على مدار تاريخها الطويل محطات مفصلية تحولت فيها "الاستقالة" من مجرد إجراء إداري روتيني إلى أداة للاحتجاج، أو صرخة في وجه الضغوط الاقتصادية والسياسية، أو وسيلة لحفظ كرامة المؤسسة واستقلاليتها الدينية، وتأتي الأزمة الأخيرة المتعلقة باستقالة الدكتورة إيمان أحمد السيد لتفتح الباب مجدداً لقراءة تاريخية في "استقالات الكرامة" التي مرّت بأسماء وقامات دينية عملاقة تركت بصمتها في وجدان الأمة.

وولم تكن استقالة الدكتورة إيمان هي الأولى التي تهز وجدان المجتمع؛ فتاريخ الأزهر حافل بمواقف سطرها أئمة عظام فضّلوا ترك مناصبهم على التفريط في كرامة العلم واستقلالية المشيخة:

الشيخ محمد مصطفى المراغي (1929)

 

صاحب المقولة الشهيرة "لا سلطان على شيخ الأزهر إلا لله"، تولى المشيخة عام 1928، لكنه تقدم باستقالته بشجاعة عام 1929 عندما رفضت السرايا الملكية والحكومة خطته الطموحة لإصلاح الأزهر وتطوير مناهجه، ولم يعد للمشيخة إلا عام 1935 بعد تحقيق شروطه.

الشيخ محمد الخضر حسين (1954)

 

العالم الجليل جزائري الأصل تونسي الميلاد، تولى المشيخة عام 1952، وتأتي ظروف استقالته في يناير 1954 احتجاجاً صارخاً على قرار الحكومة بإلغاء القضاء الشرعي ودمجه في القضاء المدني، مسطراً كلمته التاريخية التي تناقلتها الأجيال:

"يكفيني كوب لبن وكسرة خبز وعلى الدنيا السلام".

 

الشيخ عبد الحليم محمود (1974)

 

خاض معركة كرامة شهيرة ضد تهميش الأزهر عندما صدر قرار جمهوري في عهد الرئيس السادات يمنح وزير الأوقاف صلاحيات واسعة تجعل شيخ الأزهر تابعاً له إدارياً، قدم الشيخ استقالته ورفض تقاضي راتبه وعاد لمنزله، وأمام الضغط الشعبي والديني، اضطر السادات للرضوخ لجميع شروطه، وصدر قرار بجعل منصب شيخ الأزهر معادلاً بروتوكولياً لمنصب رئيس الوزراء.

الشيخ حسونة النواوي والشيخ محمد عبده

 

استقال الشيخ حسونة النواوي من مشيخة الأزهر قديماً احتجاجاً على إصرار أحد القضاة على أن تكشف امرأة منقبة عن وجهها أثناء أداء الشهادة أمام المحكمة. وفي عام 1905، كما أُجبر العالم المجدد محمد عبده على الاستقالة من الأزهر بعد التضييق عليه نتيجة مطالبه المستمرة بإصلاح المناهج وإدخال العلوم الحديثة كالأدب والقانون، كما انضم للقائمة تاريخياً الشيخ محمد الأحمدي الظواهري الذي استقال من منصبه أيضاً إثر تجاذبات إصلاحية وإدارية داخل المؤسسة.

الاستقالات المعاصرة في الأزهر

 

لم تتوقف الاستقالات عند الأبعاد الدينية والإصلاحية، بل امتدت لتشمل تداعيات الأوضاع السياسية والأزمات الإدارية:

وفي خضم الاستقطاب السياسي العاصف أواخر عام 2013، أعلن العلامة الشيخ يوسف القرضاوي استقالته من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف موجهاً انتقادات للإدارة السياسية والأزهرية. واجتمعت الهيئة في 9 ديسمبر 2013 وقبلت الاستقالة بإجماع الحاضرين، بينما رفض فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب التصويت تفادياً للحرج الشخصي والسياسي، وهو المشهد الذي حظي بتناول إعلامي واسع وتغريدات متباينة منها الساخر ومنها الناقد.

ضغوط الاستقالة والصمود

 

ورغم تواتر الدعوات والضغوط السياسية والإعلامية التي طالبت الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب بالاستقالة في محطات عدة، إلا أنه ظل متمسكاً بموقعه صوناً لاستقلالية المؤسسة:

وواجه الطيب ضغوطاً من جبهات متعددة؛ حيث طالبته بيانات لبعض علماء الشريعة بالاستقالة احتجاجاً على المشهد السياسي والدماء، بينما اعتزل الشيخ في بيته حينها حقناً للدماء وتأكيداً على دور الأزهر الجامع على حد قول المحيطين به.

ولكن الشيخ الطيب وجه دعوات ممن صمت حيالهم منذ 2017 وحتى اليوم يطالبونه منصات إعلامية ومذيعون بارزون (مثل عمرو أديب وغيره) هجمات حادة طالبت شيخ الأزهر بالاستقالة بدعوى الإخفاق في تجديد الخطاب الديني. ونشرت صحف كبرى مثل "العربي الجديد" تقارير تؤكد أن شيخ الأزهر أبدى مراراً استعداده للاستقالة والعودة لقريته في الأقصر فقط في حال المساس بالوضعية القانونية والدستورية المستقلة للأزهر الشريف، رافضاً بوجاهته المعهودة الانصياع للإملاءات الإعلامية.