على من يكذب السيسي مجددا؟، سؤال طرح نفسه بعد خطابه الرسمي بافتتاح الأوكتاجون الذي أخذ فيه جميع مظاهر العلو والاستكبار، وأثار موجة عارمة من السخط باعتباره مُضللا بعدما تمحور حديثه مجددا وللمرة العاشرة حول تحميل ثورة 25 يناير 2011 المسئولية الكاملة عن القفزة الهائلة في سعر صرف الدولار من 6 جنيهات إلى 50 جنيهاً، مدعياً أن الدولة تكبدت خسائر بلغت 450 مليار دولار جراء تلك الأحداث وفي عشرات الخطابات السابقة يعترف بالانهيار الاقتصادي الأقرب للنكسة ويدعو لمصارحة الشعب بالحقائق.
وتلاقت المنصات الاستقصائية (صحيح مصر، ومتصدقش) مع الرؤية المحاسبية لـمحمد حبيب وطارق سلامة عند نتيجة هيكلية واحدة: الرواية الرسمية تحاول "بيع الفشل وتحميل الشعب ثمن 12 عاماً من سوء الإدارة التي اتضحت في وعوده السرابية المتكررة".
وأثبتت ذلك الأرقام الرسمية الصارمة (وليس أرقامًا من جهة تختلف مع الإدارة سياسيا) أن الثورة تركت الدولة بناتج محلي متنامٍ، ودين خارجي لا يتعدى 46 مليار دولار، وزيادة طفيفة في سعر الصرف لم تتجاوز الجنيه الواحد.
أما القفزة إلى 50 جنيهاً والدين التريليوني، فكانت الصناعة اليدوية الخالصة لسياسات التعويم الخمس، والاقتراض غير المحدود لتمويل منشآت خرسانية ضخمة كـ "الأوكتاجون" (الذي تكلف بمفرده 123 مليون دولار وعلى مساحة 22 ألف فدان، في مفارقة صارخة مع مبنى البنتاجون الأمريكي البالغ 29 فداناً فقط).
الأرقام الصادرة عن الجهات الحكومية نفسها (مثل البنك المركزي ووزارة المالية)، تكشف عن تضليل رقمي وتاريخي؛ إذ تُثبت المؤشرات أن التدهور الحقيقي وقرارات التعويم المتتالية والارتفاع الانفجاري في الديون كانت نتيجة مباشرة للسياسات المالية والاقتراض غير المدروس الذي انتهجه النظام على مدار الـ 12 عاماً الماضية.
المنصات الاستقصائية
وضمن تفنيد البيانات الرقمية فككت منصة "صحيح مصر" كذبة الـ 450 مليار ومسار نمو الديون وعبر @SaheehMasr كانت أهم مؤشرات تحليل البيانات والأرقام فيما يتعلق ب(الناتج المحلي الإجمالي).
وأنه على عكس رواية الخسائر الفادحة، تُظهر أرقام البنك المركزي أن الناتج المحلي (وفقاً لمؤشر تكلفة عوامل الإنتاج) سجل نمواً تجاوز 2.2%. فبالأسعار الجارية، ارتفع الناتج من 854.9 مليار جنيه في العام المالي 2010/ 2011 إلى 873.1 مليار جنيه في 2011/ 2012. وبتقييمه بالدولار، ارتفع من 235.9 مليار دولار عام 2011 إلى 279.1 مليار دولار عام 2012، ثم إلى 288.4 مليار دولار عام 2013.
ومع (انفجار الدين الخارجي)
انخفض الدين الخارجي بالفعل من 34.9 مليار دولار في موازنة 2010/ 2011 إلى 34.4 مليار دولار في 2011/ 2012، ولم يرتفع إلا إلى 46 مليار دولار بنهاية يونيو 2014 (تاريخ تسلم السيسي للحكم). ومنذ ذلك العام، تسارع الدين الخارجي ليقفز بأكثر من 3.5 أضعاف، مسجلاً 163.9 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من العام المالي 2025/ 2026.
ومع (قفزة الدين المحلي)
قالت إنه ارتفع الدين المحلي من 1.04 تريليون جنيه عام 2011 إلى 1.8 تريليون جنيه بحلول يونيو 2014. ومنذ ذلك الحين وحتى يونيو 2025، قفز بنحو 14 ضعفاً ليصل إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً بلغت 14.96 تريليون جنيه (دون احتساب ديون الهيئات الاقتصادية والشركات الحكومية).
https://x.com/SaheehMasr/status/2073738813763985670
تأريخ محطات التعويم الخمس
وأرخت منصة متصدقش @matsda2sh لأهم مؤشرات تحليل البيانات والأرقام: وتُثبت المنصة أن الدولار خلال السنوات الثلاث التي تلت يناير 2011 لم يرتفع سوى 1.16 جنيه فقط، ليصل إلى 7.15 جنيه في يونيو 2014. أما القفزة إلى 50 جنيهاً (تحديداً 48.9 جنيه في 5 يوليو 2026) فكانت نتاج 5 تعويمات في عهد السيسي: (نوفمبر 2016، مارس 2022 ليصل لـ 18.15 جنيه، أكتوبر 2022 ليصل لـ 24.2 جنيه، يناير 2023 ليصل لـ 29.8 جنيه، ومارس 2024 ليلامس 49.6 جنيه).
وأرجعت المنصة الانهيارات لسياسات خاطئة؛ مثل الاعتماد على "الأموال الساخنة" التي هرب منها 22 مليار دولار دفعة واحدة عقب الحرب الروسية الأوكرانية. واستشهدت بتقرير خبراء صندوق النقد الدولي (أبريل 2024) الذي أكد أن "الاستثمار المستمر في المشاريع الوطنية بوتيرة غير متوافقة مع استقرار الاقتصاد الكلي ساهم بشكل كبير في الضغوط على العملات الأجنبية ورفع التضخم".
ورصد التقرير أسباباً داخلية فاقمت الأزمة كإقراض البنك المركزي لجهات حكومية بما يعادل 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي (أغلبه عامي 2021 و2022)، وزيادة استخدام وزارة المالية لتسهيلات السحب على المكشوف بما يتجاوز الحد القانوني، والتثبيت العشوائي المؤقت لسعر الصرف عند 30.95 جنيه في فبراير 2023 مما تسبب في انتعاش السوق السوداء وشح العملة.
https://x.com/matsda2sh/status/2073801636976193635
الخبير والباحث المالي محمد حبيب وعبر @BeboFinance2021 أشار إلى تهافت رقم الـ 450 مليار موضحا المفارقة الرياضية الساخرة؛ فكيف تخسر دولة نصف تريليون دولار في عام واحد، في حين أن إجمالي ديونها الخارجية وقت الثورة لم يكن يتجاوز 40 مليار دولار كاملة (أي عُشر الرقم الذي رددته السلطة)؟
وتساءل: لو كانت الثورة هي السبب، لماذا لم ينط الدولار مباشرة من 6 إلى 50 جنيهاً في 2011 أو 2014؟ ولماذا جاء الهبوط على مراحل متقطعة تزامناً مع قرارات النظام الاقتصادية (18 جنيهاً في 2016، ثم 30 جنيهاً في 2023)؟
وفضح حبيب عبر حسابه؛ حجم الأموال الهائلة التي دخلت عهد السيسي ولم تمنع انهيار العملة، ومنها: أكثر من 130 مليار دولار منحاً خليجية لا تُرد لتثبيت أركان الحكم، الأموال السائلة من بيع أصول وجزر (تيران وصنافير)، 35 مليار دولار كاش من صفقة رأس الحكمة الإماراتية، بالإضافة إلى عشرات المليارات من مبيعات الأصول الاستراتيجية والمستشفيات الخاصة، مؤكداً أن الاستمرار في الاستدانة والبيع هو دليل الفشل الإداري وليس مؤامرة من الماضي.
https://x.com/BeboFinance2021/status/2073799048964767897
أما المتخصص والباحث المالي طارق سلامة وعبر @tariksalama فأوضح المحطات التاريخية لصعود الدولار بالأرقام؛ فمن يناير 2011 وحتى يوليو 2014 استقر الدولار بزيادة جنيه واحد فقط (من 6 إلى 7 جنيهات). وجاءت الطفرات الكبرى بسبب التوجيهات الاقتصادية للنظام والمتمثلة في:
القفزة الأولى (15 إلى 18 جنيهاً في 2018): بسبب الصرف على مشروع تفريعة قناة السويس الجديدة لأسباب وصفها النظام بنفَسية، والتسليح العسكري غير النفعي.
القفزة الثانية (27 جنيهاً في 2022): جراء التوسع غير المدروس في مشروعات ملكية القوات المسلحة، والصرف غير المنطقي خلال أزمة كورونا.
القفزة الثالثة (متوسط 50 جنيهاً مع بداية 2025): نتيجة عدم الالتزام ببرنامج صندوق النقد الدولي لعام كامل، والتعويل على حلول مؤقتة، والاستمرار في الاقتراض بلا حساب.
وعلق حساب الهاشمي @MALHACHIMI، على ظهور السيسي بالزي العسكري لترهيب المواطنين وإبهارهم بصرياً للتغطية على الفشل الاقتصادي. ويرى أن تحميل ثورة يناير مسئولية قفز الدولار من 6 إلى 50 جنيهاً هو محاولة للهروب من الاعتراف بـ 13 سنة من الفشل في إدارة الدولة عبر الحكم الفردي المطلق، مؤكداً أن انهيار الجنيه الفعلي لم يحدث عقب الثورة، وإنما جرى بالكامل خلال عهده هو شخصياً وبعد سلسلة طويلة من الوعود الكاذبة بالإصلاح.
https://x.com/MALHACHIMI/status/2073525321496044027