حصلت حكومة الانقلاب على تمويل جديد بقيمة نحو 1.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، بعد اجتيازها المراجعة قبل الأخيرة لبرنامجها الموسع مع الصندوق، في خطوة تعيد فتح النقاش حول جدوى الاقتراض المتواصل، ومصير هذه الأموال، والنتائج التي انعكست على حياة المصريين منذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة.
وقال صندوق النقد الدولي، في بيان صدر عقب اجتماع مجلسه التنفيذي، إن مصر واجهت تداعيات الحرب من موقع اقتصادي كلي أقوى مما كانت عليه خلال فترات الضغط الخارجي السابقة، مشيراً إلى وجود نمو قوي، وتراجع في معدلات التضخم، وارتفاع في الاحتياطيات الدولية الإجمالية، بحسب ما نقلته وكالة "بلومبيرغ".
قروض متواصلة.. واقتصاد لا يزال تحت الضغط
ضاعفت حكومة الانقلاب في أوائل عام 2024 حجم برنامجها مع صندوق النقد الدولي ليصل إلى 8 مليارات دولار، بعدما كان البرنامج الأصلي، الذي أُبرم في ديسمبر 2022، بقيمة 3 مليارات دولار، وذلك في ظل أزمة حادة في النقد الأجنبي وارتفاع التضخم.
وجاء توسيع البرنامج في وقت كانت فيه مصر تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تفاقمت مع تداعيات الحرب في غزة، بينما التزمت الحكومة، في المقابل، بمجموعة من الشروط، من بينها اعتماد سعر صرف أكثر مرونة، ومواصلة برنامج لبيع أصول الدولة وتقليص دورها في النشاط الاقتصادي.
وهنا يبرز السؤال: هل تُستخدم قروض صندوق النقد لتمويل مشروعات إنتاجية قادرة على توليد موارد جديدة وسداد الديون، أم تذهب نسبة كبيرة منها إلى سد فجوات التمويل وسداد التزامات وديون سابقة؟
ففي اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض الخارجي والداخلي، تصبح القروض الجديدة في بعض الأحيان جزءاً من دورة إعادة تمويل مستمرة، بما يفرض على الدولة أعباء خدمة دين متصاعدة، ويحد من قدرتها على توجيه موارد الموازنة إلى القطاعات الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين.
لماذا يواصل صندوق النقد إقراض مصر؟
تبدو مواصلة صندوق النقد منح القروض لمصر، رغم الضغوط التي لا تزال تحاصر الاقتصاد، مرتبطة من جانب بقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، ومن جانب آخر بأهمية مصر الاقتصادية والجيوسياسية، فضلاً عن رغبة المؤسسات الدولية والدول الداعمة في الحفاظ على استقرار الدولة الأكبر عربياً من حيث عدد السكان.
ويحظى برنامج مصر مع الصندوق بمتابعة دقيقة من المستثمرين، خصوصاً أولئك الذين ضخوا مليارات الدولارات في سوق الدين المحلي، فيما تأثرت حركة الجنيه المصري خلال الأشهر الأخيرة بالتطورات الإقليمية والدولية.
كما جاء قرار صندوق النقد بعد أن خلص إلى إحراز القاهرة تقدماً كافياً في مسار بيع أصول الدولة، إلى جانب نشر وثيقة بشأن خطط الملكية العامة المستقبلية وتعديل قواعد ضريبة القيمة المضافة بهدف زيادة الإيرادات.
وبذلك لا تبدو القروض مجرد أموال تُمنح بلا شروط، وإنما تأتي في إطار برنامج إصلاح اقتصادي يفرض على الحكومة إجراءات تتعلق بسعر الصرف، والسياسة النقدية، والضرائب، ودور الدولة في الاقتصاد، وطرح الأصول للبيع.
أين تذهب أموال القروض؟
السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن المصري لا يتعلق فقط بحجم القروض التي تحصل عليها الدولة، وإنما بمصير هذه الأموال وأثرها المباشر على الاقتصاد والمجتمع.
فإذا كانت القروض تُستخدم بصورة أساسية لسد فجوات التمويل وسداد الالتزامات الخارجية وخدمة الديون، فإن أثرها التنموي المباشر يصبح محدوداً، بينما تظل الدولة مطالبة مستقبلاً بسداد أصل الدين وفوائده من موارد الموازنة العامة.
أما إذا جرى توجيهها إلى مشروعات إنتاجية قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة، فإنها يمكن أن تسهم في زيادة الناتج والصادرات وتوفير فرص العمل وتحسين قدرة الدولة على السداد.
ومن هنا، فإن غياب الشفافية الكافية حول تفاصيل إنفاق كل شريحة من شرائح القروض يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول **كيفية توظيف هذه الأموال، ومدى مساهمتها في تحسين الاقتصاد الحقيقي، وليس فقط في إدارة أزمة السيولة والديون.
المواطن.. الطرف الذي يدفع فاتورة الاقتراض
في النهاية، لا يتحمل صندوق النقد ولا الحكومة وحدهما تكلفة القروض، وإنما يتحمل المواطن الجزء الأكبر من آثارها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال الضرائب، وارتفاع الأسعار، وتقليص الدعم، وزيادة تكلفة الخدمات، فضلاً عن تأثير التضخم وتراجع القوة الشرائية.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتزامن خدمة الدين مع الحاجة إلى تمويل قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والتموين والحماية الاجتماعية؛ إذ تصبح الموازنة أمام معادلة صعبة بين توفير الأموال اللازمة لسداد الديون من جهة، وتمويل احتياجات المواطنين من جهة أخرى.
ومع استمرار ارتفاع أعباء خدمة الدين، تصبح كل زيادة في الإنفاق على سداد الفوائد والأقساط منافسة لمخصصات قطاعات أخرى، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة الدولة على الحفاظ على جودة الخدمات العامة، وتحسين دخول المواطنين، وتوفير الدعم للفئات الأكثر احتياجاً.
من يسدد هذه القروض؟ وكم عاماً يحتاج المصريون لسدادها؟
القروض التي تحصل عليها الحكومة المصرية لا تُسدد من جيب مسؤول بعينه، وإنما تتحمل الدولة سدادها من **الموازنة العامة**، أي من الإيرادات التي تجمعها من الضرائب والرسوم وعوائد الدولة ومصادر النقد الأجنبي وغيرها من الموارد.
وبالتالي، فإن المواطن المصري هو أحد الأطراف التي تتحمل كلفة السداد، سواء بصورة مباشرة عبر الضرائب، أو بصورة غير مباشرة من خلال التضخم، وخفض الدعم، وزيادة أسعار الخدمات، وتراجع الإنفاق العام المتاح للقطاعات الاجتماعية.
أما مدة السداد، فتختلف من قرض إلى آخر بحسب شروط كل برنامج واتفاقية، ولذلك لا يمكن تحديد عدد سنوات موحد لكل القروض التي حصلت عليها مصر منذ عام 2014. كما أن الالتزامات لا تقتصر على قروض صندوق النقد وحدها، بل تشمل ديوناً خارجية وداخلية متعددة الأطراف والمصادر.
لكن المؤكد أن أعباء الاقتراض تمتد لسنوات طويلة، وقد تتداخل آجال استحقاقاتها، بحيث يجد المواطن نفسه أمام التزامات مالية متراكمة تمتد إلى أجيال قادمة، خصوصاً عندما لا تقابل هذه الديون زيادة موازية في القدرة الإنتاجية أو الإيرادات الدولارية.
أقساط وفوائد.. أموال تخرج قبل أن تصل إلى المواطن
تكمن المشكلة الأساسية في أن الدولة لا تسدد أصل القرض فقط، بل تتحمل أيضاً تكلفة الفوائد وخدمة الدين. ومع تراكم الديون، تزداد الأموال التي تحتاجها الحكومة سنوياً للوفاء بالتزاماتها، ما يقلل المساحة المالية المتاحة للإنفاق على الخدمات العامة.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: كم من أموال الدولة يذهب سنوياً إلى سداد أقساط وفوائد الديون، وكم يتبقى للصحة والتعليم والتموين؟
الإجابة الدقيقة تتطلب النظر إلى بيانات الموازنة العامة وأرقام الدين المحلي والخارجي وخدمة الدين في كل سنة مالية، بدلاً من الاكتفاء بحجم القروض الجديدة المعلنة.
التضخم يتراجع.. لكن الأزمة لم تنتهِ
نجحت السياسة النقدية للبنك المركزي المصري في خفض معدل التضخم من 38% في سبتمبر/أيلول 2023 إلى 13.9% في يونيو/حزيران الماضي، لكنه ظل أعلى من النطاق المستهدف الذي يتراوح بين 5% و9% بحلول نهاية الربع الرابع من عام 2026.
ودفع ذلك صندوق النقد إلى الدعوة إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة والإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة حتى يستقر التضخم ضمن النطاق المستهدف.
غير أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة؛ فالتراجع من معدل تضخم مرتفع يعني في الأساس أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، وليس أنها عادت إلى ما كانت عليه قبل موجات الغلاء.
وهنا تظهر الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية التي يراقبها صندوق النقد، وبين الواقع المعيشي للمواطن الذي يواجه أسعاراً مرتفعة وتكاليف معيشة متزايدة، في وقت لا تزال فيه الدخول عاجزة عن مواكبة الارتفاعات المتراكمة في الأسعار.
فائض أولي مرتفع.. لكن ماذا عن حياة المواطن؟
تقترب مصر من نهاية برنامجها الحالي مع صندوق النقد، بينما بدأت الحكومة إعداد برنامج اقتصادي للمرحلة التالية، في وقت تجاوزت فيه الإيرادات الضريبية والفائض الأولي أهداف الموازنة حتى نهاية مارس/آذار الماضي.
وتتوقع الحكومة ارتفاع الفائض الأولي إلى **5% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026-2027**، مقارنة بـ**4.8% في السنة المالية الحالية**.
لكن تحقيق فائض أولي لا يعني بالضرورة تحسن مستوى معيشة المواطن، إذ إن الفائض الأولي يُحسب قبل احتساب مدفوعات فوائد الدين. ومن ثم، قد تحقق الدولة فائضاً في موازنتها، بينما تظل أعباء الفوائد وخدمة الدين تستنزف جانباً كبيراً من الموارد العامة.
وهنا يعود السؤال إلى نقطة البداية: **إذا كانت الدولة تجمع المزيد من الضرائب وتحقق فائضاً أولياً، فلماذا لا ينعكس ذلك بصورة ملموسة على الصحة والتعليم والتموين وتحسين دخول المواطنين؟**
بيع الأصول.. إصلاح اقتصادي أم مصدر مؤقت للسيولة؟
من أبرز مطالب صندوق النقد استمرار مصر في التخارج من بعض الأصول المملوكة للدولة لصالح القطاع الخاص، وهو ملف يرى الصندوق أن القاهرة لا تزال تتحرك فيه بوتيرة أبطأ من المطلوب.
وتطرح عمليات بيع الأصول سؤالاً آخر حول طبيعة الموارد التي تحصل عليها الدولة من هذه الصفقات: هل تُستخدم في بناء قاعدة إنتاجية جديدة ومستدامة، أم في سداد ديون والتزامات حالية، بما يعني تحويل أصول مملوكة للدولة إلى سيولة مؤقتة دون معالجة جذور أزمة الديون؟
فإذا كانت حصيلة بيع الأصول تُستخدم لسد فجوة تمويلية آنية، فإن الدولة قد تخفف ضغوطها في المدى القصير، لكنها في المقابل تفقد أصولاً يمكن أن تدر دخلاً مستقبلياً، ما لم تُستخدم الحصيلة في استثمارات مولدة للنقد الأجنبي والنمو.
أوروبا أيضاً تمول القاهرة
لم يقتصر الدعم المالي على صندوق النقد، إذ وزعت المفوضية الأوروبية خلال الشهر الجاري 1.5 مليار يورو، بما يعادل نحو 1.73 مليار دولار، على مصر ضمن برنامج مساعدات مالية كلية تبلغ قيمته الإجمالية 4 مليارات يورو.
ويمثل المبلغ الشريحة الثانية من أصل ثلاث شرائح، بعد أن اعتبرت المفوضية أن القاهرة استوفت الشروط المطلوبة، بما في ذلك تنفيذ إصلاحات اقتصادية متفق عليها.
وهكذا، تجد مصر نفسها أمام شبكة واسعة من برامج التمويل الدولي، في وقت لا تزال فيه أزمة الديون والنقد الأجنبي والقدرة على سداد الالتزامات تمثل تحدياً مستمراً.
السؤال الذي لا يجيب عنه صندوق النقد
يقول صندوق النقد إن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على مواجهة الصدمات، وإن النمو يتسارع والتضخم يتراجع والاحتياطيات ترتفع.
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً أمام المواطن المصري هو: **هل تحسن المؤشرات الكلية يعني فعلاً تحسن الاقتصاد بالنسبة له؟**
فالمواطن لا يقيس الاقتصاد بحجم الاحتياطي النقدي فقط، وإنما بقدرته على شراء الطعام، والحصول على تعليم جيد، وتلقي العلاج، وتحمل تكاليف السكن والمواصلات، والحفاظ على قيمة دخله.
ومع استمرار الاقتراض، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: كم حصلت مصر من القروض؟ بل: كم ستدفع في المقابل؟ ومن سيدفع؟ وأين ذهبت الأموال؟ وهل تحولت إلى مشروعات منتجة تدر دخلاً يسهم في سدادها، أم أن جزءاً منها يُستخدم لإدارة أزمة ديون تتسع عاماً بعد آخر؟
ومع اقتراب نهاية البرنامج الحالي مع صندوق النقد، واستعداد الحكومة لمرحلة جديدة بعده، تبدو مصر أمام اختبار اقتصادي حقيقي: هل تستطيع الانتقال من اقتصاد يعتمد على القروض وبيع الأصول وتدفقات التمويل الخارجي إلى اقتصاد إنتاجي قادر على توليد موارده وسداد ديونه، أم أن المواطن سيظل الحلقة الأضعف في دورة اقتراض طويلة، يدفع كلفتها من دخله وخدماته ومستوى معيشته؟