وقائع تُثبت مسؤولية السيسي عن سد النهضة .. و”خبراء” الأجهزة يوظفون خيبتهم بشماعة “الإخوان”

- ‎فيتقارير

لم يكن مشروع السد الإثيوبي الكبير الذي أطلق عليه "معرضون" مصريون "سد النهضة" نكاية في الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان أصحاب برنامج النهضة للترشح لرئاسة الجمهورية والذي نال رضا كثير من المصريين فانتخبوا بموجبه (ليس منفردا بالتأكيد) د.مرسي؛ ومن ثم أعضاء البرلمانات، إلا أن المشروع الاثيوبي سبق وصولهم إلى الفوز في الاستحاقاقات الرئاسية والبرلمانية والاستفتاءات، سواء أخذنا بتاريخ الاتفاق التعاقدي في 30 ديسمبر 2010 وفق وثائق شركة Salini، أو بتاريخ إسناد العقد في 31 مارس 2011 وفق مصادر أخرى، أو بتاريخ وضع حجر الأساس في 2 أبريل 2011.

وفي الوقت نفسه، لا تعني هذه الحقيقة أن إدارة مصر للملف خلال الفترة من 2011 إلى 2013 كانت بالضرورة مثالية، ولا تنفي احتمال أن يكون الاضطراب السياسي قد أثر في قدرة الدولة المصرية على التحرك الإقليمي والدبلوماسي، لكن إثبات ذلك يحتاج إلى أدلة مستقلة على وجود علاقة سببية.

أما تحميل جماعة الإخوان مسؤولية إقامة سد النهضة، فيتجاهل أن المشروع بدأ قبل وصولها إلى الحكم واستمر بعد خروجها منه لأكثر من 12 عامًا، مرورًا بمحطات سياسية وقانونية مهمة، أبرزها إعلان مبادئ 2015، الذي وقعه عبدالفتاح السيسي (رغما عن المجموع بحسب ما اطلعتنا عليه منصة (مدى مصر) ونقلت فيه عن أشخاص منهم الوزيرة السابقة  فايزة أبو النجا) ثم الملء الأول عام 2020، وبدء إنتاج الكهرباء عام 2022، وصولًا إلى الافتتاح الرسمي في 9 سبتمبر 2025.

أكاذيب انقلابية

تُظهر البيانات الزمنية والوثائق المتاحة أن مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير لم يبدأ من الناحية التعاقدية أو الإنشائية في عهد الرئيس محمد مرسي. فوفق التقرير السنوي لشركة Salini Costruttori نفسها، أُبرم اتفاق إنشاء المشروع مع شركة الكهرباء الإثيوبية في 30 ديسمبر 2010، أي قبل ثورة 25 يناير 2011 وقبل تولي محمد مرسي الرئاسة بنحو عام ونصف.

وبعد الإعلان عن المشروع، وُضع حجر الأساس في 2 أبريل 2011 في عهد رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي، أي قبل تولي مرسي الرئاسة في 30 يونيو 2012 بنحو 15 شهرًا. وتوجد مصادر أخرى تؤرخ إسناد العقد إلى 31 مارس 2011، ولذلك ينبغي التفريق بين تاريخ الاتفاق التعاقدي الذي تورده شركة ساليني، وهو 30 ديسمبر 2010، وبين تاريخ الإعلان أو إسناد العقد الذي تورده مصادر أخرى في مارس 2011.

أما خلال حكم مرسي، الذي امتد من 30 يونيو 2012 إلى 3 يوليو 2013، فقد كان الموقف الرسمي المصري المعلن معارضًا لأي مساس بحصة مصر المائية، وبلغ التصعيد السياسي ذروته في يونيو 2013، عندما قال مرسي :إن جميع الخيارات مفتوحة في التعامل مع أزمة الس".

وبالتالي، فإن القول إن الإخوان بدأوا بناء السد أو أنهم كانوا شركاء إثيوبيا في إنشائه لا يتفق مع التسلسل الزمني المتاح. أما القول بأن الاضطرابات السياسية في مصر خلال الفترة من 2011 إلى 2013 ساعدت إثيوبيا سياسيًا أو دبلوماسيًا، فهو تفسير سببي يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن إثباته بمجرد تزامن الأحداث.

 

البداية الفعلية 

تعود جذور مشروع سد النهضة إلى ما قبل وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر. ووفق تقرير شركة Salini Costruttori، أُبرم اتفاق إنشاء المشروع مع شركة الكهرباء الإثيوبية في 30 ديسمبر 2010، أي قبل ثورة 25 يناير 2011 نفسها.

وبحسب مصادر أخرى، جرى إسناد عقد البناء في 31 مارس 2011، فيما أعلنت إثيوبيا المشروع رسميًا في ربيع 2011، ووُضع حجر الأساس في 2 أبريل 2011.

وهنا تبدو المسألة الزمنية واضحة؛ فقد بدأ المشروع قبل تولي محمد مرسي الرئاسة في يونيو 2012 بنحو 15 شهرًا، وبالتالي فإن وصف الإخوان بأنهم بدأوا مشروع سد النهضة لا يتوافق مع هذا التسلسل الزمني.

كما أن بداية المشروع جاءت في فترة كانت مصر خلالها تحت إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، عقب ثورة يناير، وليس في فترة حكم جماعة الإخوان.

 

مشروع بدأ قبل حكم مرسي

يُعد سد النهضة أحد أضخم مشروعات الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، وتبلغ التكلفة المتداولة للمشروع عند إطلاقه نحو 4.8 مليار دولار، بينما وصلت التقديرات المتداولة لاحقًا إلى نحو 5 مليارات دولار.

ويبلغ ارتفاع السد نحو 170 مترًا، فيما يصل طول السد الرئيسي إلى نحو 1,800 متر. أما خزان السد فتبلغ سعته نحو 74 مليار متر مكعب وفق الأرقام المتداولة للمشروع.

ووصلت القدرة التصميمية النهائية للسد إلى 5,150 ميغاواط، بينما تضمن التصميم الأصلي 16 توربينًا بقدرات متفاوتة وفق مراحل التنفيذ والتحديثات.

وبحسب بيانات رويترز، افتُتح المشروع رسميًا في سبتمبر 2025، وبلغت قدرته النهائية 5,150 ميغاواط، بتكلفة تقارب 5 مليارات دولار.

 

 

سبقت الإخوان

 

لا تقتصر الوقائع السابقة على بداية إنشاء السد، بل تمتد إلى الخلافات السياسية والقانونية حول مياه النيل نفسها.

ففي 14 مايو 2010 وقعت إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، المعروفة باسم اتفاقية عنتيبي، ثم لحقت بها كينيا، وانضمت بوروندي في 28 فبراير 2011.

وكانت مصر والسودان قد رفضتا التوقيع على الاتفاقية بصيغتها المطروحة، بسبب الخلاف حول قضايا الحقوق والحصص المائية والأمن المائي والإخطار المسبق وآليات اتخاذ القرار بشأن مشروعات مياه النيل.

وبالتالي، فإن الخلاف المصري–الإثيوبي حول إدارة مياه النيل لم يبدأ مع وصول محمد مرسي إلى الرئاسة، وإنما كان قائمًا قبل الثورة وقبل وصول الإخوان إلى الحكم بسنوات.

 

موقع د.مرسي

وتولى د.محمد مرسي رئاسة الجمهورية في 30 يونيو 2012، بينما كان مشروع سد النهضة قد تجاوز مرحلة التعاقد وبدأت أعمال الإنشاء بالفعل قبل ذلك بأكثر من عام.

وخلال فترة حكمه، التي انتهت في 3 يوليو 2013، لم يكن الموقف الرسمي المصري المعلن مؤيدًا لإثيوبيا في قضية السد، بل اتسم بالاعتراض على أي تأثير محتمل للمشروع في حصة مصر من مياه النيل.

وفي 10 يونيو 2013، عقدت الرئاسة المصرية مؤتمرًا لمناقشة أزمة مياه النيل وسد النهضة، وخرج الرئيس محمد مرسي بخطاب شديد اللهجة أكد فيه أن أمن مصر المائي لا يمكن تجاوزه أو المساس به، وقال إن «جميع الخيارات مفتوحة» للدفاع عن الأمن المائي المصري.

وفي الوقت نفسه، أكد مرسي أن مصر لا تعارض إقامة مشروعات تنموية في دول حوض النيل، بشرط ألا تؤثر في حقوق مصر المائية.

كما وصف رئيس الوزراء هشام قنديل المياه بأنها «قضية حياة أو موت» بالنسبة للمصريين، بينما أعلنت الحكومة المصرية تمسكها بمياه النيل، وتحرك وزير الخارجية محمد كامل عمرو إلى أديس أبابا لبحث الأزمة مع الجانب الإثيوبي.

 

الانقلاب لمصلحة إثيوبيا

يربط بعض الخطاب السياسي والإعلامي بين حالة الاضطراب التي شهدتها مصر خلال فترة حكم الإخوان وبين تمكن إثيوبيا من المضي في مشروع سد النهضة.

لكن هنا يجب التفريق بين أمرين: الأول أن مصر كانت بالفعل تعيش حالة من الاضطراب السياسي والأمني والاقتصادي منذ ثورة يناير، وبلغت الأزمة السياسية ذروتها في 2013. والثاني أن مشروع سد النهضة نفسه كان قد دخل مرحلة التنفيذ قبل وصول الإخوان إلى الحكم.

 

ومن ثم، يمكن مناقشة فرضية أن الاضطراب الداخلي في مصر أضعف قدرة القاهرة على التحرك الدبلوماسي أو التفاوضي، لكن ذلك يختلف عن القول إن هذه الفوضى هي التي أتاحت لإثيوبيا إقامة السد.

 

فالقول بوجود علاقة سببية مباشرة يحتاج إلى وثائق أو شهادات أو مراسلات تثبت أن إثيوبيا اتخذت قرارات محددة استنادًا إلى ضعف الوضع المصري في تلك الفترة، أما مجرد تزامن الاضطراب المصري مع استمرار المشروع فلا يكفي لإثبات هذه العلاقة.

 

ماذا حدث بعد خروج مرسي من السلطة؟

 

بعد 3 يوليو 2013 لم يتوقف مشروع سد النهضة، بل استمرت إثيوبيا في أعمال البناء، واستمرت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان.

 

وكانت إحدى أبرز المحطات اللاحقة توقيع إعلان مبادئ سد النهضة في الخرطوم في 23 مارس 2015، بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين، والرئيس السوداني عمر البشير.

 

وتضمن الإعلان 10 مبادئ لتنظيم تعامل الدول الثلاث مع المشروع، من بينها التعاون، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والاستخدام المنصف والمناسب للمياه، والتعاون بشأن الملء الأول لخزان السد وقواعد التشغيل السنوي، إلى جانب تبادل المعلومات والبيانات وتسوية المنازعات سلميًا.

 

وشكل إعلان المبادئ محطة مهمة في المسار السياسي والقانوني للأزمة، إذ وقعت مصر وثيقة ثلاثية مع إثيوبيا والسودان تتناول سد النهضة بالاسم وتضع إطارًا للتعامل مع ملئه وتشغيله ومنح إعلان المبادئ إثيوبيا شرعية بناء السد  ومثل تنازلًا عن حقوق مصر.

 

والله لن نسبب ضرر لمصر!

في 10 يونيو 2018، وخلال زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى القاهرة، طلب عبد الفتاح السيسي منه أن يؤكد أمام المصريين أن إثيوبيا لن تضر بمصر.

ورد آبي أحمد بالعربية قائلًا: «والله والله لن نضر بكم».

لكن هذا التعهد السياسي لم يؤد إلى اتفاق ملزم ينهي النزاع، واستمرت الخلافات حول قواعد الملء والتشغيل، بينما مضت إثيوبيا في عمليات ملء خزان السد بالتوازي مع استمرار المفاوضات.

وتكشف هذه المرحلة أن أزمة سد النهضة لم تنته بخروج الإخوان من السلطة، وإنما استمرت لسنوات طويلة بعد ذلك.

الملء الأول وتشغيل السد

بدأت إثيوبيا الملء الأول لخزان سد النهضة عام 2020، ثم تتابعت مراحل التخزين خلال السنوات التالية.

وفي 2022 بدأ توليد الكهرباء من أولى وحدات السد، بينما استمر استكمال المشروع ورفع قدرته الإنتاجية.

وبحلول عام 2025 وصل المشروع إلى مرحلته النهائية تقريبًا، مع قدرة مستهدفة تبلغ 5,150 ميغاواط، قبل افتتاحه رسميًا في 9 سبتمبر 2025.

وهكذا امتدت رحلة المشروع من بداياته في 2011 إلى افتتاحه الرسمي في 2025، أي نحو 14 عامًا، وهي فترة شهدت ثلاث مراحل سياسية مصرية مختلفة على الأقل، واستمر خلالها المشروع في التطور.

 

سعة خزان السد
تبلغ حصة مصر السنوية المقررة بموجب اتفاق عام 1959 مع السودان 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل. وفي المقابل، تبلغ سعة خزان سد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب.

 

وبعملية حسابية بسيطة، فإن: (74 ÷ 55.5 = نحو 1.33) أي أن السعة التخزينية النظرية للخزان تعادل نحو 133% من حصة مصر السنوية وفق رقم 55.5 مليار متر مكعب.

لكن هذه النسبة لا تعني أن إثيوبيا تحصل على 133% من حصة مصر أو أنها تمنع هذه الكمية عن مصر. فهناك فرق جوهري بين السعة التخزينية للخزان وبين كمية المياه التي تتدفق سنويًا في النيل الأزرق، وبين المياه التي تمر إلى السودان ومصر، فضلًا عن قواعد التشغيل والملء وظروف الجفاف والتدفقات السنوية.

ولهذا فإن تقييم تأثير السد على مصر لا يمكن أن يعتمد على مقارنة سعة الخزان بحصة مصر فقط، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار قواعد الملء والتشغيل والتدفقات الطبيعية وسنوات الجفاف.

 

أرقام أساسية

يمكن تلخيص أبرز الأرقام في الصورة التالية: بدأ المشروع عام 2011، بينما تولى د.محمد مرسي رئاسة الجمهورية  في 30 يونيو 2012 وانتهى حكمه في 3 يوليو 2013، أي أن مدة حكمه كانت نحو 12 شهرًا.

 

وتبلغ تكلفة المشروع نحو 4.8 مليار دولار عند إطلاقه، ووصلت التقديرات المتداولة لاحقًا إلى نحو 5 مليارات دولار. ويبلغ ارتفاع السد نحو 170 مترًا، وطول السد الرئيسي نحو 1,800 متر، وسعة الخزان نحو 74 مليار متر مكعب، فيما تبلغ قدرته النهائية 5,150 ميغاواط.

 

أما حصة مصر السنوية فهي 55.5 مليار متر مكعب، وهو ما يجعل سعة خزان السد تعادل نحو 133% من هذه الحصة السنوية من الناحية الحسابية فقط.

 

ووقعت اتفاقية عنتيبي في 2010، وبدأ مشروع السد في 2011، وتولى مرسي الحكم في 2012، وانتهى حكمه في 2013، ووقع إعلان مبادئ سد النهضة في 2015، وبدأ الملء في 2020، وبدأ توليد الكهرباء في 2022، ثم افتُتح السد رسميًا في 2025.

ولا تظهر البيانات التي تمت مراجعتها دليل مباشر يثبت وجود شراكة بين الإخوان وإثيوبيا في إقامة السد بحسب منصات.

 

وبالنسبة للقول إن "الفوضى في مصر خلال حكم الإخوان ساعدت إثيوبيا سياسيًا، فيمكن طرحه باعتباره تحليلًا أو فرضية سياسية، لكنه يحتاج إلى أدلة تثبت العلاقة السببية المباشرة، وليس مجرد الاستناد إلى وقوع الاضطرابات بالتزامن مع استمرار بناء السد".

 

وفي المقابل، فإن القول "إن حكومة مرسي كانت تعارض المساس بحصة مصر المائية يتفق مع التصريحات الرسمية المعلنة في يونيو 2013، والتي تضمنت تحذيرات واضحة بشأن الأمن المائي المصري".

 

كما أن القول "إن ملف السد استمر وتطور بعد مرسي أمر ثابت زمنيًا؛ فقد وقعت مصر إعلان المبادئ عام 2015، وبدأ الملء عام 2020، وبدأ توليد الكهرباء عام 2022، ثم افتُتح السد رسميًا عام 2025."

https://x.com/saheehalikhwan/status/2094486844373082571