تساءل مراقبون عن أن يكون اتساع الحضور الصيني في قطاعات استراتيجية قد يؤدي بمرور الوقت إلى إنتاج نفوذ صيني يصعب فصله عن القرار الاقتصادي والسياسي المصري، وفي الاتجاه المقابل، هل تستطيع مصر تحويل موقعها الاستراتيجي وقناة السويس إلى أوراق تفاوض للحصول على تكنولوجيا وتصنيع وصادرات، بدلاً من الاكتفاء باستقبال الاستثمارات والمشروعات الصينية؟
بهذا المعنى، فإن زيارة شي جين بينج تفتح نقاشاً أكبر من العلاقة المصرية–الصينية نفسها؛ فهي تضع موقع مصر في إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط أمام اختبار جديد، بين واشنطن وبكين، وبين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية، وبين جذب الاستثمارات والحفاظ على استقلال القرار الوطني.
وتأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت تكتسب فيه العلاقات المصرية–الصينية أهمية متزايدة، ليس فقط على المستوى الاقتصادي والاستثماري، وإنما أيضاً على المستويين التكنولوجي والاستراتيجي، وتتزايد أهمية مصر بالنسبة إلى الصين باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط، وصاحبة موقع استراتيجي على قناة السويس وبوابة مهمة إلى الأسواق الإفريقية.
ولا تقتصر دلالات الزيارة، وفقاً لقراءات عدد من المراقبين، على الاتفاقيات الاقتصادية ومشروعات البنية التحتية، وإنما تمتد إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن الإقليمي والممرات البحرية، ويأتي ذلك في ظل منافسة دولية متزايدة بين الصين والولايات المتحدة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والاستراتيجي، الأمر الذي يضع مصر، في عهد عبدالفتاح السيسي باعتباره رأس السلطة في البلاد، أمام محاولة لتحقيق توازن بين الانفتاح المتزايد على بكين والحفاظ على علاقاتها التقليدية مع واشنطن والغرب.
التوسع الصيني يتجاوز الاقتصاد
يقدم الصحفي عبدالحميد قطب (@AbdAlhamed_kotb) واحدة من أكثر القراءات تشككاً في طبيعة الحضور الصيني المتنامي في مصر، ففي منشور له في 29 مايو 2025، تحدث عن استحواذ الصين، بحسب ما أورده، على آلاف الأفدنة في صحراء محافظة المنيا، وربط ذلك بعلاقات صينية مع إسرائيل وتمويل إماراتي، كما انتقل إلى الحديث عن العلاقات الصينية–الإثيوبية ودور الصين في المشروعات المرتبطة بسد النهضة.
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/1927897614814486612
وفي منشور آخر بالتزامن مع زيارة شي، وسّع قطب هذه القراءة، فتحدث عن منح الصين، بحسب طرحه، مليون فدان في الصحراء الغربية بمحافظتي الوادي الجديد وأسيوط، إضافة إلى مساحات أخرى في مدينة ملوي بمحافظة المنيا، وربط ذلك بالحضور الصيني في مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، وبالعلاقات الاستراتيجية بين الصين وإثيوبيا.
ويرى قطب أن تداخل هذه الملفات يثير سؤالاً أكبر حول طبيعة الدور الذي تسعى الصين إلى لعبه داخل مصر، وما إذا كان الأمر يظل في حدود الاستثمار والشراكة الاقتصادية أم يتحول تدريجياً إلى نفوذ سياسي واستراتيجي. كما يربط ذلك بعلاقة الصين بإثيوبيا وملف سد النهضة، معتبراً أن بكين تمتلك أوراق تأثير مهمة في هذا الملف.
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2094904993958740440
وفي أحدث قراءة له، ينتقل قطب بصورة مباشرة إلى البعد الأمني للزيارة، تحت عنوان «الصين تستحوذ على قناة السويس وتدعو لبناء نظام أمني جديد للمنطقة»، ويرى أن طرح الرئيس الصيني لفكرة بناء «هيكل أمني جديد» في الشرق الأوسط يمثل تطوراً مهماً، خصوصاً مع توسع الحضور الاقتصادي الصيني في منطقة قناة السويس.
وبحسب قطب، فإن الجمع بين الوجود الاقتصادي الصيني بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم وبين طرح رؤية صينية جديدة للأمن الإقليمي يفتح الباب أمام التساؤل حول احتمال اتساع الدور الصيني من الاستثمار والتجارة إلى المشاركة في قضايا الأمن والممرات البحرية، ومن هنا يتساءل عما إذا كانت مصر في عهد السيسي تتحول إلى نقطة ارتكاز رئيسية للتمدد الصيني في الشرق الأوسط.
منال عبدالعال: مصر في قلب المنافسة الصينية–الأمريكية
تقدم منال عبدالعال قراءة تركز على الجانب التكنولوجي والجيوسياسي للعلاقة، وترى أن زيارة شي لا يمكن فصلها عن المنافسة الصينية–الأمريكية على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق الإلكترونية.
وتلفت عبدالعال إلى الاهتمام الصيني المتزايد بالسوق المصرية، وخاصة سعي شركة هواوي إلى الدخول في مشروعات مرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، معتبرة أن هذا الملف قد يحول مصر إلى إحدى ساحات المنافسة التكنولوجية بين بكين وواشنطن.
كما ترى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل مصلحة استراتيجية للصين، ليس فقط باعتبارها موقعاً صناعياً ولوجستياً، وإنما باعتبار مصر منصة يمكن للشركات الصينية من خلالها الوصول إلى أسواق إفريقيا وأوروبا والاستفادة من الاتفاقيات التجارية المصرية.
وتربط عبدالعال (Manalabdelaal) ذلك أيضاً بالتعاون العسكري والأمني المتنامي بين مصر والصين، وترى أن المناورات العسكرية والتعاون في المجالات الأمنية يضيفان بعداً جديداً للعلاقة، بحيث لم تعد الشراكة محصورة في البنية التحتية والاستثمار.
وفي الوقت نفسه، تنتقد عبدالعال (صحفية استقصائية عملت في منصات مثل دويتشه فيله) عدم توظيف القاهرة لعلاقاتها مع بكين، من وجهة نظرها، بالشكل الكافي في أزمة سد النهضة، خصوصاً في ظل العلاقات الصينية القوية مع إثيوبيا والمشاركة الصينية في عدد من المشروعات المرتبطة بالطاقة والبنية التحتية هناك.
ما العائد على مصر؟
الباحث والحقوقي الاكاديمي د.أسامة رشدي @OsamaRushdi يقدم رؤية أكثر إيجابية تجاه تطوير العلاقات المصرية–الصينية، لكنه يضع شروطاً واضحة للحكم على نجاح هذه العلاقة، فهو يرى أن الصين قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية كبرى، وأن التعاون معها يمكن أن يساعد مصر على تنويع علاقاتها الدولية وجذب الاستثمارات وتطوير التصنيع وزيادة الصادرات.
ويربط رشدي هذا التوجه بتاريخ سابق للعلاقات المصرية–الصينية، مشيراً إلى أن الانفتاح على الصين كان أحد ملامح سياسة الرئيس محمد مرسي، ويستشهد بمشروع «تيدا مصر» في منطقة قناة السويس باعتباره نموذجاً لفكرة تحويل المنطقة إلى مركز صناعي ولوجستي، وليس مجرد ممر تمر عبره السفن.
لكن رشدي يحذر في الوقت نفسه من أن تتحول مصر إلى مجرد سوق للمنتجات الصينية أو موقع للمصانع الأجنبية، ويرى أن نجاح العلاقة يجب أن يقاس بمدى زيادة المكوّن المصري في المشروعات، ونقل التكنولوجيا والخبرات إلى الشركات والمهندسين المصريين، وتوفير فرص عمل مستدامة، وإنشاء صناعات مغذية، وزيادة الصادرات المصرية، والمساهمة في تقليص العجز التجاري الكبير مع الصين.
وبذلك لا يرفض رشدي الحضور الصيني، وإنما يدعو إلى إعادة تعريف العلاقة بحيث تكون مصر شريكاً صناعياً حقيقياً للصين، وليس مجرد مستورد أو مستضيف للاستثمارات الصينية.
بين النفوذ الاقتصادي والدور الأمني
تكشف هذه القراءات عن انتقال النقاش حول العلاقات المصرية–الصينية من سؤال الاستثمار إلى سؤال النفوذ. فالصين أصبحت حاضرة في مشروعات البنية التحتية والتصنيع والطاقة والنقل، فيما تزداد أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالنسبة إلى الشركات الصينية، بالتزامن مع توسع التعاون في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، فإن حديث القيادة الصينية عن بناء «هيكل أمني جديد» في الشرق الأوسط يضيف بعداً سياسياً وأمنياً إلى العلاقة. وهو ما دفع بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت بكين تسعى إلى لعب دور أكبر في ترتيبات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل أهمية الممرات البحرية وقناة السويس بالنسبة إلى التجارة العالمية.
لكن من المهم التمييز بين الوقائع المعلنة وبين الاستنتاجات السياسية للمعلقين. فوجود استثمارات وشركات صينية في منطقة قناة السويس لا يعني انتقال ملكية قناة السويس إلى الصين، كما أن مشاركة شركات صينية في تمويل أو تنفيذ مشروعات مرتبطة بسد النهضة لا تعني بالضرورة أن الصين «تدير السد» أو «تحميه عسكرياً». وهذه مسائل تحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة عند طرحها باعتبارها حقائق.
مصر في عهد السيسي أمام معادلة صعبة
تضع هذه التطورات عبدالفتاح السيسي، باعتباره رأس السلطة في مصر، أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تمثل الصين مصدراً ضخماً للاستثمارات والتكنولوجيا والتصنيع والبنية التحتية، ويمكن أن تساعد القاهرة في تنويع شراكاتها الدولية وعدم الاعتماد على قوة واحدة. ومن جهة أخرى، فإن اتساع الحضور الصيني في قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وقناة السويس والبنية التحتية يمكن أن يثير مخاوف بشأن حجم النفوذ الذي يمكن أن تكتسبه بكين داخل الاقتصاد المصري وعلى المدى الطويل في المجال الاستراتيجي.
كما أن علاقة الصين بإثيوبيا تجعل ملف سد النهضة حاضراً بصورة غير مباشرة في تقييم العلاقة المصرية–الصينية، إذ تجد القاهرة نفسها أمام شريك اقتصادي واستراتيجي مهم يرتبط في الوقت نفسه بعلاقة وثيقة مع الدولة التي تمثل أكبر تحدٍ مائي واستراتيجي لمصر.
ويبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى مصر ليس فقط ماذا تريد الصين من القاهرة؟، وإنما ما الذي تستطيع القاهرة، في ظل الانقلاب، أن تحصل عليه من بكين دون أن يتحول الانفتاح الاقتصادي إلى اعتماد استراتيجي جديد؟ فنجاح الشراكة المصرية–الصينية لن يتحدد بعدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها أو حجم الاستثمارات التي يتم الإعلان عنها، وإنما بقدرة مصر على تحويل هذه العلاقة إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني وتوازن علاقاتها الدولية.