قبل أيام من انطلاق العام الدراسي، تتكرر في بيوت مصرية كثيرة أزمة لا تتعلق بالاستعداد للتعلم بقدر ما تتعلق بالقدرة على تحمل كُلفته، فبالنسبة إلى أسر محدودة الدخل، لم تعد الحقيبة والكراسة والقلم احتياجات بسيطة يمكن تدبيرها، بل تحولت إلى فاتورة موسمية ثقيلة تدفع بعض الأهالي إلى الاقتراض أو الاستغناء عن احتياجات أساسية.
وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة معارض «أهلاً بالمدارس» وتمديد موسم التخفيضات، يرى أولياء أمور أن هذه المبادرات لا تعالج أصل المشكلة، ارتفاع متواصل في الأسعار، واتساع قائمة ما تطلبه المدارس من أدوات وملابس ورسوم وأنشطة وتبرعات.
هاجر فتح الله، أم لثلاثة أطفال، اضطرت إلى الحصول على قرض من جهة عملها لتغطية مستلزمات أبنائها الدراسية، بحثت في الأسواق الشعبية عن بدائل أرخص، لكنها خرجت بفاتورة تجاوزت 736 جنيهاً مقابل عدد محدود من الأدوات، بينها دفاتر وأقلام وألوان ومقصات ومواد تعليمية أخرى، وتقول: "إن تكرار القائمة نفسها لثلاثة أبناء يحوّل مئات الجنيهات إلى آلاف لا تستطيع الأسرة تحملها بسهولة".
لا تقف الكُلفة عند الأدوات المدرسية، فالأسر مطالبة كذلك بالمصروفات الدراسية، والزي، والمواصلات، والأنشطة، وقوائم «السبلايز» التي تحددها بعض المدارس بأسماء وكميات ومواصفات يصعب الاستغناء عنها، وفي مدارس حكومية، يشكو أولياء أمور من طلب تبرعات عينية أو مالية لتوفير احتياجات يفترض أن تتحملها الدولة، مثل صيانة الفصول والمقاعد والإضاءة ومواد النظافة.
وهكذا، يتراجع عملياً معنى مجانية التعليم بالنسبة إلى كثير من العائلات، فالمدرسة الحكومية قد لا تفرض مصروفات مرتفعة رسمياً، لكن ما يحيط بها من نفقات إلزامية يجعل دخول الطفل إلى الفصل عبئاً مالياً لا يقل قسوة عن التعليم الخاص في بعض الحالات.
وتشير تقديرات تجارية إلى ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي، فيما تجاوزت الزيادات هذه النسبة في بعض السلع، خاصة الحقائب والأقلام والمنتجات الورقية، ومع التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والمواصلات والسكن، تجد الأسر نفسها أمام موسم إنفاق جديد من دون زيادة حقيقية في قدرتها الشرائية.
وتؤكد معارض التخفيضات الرسمية وجود محاولة لتخفيف الضغط، لكنها لا تعوض أسرة لديها أكثر من طفل، ولا تحل مشكلة القوائم الطويلة التي تفرضها بعض المدارس، فالتخفيض على سلعة واحدة يفقد أثره حين تكون الأسرة مضطرة لشراء عشرات الأصناف، إلى جانب دفع الرسوم وتوفير النقل والملابس.
المشكلة، في نظر أولياء الأمور، ليست في سعر الكراسة وحده، بل في نموذج كامل يجعل التعليم أكثر كلفة عاماً بعد عام، بينما تتآكل دخول الفقراء والطبقة المتوسطة، وبينما ترفع الحكومة أسعار الخدمات والسلع الأساسية، يصبح الحفاظ على تعليم الأبناء معركة يومية، وقد يتحول الحق في التعليم إلى امتياز لمن يملك القدرة على دفع ثمنه.