تشهد الساحة اليمنية تصعيدًا عسكريًا واسعًا تتداخل فيه العمليات البرية للقوات الحكومية اليمنية مع الدعم السعودي، بالتزامن مع عودة الضربات الجوية السعودية إلى المشهد وامتداد القتال إلى تعز والحديدة والجوف والبيضاء ومأرب ومناطق أخرى.
وتقدم المعطيات الواردة من مختلف الأطراف صورة لحرب لم تعد محصورة في الدفاع عن مواقع محددة، وإنما تحولت إلى محاولة لإعادة رسم خطوط السيطرة على الأرض، خصوصًا في غرب اليمن وشماله، في وقت تحاول فيه السعودية منع الحوثيين من تحويل الساحل الغربي والبحر الأحمر إلى مصدر ضغط مباشر على المملكة.
وفي المقابل، يرى الحوثيون أن ما يجري يمثل تصعيدًا سعوديًا جديدًا، بينما تصفه الحكومة اليمنية والقوى المؤيدة لها بأنه معركة لاستعادة الدولة والأراضي التي سيطر عليها الحوثيون منذ سنوات.
وفي قلب هذا المشهد تظهر روايتان متناقضتان بصورة خاصة: رواية مؤيدي الحكومة والتحالف، التي يقدمها من بين أبرز أصواتها الدكتور محمد جميح، ورواية المعارضين للتدخل السعودي، التي يقدمها عادل الحسني، وبينهما تأتي التصريحات السعودية والخطاب الحوثي بوصفهما مصدرين رئيسيين لفهم طبيعة المواجهة.
محمد جميح يرى أن الحوثيين ارتكبوا خطأً قاتلًا بحشد قواتهم في تعز والحديدة، وأن الهجوم أدى إلى توحيد القوات الحكومية وفتح الطريق أمام تقدمها في الجوف والبيضاء والساحل الغربي.
ويرى عادل الحسني العكس تقريبًا؛ فهو يحذر من اعتبار العمليات الحالية معركة لتحرير صنعاء، ويعتقد أن السعودية تستخدم التحشيد اليمني لتخفيف الضغط عنها وتحقيق أهداف استراتيجية خاصة بها، وتظهر مواقفه المنشورة في 2026 استمرار انتقاده للتدخل السعودي والتحالف.
أما الحوثيون فيقدمون التصعيد باعتباره عدوانًا سعوديًا جديدًا، ويتهمون الرياض بتسليح القوات المناهضة لهم، ويعلنون أن استهداف السعودية ومصالحها يأتي ردًا على ذلك.
الحوثي ارتكب "الخطأ القاتل"
وفي قراءة مغايرة للرواية الحوثية، يرى الدكتور محمد جميح أن الحوثيين ارتكبوا خطأً استراتيجيًا عندما حشدوا آلاف المقاتلين في تعز والحديدة.
ويقول جميح: "إن الهدف البعيد، بحسب تقديره، كان الوصول إلى باب المندب وتهديد الاقتصاد العالمي عبر القرصنة، بينما كان الهدف المباشر السيطرة بالنار على أجزاء من ساحل البحر الأحمر وحصار تعز من الغرب وخنق القوات الحكومية جنوب الحديدة".
ويعتبر جميح أن هذه المغامرة انتهت بنتيجة عكسية، لأنها منحت القوات الحكومية فرصة لتوحيد صفوفها والتحرك باتجاه تعز والحديدة.
ويشير تحديدًا إلى وصول حمدي شكري وقوات العمالقة، إلى جانب المقاومة الوطنية ودرع الوطن والجيش الوطني والمقاومة، معتبرًا أن اجتماع هذه القوى شكّل، من وجهة نظره، نقطة تحول في المعركة.
ويخلص جميح إلى أن القوات الحكومية بدأت تستعيد المناطق التي دخل إليها الحوثيون في هجومهم الأخير، وأن الجبهات في الجوف والبيضاء بدأت تتحرك بالتزامن مع التقدم في غرب اليمن.
وقد نشر جميح هذه القراءة في 7 سبتمبر، واعتبر أن العامل المفاجئ في المعركة يتمثل في القوة الجوية الحكومية، سواء الطائرات المسيرة أو الطيران التقليدي.
ويرى جميح أن الحوثيين راهنوا على عدة عوامل، بينها تفكك القوات الحكومية، والخلافات بين القوى اليمنية، وحرص السعودية على تجنب تجدد الحرب وانشغالها بخططها الاقتصادية والتنموية.
لكن، وفق روايته، حدث العكس؛ إذ أدى التصعيد الحوثي إلى جمع قوى عسكرية متعددة في مواجهة الجماعة.
ويقول: "إن الحوثيين حاولوا استغلال الانقسامات بين الشمال والجنوب، وإثارة الخلافات المناطقية والحزبية، لكنهم فوجئوا ـ بحسب تقييمه ـ بسرعة تلاحم القوات اليمنية المناهضة لهم".
ويضع ذلك في إطار أوسع، إذ يعتبر الحوثيين امتدادًا لمشروع إيراني في المنطقة، ويرى أن المعركة الحالية تستهدف إنهاء سيطرة الجماعة على مناطق يمنية سيطرت عليها منذ 2015.
السعودية لا تتجه إلى صنعاء
وفي الجهة المقابلة يقدم الناشط والسياسي اليمني عادل الحسني رواية مختلفة جذريًا عن أهداف التحرك السعودي. ففي المنشور الوارد في المادة الأصلية، يحذر الحسني من الاعتقاد بأن السعودية اتخذت قرارًا بالذهاب إلى صنعاء، ويرى أن تصوير العمليات الحالية باعتبارها معركة حاسمة لتحرير العاصمة يمثل تضخيمًا إعلاميًا.
ويذهب الحسني إلى أن السعودية، بدل رفع ما يصفه بالحصار عن اليمن، أعطت توجيهات للقوات التابعة لها بالتحشيد وإعلان معركة استعادة صنعاء، وقدمت لها بعض الطائرات المسيرة، بهدف تخفيف الضغط عن الرياض وإشغال صنعاء بحرب داخلية.
وبحسب روايته، فإن الهدف الحقيقي ليس استعادة صنعاء، وإنما إشغال الحوثيين وإبعاد الضغط عن السعودية بعد انتقال الجماعة إلى استهداف المصالح السعودية والملاحة.
ويحذر الحسني من أن ما يسميه "الانتصارات" المعلنة ينبغي ألا تُفهم باعتبارها انهيارًا للحوثيين أو بداية وشيكة لمعركة صنعاء.
ووفق روايته، عندما تعرضت القوات المدعومة سعوديًا لضغوط في جبهات تعز والساحل الغربي، جرى تحريك جبهة الجوف للالتفاف على الحوثيين وإجبارهم على توزيع قواتهم.
ويقر الحسني بحدوث تقدم في بعض المواقع وأسر مجموعات من الحوثيين، لكنه يرفض ـ وفق نصه ـ تصوير ذلك على أنه بداية لمعركة شاملة باتجاه صنعاء.
كما يذهب إلى أن السعودية تريد استخدام قوات سلفية لبسط نفوذ يمتد من منفذ الوديعة إلى الحديدة، ثم الدخول في حوار مع الحوثيين وترك شمال اليمن تحت سيطرتهم.
الحسني يذهب أبعد من ذلك عندما يحذر من تحويل المقاتلين اليمنيين إلى أدوات في مشروع إقليمي، معتبرًا أن الدم اليمني يجب ألا يستخدم لحماية المصالح السعودية.
ويحذر من أن السعودية قد تسعى إلى ترتيب جغرافي جديد يضمن مصالحها، بدل خوض حرب شاملة للقضاء على الحوثيين.
وهذا الطرح يتناقض مباشرة مع رواية محمد جميح؛ فجميح يرى أن القوات الحكومية تتحرك لاستعادة الدولة وإنهاء مشروع الحوثيين، بينما يرى الحسني أن السعودية تستخدم التصعيد الداخلي لتخفيف الضغط عن نفسها وتحقيق أهداف جغرافية وسياسية محددة.
ويُذكر أن الحسني واصل خلال 2026 انتقاد الدور السعودي والتحالف في اليمن، وظهرت له مواقف حديثة ينتقد فيها التحركات السعودية في الجوف.
اليمنيون أصحاب الأرض والقرار
وضمن الخطاب السعودي الداعم للحكومة اليمنية، ركز الكاتب عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ، على حق اليمنيين في امتلاك قرارهم ومستقبل بلدهم.
يقول آل الشيخ: "إن أبناء اليمن لهم الحق في وطن "يقفون على أرضه أصحاب قرار"، معتبرًا أن هزيمة الحوثيين وانحسار مشروعهم يمثلان انتصارًا لحق اليمنيين في بلادهم وسيادتهم".
وتكمن أهمية هذا الخطاب في أنه يقدم التدخل السعودي ـ من وجهة نظر مؤيديه ـ ليس باعتباره مشروعًا سعوديًا للاستيلاء على اليمن، وإنما باعتباره دعمًا لليمنيين في استعادة دولتهم.
ويؤكد آل الشيخ في خطابه على مفردات السيادة والاستقلال والقرار اليمني، وهي المفردات التي تستخدمها الرياض والقوى الموالية لها لنفي أن يكون هدفها ضم أراضٍ أو فرض وصاية سياسية على اليمن.
ويتقاطع خطاب آل الشيخ مع رواية الحكومة اليمنية والقوى الموالية للتحالف، التي تقدم الحرب باعتبارها مواجهة بين مشروع الدولة ومشروع الحوثيين.
وفي هذه الرواية، فإن السعودية لا تخوض حربًا من أجل السيطرة على اليمن، وإنما تقدم الدعم العسكري والسياسي للقوات اليمنية التي تحاول استعادة الأراضي والمؤسسات الحكومية.
ويُضاف إلى ذلك الدعم الاقتصادي السعودي للحكومة اليمنية، حيث تحدثت تقارير خلال 2026 عن مساعدات مالية سعودية كبيرة للاقتصاد اليمني. Adn Gad
ومن ثم، فإن صورة الدور السعودي، وفق الرواية المؤيدة للرياض، تجمع بين الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري.
يحيى سريع يهدد بالرد
وأما الرواية الحوثية فتقدم التصعيد باعتباره عودة مباشرة للعدوان السعودي، حيث اتهم المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع السعودية بشن غارات جوية، وتحليق طائرات التجسس، وإمداد القوات المناهضة للحوثيين بمختلف أنواع الأسلحة.
وأكد سريع أن الجماعة سترد على ما وصفه بالعدوان السعودي، محذرًا الرياض من تحمل تبعات ما يعتبره جرائم بحق الشعب اليمني.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية لأنها تكشف أن الحوثيين ينظرون إلى القوات اليمنية التي تقاتلهم باعتبارها جزءًا من منظومة مدعومة سعوديًا، وليس قوة يمنية مستقلة بالكامل.
ونشر الإعلام الحربي الحوثي أيضًا مشاهد قال إنها توثق استهداف شاحنات محملة بالعتاد العسكري قادمة من الأراضي السعودية في منطقة الوديعة باستخدام صواريخ باليستية.
وتطرح هذه الرواية، إذا ثبتت مستقلًا، مؤشرًا مهمًا على أن خطوط الإمداد السعودية أصبحت جزءًا من المعركة.
معركة الجوف
والجوف هي إحدى أكثر النقاط التي تتعارض فيها الروايات فالقوات الحكومية والإعلام المؤيد لها يقدمان المعركة باعتبارها تقدمًا عسكريًا واستعادة لمواقع استراتيجية، مع الحديث عن أسر مقاتلين واستسلام آخرين.
أما الحسني فيرى أن فتح الجبهة جاء أساسًا لتخفيف الضغط عن تعز والساحل الغربي وتشتيت الحوثيين.
وفي المقابل، يرى جميح أن تحرك الجوف والبيضاء يمثل جزءًا من عملية أوسع بدأت القوات الحكومية من خلالها الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وبذلك فإن الواقعة الميدانية واحدة، لكن تفسيرها الاستراتيجي مختلف جذريًا.
معركة تعز
وفي تعز تلتقي الروايات المختلفة على حقيقة أساسية: هناك معارك واسعة. ولكن تفسيرها يختلف. فالقوات الحكومية تقدمها باعتبارها معركة لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون، وجميح يراها نتيجة لفشل الهجوم الحوثي على تعز والحديدة، بينما يرى الحسني أن التصعيد جاء ضمن خطة سعودية لتخفيف الضغط عن مصالح المملكة.
وفي 5 سبتمبر، أفادت تقارير بأن الطيران السعودي نفذ ثلاث غارات على مواقع حوثية في تعز، بالتزامن مع معارك أوقعت عشرات القتلى، وهذه الواقعة هي إحدى أهم نقاط الربط بين المعركة اليمنية الداخلية والدور السعودي المباشر.
الحديدة.. الهدف الأكثر حساسية
ورد تسريب يتحدث عن السيطرة على مدينة الحديدة خلال فترة تتراوح بين 10 و15 يومًا، غير أن هذا التوقيت لا يحمل حتى الآن صفة الإعلان الرسمي.
وتكتسب الحديدة أهمية استثنائية لأنها ميناء رئيسي وموقع استراتيجي على البحر الأحمر، كما أن السيطرة عليها ستغير خطوط الإمداد والقدرة الحوثية على استخدام الساحل.
وهنا تتقاطع رواية جميح مع الرواية الحكومية في اعتبار الساحل الغربي جبهة مركزية، بينما يحذر الحسني من أن المعركة قد تكون جزءًا من مشروع سعودي أوسع للسيطرة على الشريط الممتد من الوديعة إلى الحديدة.
المخا وباب المندب
وفي قلب الصراع البحري فإن المخا والحديدة ليستا مجرد مدينتين ساحليتين في الحسابات العسكرية، فالسيطرة على الساحل الغربي تعني الاقتراب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ولهذا فإن هجمات الحوثيين على السفن والموانئ، والعمليات الحكومية المدعومة سعوديًا على الساحل، والغارات السعودية، كلها أصبحت أجزاء من معركة واحدة تتجاوز حدود اليمن.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم تحذير جميح من أن هدف الحوثيين البعيد هو الوصول إلى باب المندب، في مقابل رواية الحوثيين بأن استهداف الملاحة وسيلة للضغط على السعودية.
مأرب والبيضاء
وتمثل مأرب محورًا اقتصاديًا وعسكريًا مهمًا، بينما تشكل البيضاء حلقة وصل بين عدد من مناطق اليمن الوسطى والجنوبية. ويعني فتح جبهات متزامنة في المحافظتين أن القوات المناهضة للحوثيين تحاول منع الجماعة من تركيز قواتها في جبهة واحدة.
ويقرأ جميح هذه التحركات باعتبارها جزءًا من انهيار تدريجي في خطوط الحوثيين، بينما يرى الحسني أنها قد تكون مجرد محاولة لتوزيع قوات الحوثيين وتشتيتها.
وحتى الآن، لا توجد أدلة كافية تسمح بالجزم بأن أيًا من التفسيرين وحده يشرح كامل التحرك العسكري.
السعودية ذاهبة إلى صنعاء
والسؤال الأكثر تداولًا هو: هل تستعد السعودية والقوات اليمنية لمعركة صنعاء؟ فالمؤشرات الحالية لا تثبت وجود قرار سعودي معلن بشن عملية شاملة للسيطرة على العاصمة.
لكنها تثبت شيئًا أقل من ذلك وأكثر واقعية: السعودية عادت إلى استخدام القوة العسكرية داخل اليمن، والقوات الحكومية المدعومة منها فتحت عدة جبهات في الوقت نفسه.
ومن هنا تأتي أهمية تحذير عادل الحسني من "بيع الوهم"، مقابل رؤية محمد جميح التي تعتبر أن الحوثيين ارتكبوا خطأً استراتيجيًا فتح الباب أمام هجوم واسع لاستعادة الدولة.
ويحاول الحوثيون استخدام البحر الأحمر كأداة ضغط على السعودية وحلفائها، بينما ترى الرياض أن حماية موانئها ومصالحها البحرية جزء من أمنها القومي.
وأعلنت السعودية بالفعل عمليات عسكرية داخل اليمن ردًا على الهجمات الحوثية، ما يعني أن دائرة التصعيد أصبحت تشمل: الأراضي اليمنية والحدود السعودية والمنشآت السعودية والبحر الأحمر والموانئ وخطوط الملاحة الدولية.
المشهد حتى 7 سبتمبر 2026 يشير إلى أن السعودية ليست مجرد داعم سياسي بعيد للقوات اليمنية؛ فهناك مشاركة عسكرية مباشرة مثبتة في بعض العمليات، إلى جانب دعم واسع للقوات المناهضة للحوثيين. لكن لا توجد أدلة كافية حتى الآن للقول "إن الرياض بدأت حربًا شاملة جديدة هدفها المباشر إسقاط صنعاء".