“أبوظبي وتل أبيب” تُعيدان تشكيل خريطة الطاقة المصرية.. “إنرجان” تتقدم بعد تراجع “بي بي” البريطانية

- ‎فيتقارير

 تدخل خريطة ملكية أصول الطاقة في مصر مرحلة إعادة تشكيل لافتة، بالتزامن مع تراجع إنتاج الغاز المحلي وتصاعد احتياجات السوق المصرية، وفي الوقت الذي تعيد فيه شركة «بي بي» البريطانية ترتيب محفظتها الاستثمارية بعد أكثر من ستة عقود من العمل في مصر، وفي المقابل، تظهر أسماء جديدة في المشهد، من بينها شركة «إنرجان» ذات الحضور القوي في سوق الغاز لدى الكيان الصهيوني، وشركات إماراتية مرتبطة بمجموعة «أدنوك»، إضافة إلى شركة «ريشيو بتروليوم» التي تنشط في السوق الصهيونية واستحوذت على شركة «فاروس إنرجي» البريطانية.

 

 المشهد لا يتعلق بمجرد انتقال حصص من شركة عالمية إلى مستثمرين آخرين، بل يحدث في قطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بالكهرباء والصناعة والأسمدة والنقل وأمن الطاقة، فيما أصبحت مصر تعتمد بصورة متزايدة على واردات الغاز، ومن بينها الغاز القادم من الاحتلال.

ويمر قطاع الطاقة المصري بمرحلة انتقالية خطيرة، فشركة «بي بي» تعيد هيكلة أصولها، وإنرجان تتوسع في مصر باستثمارات جديدة وتفاوض على أصول إضافية، بينما تدخل شركات إماراتية وإسرائيلية النشاط إلى أجزاء من محفظة الطاقة المصرية، في الوقت الذي تزداد فيه أهمية الغاز القادم من الاحتلال لتلبية احتياجات السوق المحلية.

وتفرض الوقائع سؤالاً أكثر أهمية: هل تعيد مصر بناء قطاع الطاقة على أساس زيادة الإنتاج وتنويع الشركاء، أم أن تراجع الإنتاج المحلي يجعلها تدريجياً أكثر ارتباطاً بشبكة إقليمية يصبح فيها الغاز القادم من الاحتلال ورأس المال الإماراتي والشركات الدولية أطرافاً أكثر تأثيراً في قطاع استراتيجي مصري؟

إنرجان.. 150 مليون دولار للغاز المصري

 

في قلب التحول الجديد تظهر شركة Energean – إنرجان، التي أعلنت التزاماً استثمارياً أولياً يصل إلى 150 مليون دولار خلال أربع سنوات في مصر، يشمل تحسين الإنتاج وأعمال التطوير والاستكشاف.

 

وتكتسب هذه الاستثمارات حساسية إضافية بسبب النشاط الكبير للشركة في سوق الغاز لدى الكيان الصهيوني، حيث تمتلك وتدير أصولاً بحرية رئيسية، من بينها حقلا كاريش وكاريش نورث، إلى جانب أصول أخرى.

 

والأكثر أهمية أن إنرجان لا تكتفي بتوسيع استثماراتها الحالية، بل دخلت في مفاوضات حصرية مع «بي بي» للاستحواذ على جزء من أصولها للنفط والغاز في مصر.

 

وتشمل الصفقة المحتملة حصص «بي بي» في أصول منتجة في منطقة غرب دلتا النيل البحرية، إضافة إلى حصة «بي بي» البالغة 50% في امتياز «التمساح» بالبحر المتوسط.

 

 وهنا تظهر المفارقة الرئيسية في الصفقة: شركة لها حضور واسع في قطاع الغاز لدى الكيان الصهيوني تتجه في الوقت نفسه إلى توسيع وجودها داخل قطاع الطاقة المصري.

غاز الاحتلال

تملك إنرجان وتدير عدداً من أصول الغاز الطبيعي قبالة سواحل الاحتلال، أبرزها كاريش وكاريش نورث، إلى جانب تانين وكاتلان ومناطق استكشاف بحرية.

وبحسب البيانات الواردة في المادة، بلغ إنتاج إنرجان من الغاز في الكيان الصهيوني خلال 2025 نحو 5.6 مليار متر مكعب، وهو ما يعادل قرابة 43% من استهلاك الغاز هناك وفق المقارنة المستخدمة في التقرير.

وبدأت مرحلة التوسع الرئيسية للشركة في هذه السوق بعد استحواذها عام 2016 على حقوق حقلي كاريش وتانين، قبل أن يبدأ كاريش الإنتاج التجاري في 2022 وكاريش نورث في 2024.

الاحتلال في معادلة الطاقة المصرية

 

 في الوقت ذاته تتزايد أهمية الغاز القادم من الاحتلال بالنسبة لمصر، والغاز القادم من الكيان الصهيوني أصبح يوفر ما يتراوح بين 15% و20% من احتياجات مصر الشهرية من الغاز الطبيعي.

 

 أما اتفاقية الغاز الكبرى مع شركاء حقل ليفياثان، فقد بلغت قيمتها المعلنة نحو 35 مليار دولار، في صفقة تجعل العلاقة بين السوق المصرية وقطاع الغاز لدى الاحتلال أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية.

 

 وبذلك تصبح الصورة أكثر تعقيداً: مصر تستورد الغاز من الاحتلال لتغطية جزء من احتياجاتها، وفي الوقت نفسه تدخل شركات ذات حضور قوي في سوق الغاز لدى الكيان الصهيوني إلى أصول جديدة داخل قطاع الطاقة المصري.

الباحث بالمعهد المصري للدراسات محمود  جمال @mahmoud14gamal أشار إلى أنه يبدو أن اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي البالغة قيمتها 35 مليار دولار المبرمة بين مصر وإسرائيل تمضي قدما في نهاية المطاف، بعدما أكدت شركة نيو ميد إنرجي — أحد الشركاء في حقل ليفياثان الصهيوني — استيفاء جميع "الشروط المسبقة" للاتفاقية، وفق إفصاح صادر عن الشركة.

واعتبر أن ارتهان مصر لطرفٍ معادٍ في ملف الغاز الاستراتيجي يُعدّ مخاطرةً سياسية جسيمة، ويمنح هذا الطرف مفتاح ضغط سهل الاستخدام في أي وقت، ولدى مصر مصادر أخرى لاستيراد الغاز، حتى وإن كانت أكثر كلفة وبأسعار أعلى، لأن الملفات الاستراتيجية لا تُدار بمنطق المنفعة الآنية.

وكشف عن أن الملفات الاستراتيجية لا تُدار أيضًا بمنطق التوفير بل تُدار من منظور أمن قومي خالص، لا من زاوية اقتصادية ضيّقة فقط. مضيفا أن المضي قدمًا في صفقة زيادة كميات الغاز الصهيوني إلى مصر، بعد تنازل مصر عن تحفظاتها، يحمل دلالات استراتيجية خطيرة.

مفارقة تستحق المتابعة

 

 المفارقة الأكثر وضوحاً هي شركة إنرجان نفسها؛ فهي تعمل بقوة في سوق الغاز لدى الكيان الصهيوني، وفي الوقت نفسه تسعى إلى زيادة استثماراتها في مصر والاستحواذ على أصول جديدة.

 

 وهذا يجعل صفقة «بي بي» المحتملة أكثر من مجرد عملية تجارية عادية من زاوية المتابعة السياسية والاقتصادية، خصوصاً مع حساسية قطاع الغاز واعتماد مصر المتزايد على الواردات.

 

 لكن الوقائع المتاحة لا تكفي وحدها للقول: "إن هناك توجيهاً سياسياً وراء الصفقة أو أن الكيان الصهيوني يسيطر على قطاع الطاقة المصري"، الأدق هو القول: "إن هناك توسعاً لشركات لها ارتباط قوي بسوق الاحتلال داخل قطاع الطاقة المصري، بالتزامن مع تراجع حصة بعض الشركات الغربية التاريخية".

ولا يعني خروج «بي بي» الجزئي من مصر أنها تغادر البلاد بالكامل، لكنه يمثل إعادة هيكلة كبيرة لمحفظتها.

وتشير البيانات الواردة في المادة إلى أن «بي بي» استثمرت أكثر من 35 مليار دولار في مصر خلال ستة عقود، بينما تراجع إنتاجها من الغاز من نحو 829 مليون قدم مكعب يومياً في 2023 إلى حوالي 518 مليون قدم مكعب يومياً في 2025.

وهكذا، فإن القضية ليست ببساطة «بي بي تخرج من مصر»، وإنما «بي بي تعيد توزيع أصولها، فيما يدخل لاعبون آخرون إلى المواقع التي تتركها أو تقلص حصتها فيها».

بوابة «أركيوس»

قبل صفقة إنرجان المحتملة، شهد القطاع المصري انتقال نحو 49% من حصص «بي بي» في خمسة امتيازات إلى شركة «أركيوس إنرجي»، المرتبطة بمجموعة «أدنوك» الإماراتية.

وشملت الأصول امتياز شمال دمياط وحصة «بي بي» في امتياز شروق الذي يضم حقل ظهر، إلى جانب امتيازات أخرى في مراحل الاستكشاف والتطوير.

 

وبذلك يتزامن دخول رأس المال الإماراتي إلى أجزاء من محفظة «بي بي» مع تحركات شركات أخرى لها نشاط في سوق الغاز لدى الكيان الصهيوني للحصول على أصول مصرية إضافية.

«ريشيو بتروليوم» على خط أصول «فاروس»

 

 التحول الآخر جاء عبر شركة Ratio Petroleum – ريشيو بتروليوم، التي استحوذت على شركة «فاروس إنرجي» البريطانية مقابل نحو 146.4 مليون جنيه إسترليني، بحسب البيانات الواردة في المادة.

 

 وبموجب الصفقة انتقلت إلى ريشيو حصة فاروس البالغة 45% في امتيازي الفيوم وشمال بني سويف، إلى جانب أصول الشركة في فيتنام.

 

 وتكتسب الصفقة أهمية إضافية لأن هذه الامتيازات لا ترتبط فقط بالإنتاج الحالي، وإنما تحمل فرصاً لزيادة الاحتياطيات من خلال برامج الحفر والتطوير.

 

  من مركز إقليمي للغاز إلى الاعتماد على الاستيراد؟

 

 كان اكتشاف حقل ظهر أحد أهم التحولات في تاريخ الغاز المصري الحديث، وعزز الآمال بأن تصبح مصر مركزاً إقليمياً للطاقة.

 

 لكن انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع الاستهلاك غيّرا المعادلة، وأصبحت القاهرة بحاجة إلى سد فجوة متزايدة من خلال الاستيراد، ومن ضمن مصادره الغاز القادم من الاحتلال.

 

 وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي: هل تستطيع مصر استعادة قدرتها على زيادة الإنتاج المحلي، أم أن فجوة الإنتاج والاستهلاك ستجعلها أكثر اعتماداً على مصادر خارجية، وفي مقدمتها الغاز القادم من تل أبيب؟