تستقبل مدارس الجمهورية الطلاب وهى فى حالة يُرثى لها، فلا نظافة ولا مقاعد وحتى الأبواب والشبابيك والتوصيلات الكهربائية غير صالحة للاستخدام .. ورغم ما تُعلن عنه حكومة الانقلاب من مخصصات وميزانيات للتعليم إلا أن الواقع يكشف هذه الأكاذيب فى الوقت الذى يُهدد فيه وزير تعليم الانقلاب محمد عبداللطيف التلاميذ بالفصل فى حالة الغياب .
كانت مدرسة الشهيد أحمد سمير بالقليوبية قد تصدرت المشهد، بعدما كشفت مديرة المدرسة أنها ووكيل المدرسة أنفقا نحو 18 ألف جنيه من مالهما الخاص لتجهيز المدرسة والاستعداد للعام الدراسى الجديد.
هذه الواقعة لم تكن الوحيدة، ففى مشهد آخر ظهر مدير مدرسة وهو يرتدى جلبابا ويشارك بنفسه فى تنظيف المدرسة، بينما ظهر آخر وهو يقوم بتسليك البلاعات فى مدرسته.
هذه المشاهد تكشف عن أزمة أكبر تتعلق بغياب العمالة وضعف إمكانات الصيانة، وتضع المسئولين أمام واقع لا يمكن تجاهله، فإذا كان مدير المدرسة يضطر للنزول بنفسه للتنظيف وإصلاح الأعطال، فأين منظومة الصيانة والنظافة داخل المدارس الحكومية؟
نقص العمالة
تعليقا على ذلك قال الدكتور تامر شوقى أستاذ علم النفس التربوى بكلية التربية فى جامعة عين شمس، إن نقص تمويل المدارس يمثل مشكلة مؤثرة فى العملية التعليمية، خاصة أن التعليم له أولوية قصوى.
وأضاف شوقى فى تصريحات صحفية أن واقعة مدرسة القليوبية تعكس مشكلة أوسع تتعلق بنقص العمالة فى المدارس، وما يترتب على ذلك من تأثير فى مستوى النظافة والصيانة.
وأوضح أن مدير المدرسة أو المعلمين لن يتركوا مدارسهم دون نظافة أو صيانة عند وجود مشكلة، ولذلك قد يضطر بعضهم إلى التدخل وأحيانا تحمل بعض النفقات، لافتا إلى أن هناك مدارس تحصل على ما يسمى بالمشاركة المجتمعية من أولياء الأمور، وقد يتم توجيه جزء منها لتوفير احتياجات المدرسة.
وأشار شوقى إلى أن نقص النظافة والصيانة يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على انتظام الطلاب ومستوى العملية التعليمية، إذ قد يؤدى سوء حالة المدرسة إلى نفور الطلاب من الحضور، كما قد يشعر المعلم بعدم الرضا أثناء أداء عمله، فضلا عن أن وجود مشكلات فى المقاعد أو النوافذ أو مرافق الفصول قد يُشتت تركيز الطلاب أثناء الحصة، موضحا أن هذه العوامل تنعكس فى النهاية على مستوى التحصيل العلمى للطلاب، وتحد من استفادتهم من المعلمين والعملية التعليمية كلها.
توزيع الموارد
وشدد على أنه ليس من الطبيعى أن يتحمل مدير المدرسة أو المعلم أعمالا ليست من اختصاصه، سواء فى النظافة أو الصيانة، محذرا من أن قيام المدير بأعمال النظافة أو الصيانة يزيد من أعبائه وضغوطه، فى الوقت الذى يُفترض أن يركز فيه على مهامه الإدارية والتربوية، وإدارة المشكلات داخل المدرسة، سواء بين الطلاب وبعضهم، أو بين الطلاب والمعلمين، وهو ما يؤثر فى قدرته على أداء دوره الإدارى بكفاءة .
وكشف شوقى أن المشكلة لا ترتبط فقط بضعف التمويل، وإنما تمتد أيضا إلى سوء توزيع الموارد، موضحا أن بعض المدارس قد تعانى نقص الإمكانيات رغم وجود مخصصات للإنفاق على التعليم، وهو ما يستدعى إعادة النظر فى آليات توزيع الموارد واحتياجات كل مدرسة.
وأوضح أن الحد الأدنى المطلوب لتوفير بيئة مدرسية لائقة يبدأ من توفير الإمكانيات الأساسية التى تضمن نظافة المدرسة وسلامة مرافقها، وفى مقدمتها تخصيص ميزانية واضحة لأعمال النظافة والصيانة، بما يتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف الخدمات.
وشدد شوقى على ضرورة توفير العدد الكافى من عمال النظافة داخل المدارس، موضحا أنه لا يمكن أن تعتمد المدرسة على عامل واحد فقط، وإنما يجب أن يتناسب عدد العمال مع مساحة المدرسة وأعداد الطلاب، بما يضمن الحفاظ على مستوى مناسب من النظافة طوال اليوم الدراسى.
وأكد أنه بتوفير هذه المتطلبات يمكن تخفيف الأعباء عن مدير المدرسة والمعلمين، وإتاحة الفرصة لهم للتركيز على أدوارهم التعليمية والإدارية بدلا من الانشغال بأعمال النظافة والصيانة التى لا تقع ضمن اختصاصاتهم الأساسية.
أعمال الصيانة
وأكد الخبير التربوى الدكتور مصطفى كامل أن أوضاع الصيانة والنظافة فى المدارس الحكومية تعد من القضايا المحورية التى تمس صحة الطلاب وسلامتهم، وتؤثر بشكل مباشر على جودة البيئة التعليمية .
وقال كامل فى تصريحات صحفية: رغم ما تعلنه حكومة الانقلاب عن توفير موازنات الصيانة ووضع أدلة ومعايير للنظافة، فإن الواقع يكشف عن تفاوت واضح بين المدارس، موضحا أن أعمال الصيانة تتنوع بين الصيانة البسيطة والوقائية، التى تشمل إصلاح الديسكات والنوافذ والأبواب والتوصيلات الكهربائية، والصيانة الأساسية التى تتضمن ترميم المبانى، وصيانة شبكات الصرف الصحى والأسوار والخزانات.
وأوضح أن إحدى أبرز المشكلات تتمثل فى التأخر فى تنفيذ طلبات الصيانة نتيجة الإجراءات الروتينية، إلى جانب محدودية الموارد المخصصة لبعض أعمال الصيانة البسيطة داخل المدارس، وهو ما يدفع إدارات المدارس أو مجالس الأمناء والآباء أحيانا إلى التدخل لمعالجة الأعطال الطارئة.
مدير المدرسة
وأعرب كامل عن أسفه لأن العبء الأكبر قد يقع فى بعض الأحيان على مدير المدرسة، الذى يضطر إلى تحمل مسئولية توفير بعض الاحتياجات من ماله الخاص أو من خلال مساهمات المعلمين، حرصا على استمرار العملية التعليمية وعدم ترك الطلاب فى بيئة غير مناسبة.
وشدد على أن الصيانة والنظافة ترتبطان بشكل مباشر بسلامة الطلاب، إذ يجب التأكد من خلو الأفنية والممرات من المخلفات وبرك المياه والأسلاك الكهربائية المكشوفة، إلى جانب توفير وسائل الإطفاء ومخارج الطوارئ وإبقائها خالية من أى عوائق
ولفت كامل إلى أن مستوى الصيانة والنظافة يختلف من مدرسة إلى أخرى، إذ تتمتع بعض المدارس الحديثة أو التى تحظى بمشاركة مجتمعية قوية بمستويات أفضل، بينما تواجه المدارس القديمة وذات الكثافات المرتفعة تحديات أكبر.
وطالب وزارة تعليم الانقلاب بمراعاة الجهود التى يبذلها المعلمون ومديرو المدارس خارج نطاق مسئولياتهم، سواء ببذل الوقت والجهد أو تحمل بعض النفقات، مؤكدا أن عدم مكافأتهم على هذه الجهود ينبغى ألا يتحول إلى إحباط لهم، خاصة أنهم يتحركون بدافع الحرص على انتظام العملية التعليمية وتحسين بيئة الطلاب.