"الإنجازات" بين الرواية الرسمية والواقع الاقتصادي والسياسي
فجوة واضحة بين مفهوم الإنجازات كما يُطرح في خطاب المنقلب عبدالفتاح السيسي وحكومته، وبين تقييم المحللين لما تحقق على أرض الواقع؛ فبينما يُفترض أن تُقاس الإنجازات بقدرة المشروعات والسياسات العامة على تحسين مستوى المعيشة، وزيادة الدخول، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الخدمات، يكشف المحللين أن المواطن هو المعيار الأساسي للحكم على نتائج المشروعات والسياسات العامة، وليس حجم المشروعات المعلنة أو عدد المؤتمرات المخصصة لاستعراضها.
فالفئات التي لا تلمس تحسنًا في حياتها اليومية لا تجد مبررًا كافيًا للاحتفاء بها، والمؤتمرات لا تستطيع وحدها تغيير الانطباعات السلبية إذا استمرت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية على حالها.
تراجع قيمة الجنيه
وبوصفه معيارًا لتقييم الأداء الاقتصادي، يمثل سعر الصرف أحد أبرز المحاور التي يمكن من خلالها فهم الانتقادات الموجهة إلى الرواية الرسمية للإنجازات، فارتفاع سعر الدولار وتراجع القوة الشرائية للجنيه يؤثران بصورة مباشرة في تكلفة الواردات والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، كما ينعكسان على قيمة المدخرات ومستوى معيشة الأسر.
ولذلك، فإن أي ارتفاع جديد في سعر الدولار، وصولًا إلى مستوى 53 جنيهًا، يمكن أن يزيد الضغوط على الحكومة عند عرض نتائج سياساتها الاقتصادية، خصوصًا إذا لم يصاحبه تحسن ملموس في دخول المواطنين.
ويشير مراقبون إلى التراجع الكبير في قيمة الجنيه منذ عام 2016، (قرض صندوق النقد الأول والتعويم الأول) ويربطه بتآكل المدخرات وفقدان الأفراد جزءًا كبيرًا من قدرتهم على الاحتفاظ بالقيمة الحقيقية لأموالهم.
وتعبّر هذه المقاربة عن منظور يركز على النتائج التي يشعر بها المواطن مباشرة، بدلًا من الاكتفاء بمؤشرات الاستثمار أو حجم الإنفاق على المشروعات، مع أهمية التقييم للأداء الاقتصادي بناء على التضخم، وتطور الأجور الحقيقية، ومعدلات التشغيل، والإنتاج والصادرات، والاحتياطيات الأجنبية، وتكلفة خدمة الدين.
التضخم وتآكل الطبقة المتوسطة
وفي سياق، اتساع الضغوط الاجتماعية، تحتل تكاليف المعيشة موقعًا محوريًا في الانتقادات الموجهة إلى الحكومة، فارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية يجعلان تقييم الإنجازات مرتبطًا بمدى قدرة السياسات العامة على تخفيف الأعباء عن الأسر، ولا سيما محدودي الدخل والطبقة المتوسطة.
وفي ظل ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق نمو الأجور، قد يشعر المواطن بأن أي تحسن اسمي في دخله لا يترجم بالضرورة إلى تحسن حقيقي في مستوى معيشته.
ويعتبر المراقبون؛ التضخم عامل ضغط على الطبقة المتوسطة والفئات الأدنى دخلًا، وهو مقابل لارتفاع أسعار السلع الأساسية وصعوبة توفير الاحتياجات المنزلية.
وتراجع مستويات المعيشة وانخفاض الاستهلاك ومبيعات الشركات والتوظيف بسياق ترابط الأوضاع الاجتماعية مع الأداء الاقتصادي، إذ لا تقتصر آثار التضخم على ميزانية الأسرة، بل قد تمتد إلى الطلب المحلي والنشاط التجاري وفرص العمل.
تراجع المبيعات والتوظيف
وانخفاض مبيعات المصانع والشركات مثل شركات الأجهزة الكهربائية والاستغناء عن العمال بوصفها مؤشرًا على الضغوط التي تواجه النشاط الاقتصادي حيث أن بعض المنشآت تتجه إلى تقليص العمالة، فبسبب انخفاض الاستهلاك وتراجع مبيعات الشركات ثم تراجع التوظيف يمكن الحديث عن "إنجازات".
ومن منظور اقتصادي، تمثل هذه العلاقة إحدى القنوات التي تنتقل عبرها الضغوط المعيشية إلى الاقتصاد الحقيقي، فعندما تتراجع القوة الشرائية، قد تنخفض مبيعات الشركات في السوق المحلية، بينما تؤدي زيادة تكاليف التمويل ومدخلات الإنتاج إلى تقليص هوامش الربح والاستثمار، وهناك أرقام متداولة عن انخفاض المبيعات بنسبة 60%.
الدين العام وتكلفة خدمة الدين
ويبرز الدين العام كسبب رئيسي في انعدام الإنجازات، فكل مشروع وعملية وفعالية (هي بالدين) وهو أحد العوامل التي تحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها إلى الخدمات العامة وتحسين مستوى المعيشة، وبحسب المحللين يؤدي ارتفاع أعباء الدين إلى توجيه جانب من الإيرادات العامة إلى خدمة الالتزامات المالية بدلًا من تمويل الخدمات والاستثمارات الاجتماعية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند تقييم الإنجازات، لأن حجم الإنفاق على المشروعات لا يكفي وحده للحكم على كفاءته، ما لم يُدرس إلى جانب تكلفته ومصادر تمويله وعائده الاقتصادي والاجتماعي.
ويثير مراقبون نقطة التأثير السياسي للديون والمنح الخليجية وامتلاكها إلى حد ما القرار السياسي، فالعلاقات المصرية الخليجية تتحدث عن تطور الدين والدعم الخليجي وعدم السداد وفي المؤتمر الاقتصادي 2015 كان التنافس الخليجي في استعراض كم القروض والودائع في البنك المركزي التي وصلت لقائد الانقلاب، لمحاربة أن تصبح مصر كاملة الإرادة السياسية.
غياب المنافسة السياسية وأثره الاقتصادي
ويربط مراقبون بين غياب المنافسة السياسية ومحدودية الحوافز التي تدفع السلطة إلى تصحيح السياسات والاستجابة لانتقادات المواطنين، ووفق هذا التصور، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بجودة القرارات الاقتصادية، وإنما أيضًا بالآليات التي تسمح بتقييمها ومراجعتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتقوم هذه الرؤية على أن المنافسة السياسية وحرية التعبير وتداول السلطة يمكن أن توفر قنوات مؤسسية لتقديم بدائل اقتصادية ومقارنة البرامج المختلفة، وفي غياب هذه الآليات، قد تتحول المؤتمرات إلى أدوات للتواصل من جانب واحد، بدلًا من أن تكون مساحات لتقييم الأداء وتصحيح الأخطاء، ومع ذلك، فإن مدى تأثير المؤسسات السياسية في النتائج الاقتصادية يحتاج إلى تحليل يتناول طبيعة السياسات المالية والنقدية، وكفاءة الإدارة العامة، والبيئة الاستثمارية، إلى جانب مستوى المنافسة والمساءلة.
الفساد وسرقة المال العام
وتظهر قضايا الفساد والشفافية؛ باعتبارها عناصر تؤثر في ثقة الجمهور في الخطاب الحكومي، فقد أشارت منصات ومتخصصون إلى أن الفساد في سياق انتقاده لما يسميه إنجازات الجمهورية الجديدة، ووفي ذات اليوم يؤيد ذلك تحرك "برلماني" بشأن تراجع مصر في مؤشر مدركات الفساد العالمي، كما وردت تساؤلات حول بدل سفر لمسؤول في إحدى المؤسسات، مع المطالبة بتوضيح الأساس الإداري والمالي للصرف.
وتشير هذه الموضوعات إلى أن تقييم الإنجازات لا يقتصر على حجم المشروعات أو معدلات النمو، بل يشمل أيضًا كيفية إدارة المال العام، وشفافية التعاقدات، والرقابة على الإنفاق، وإمكانية مساءلة المسؤولين، ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الانتقادات والاتهامات المنشورة على منصات التواصل وبين الوقائع المثبتة بوثائق رسمية أو تحقيقات مستقلة؛ فالتقييم الموضوعي يتطلب التحقق من التفاصيل، وتحديد المسؤوليات، وعدم اعتبار الاتهام دليلًا نهائيًا على وقوع مخالفة.
المؤشرات الكلية والتجربة اليومية
ويحاول الانقلاب وحكومته تسويق معاييره على المعايير الصحيحة المستخدمة للحكم على الأداء الحكومي، فالمؤشرات الكلية، مثل حجم الاستثمارات أو تطوير البنية التحتية أو نمو بعض القطاعات، قد تشير إلى تقدم في مجالات معينة، لكنها لا تعني بالضرورة تحسنًا متوازنًا في دخول الأسر أو فرص العمل أو جودة الخدمات، وفي المقابل، قد تدفع الضغوط اليومية الناجمة عن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة المدخرات بعض المواطنين إلى تقييم الأداء كله بصورة سلبية، حتى عندما توجد نتائج إيجابية في قطاعات محددة.
وتكمن أهمية هذا التباين في ضرورة الفصل بين وجود مشروعات أو استثمارات فعلية وبين قياس عوائدها الاجتماعية والاقتصادية، فالمشروع قد يضيف أصولًا جديدة إلى الاقتصاد، لكن أثره النهائي يعتمد على إنتاجيته، وتكلفة تمويله، وفرص العمل التي يوفرها، ومساهمته في زيادة الصادرات أو إحلال الواردات، ومدى استفادة المواطنين منه، ولذلك، فإن تحليل الإنجازات يحتاج إلى مؤشرات تفصيلية (لا كلية) تسمح بالمقارنة بين التكلفة والعائد، وبين النتائج المعلنة والتغيرات التي طرأت على مستوى المعيشة.
معايير تقييم "الإنجازات"
يتطلب تقييم الإنجازات الحكومية الانتقال من الخطاب العام إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية القابلة للقياس؛ ويشمل ذلك تطور سعر الصرف والتضخم والأجور الحقيقية، ومعدلات الفقر والبطالة، وحجم الاستثمارات الخاصة، والإنتاج الصناعي، والصادرات، وتكلفة خدمة الدين، وجودة الخدمات العامة.
كما يتطلب تحليل الفروق بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية، لأن تحسن متوسط المؤشرات لا يعني بالضرورة استفادة جميع المواطنين بالقدر نفسه.
ومن المهم كذلك التمييز بين الإنجاز المادي، مثل إنشاء طريق أو محطة أو منشأة جديدة، والإنجاز الاقتصادي الذي يظهر في زيادة الإنتاجية أو خفض تكاليف النقل أو توفير فرص عمل مستدامة، والإنجاز الاجتماعي الذي يظهر في تحسن الوصول إلى التعليم والصحة والخدمات الأساسية. وتتيح هذه التفرقة تقييم المشروعات وفق نتائجها الفعلية، بدلًا من الاعتماد على عددها أو حجم الإنفاق عليها وحدهما.
حدود الاستدلال
ورصد مراقبون القضايا التي تكفي لقياس اتجاهات الرأي العام المصري كله، من خلال إثبات صحة جميع الأرقام والكوارث الاقتصادية الواردة فيها، فالعينة المعروضة انتقائية بطبيعتها، وتغلب عليها التعليقات النقدية، ولا تتضمن مسحًا تمثيليًا للمواقف المؤيدة أو المحايدة.
ويمكن الاستفادة منها في تحديد المحاور الرئيسية للجدل، مثل سعر الصرف والتضخم والدين والفساد والمساءلة السياسية وفاعلية المؤتمرات.
ويساعد هذا النهج على التمييز بين تحليل الخطاب العام وبين التقييم الاقتصادي المبني على البيانات، وعلى قراءة الانتقادات باعتبارها مؤشرات على القضايا التي تثير الغضب لدى أصحابها.