كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن وزارة الصحة بحكومة الانقلاب ارتكبت خطأ كبيرا في إجراءاتها لمواجهة تفشي جائحة كورونا، وقالت إن السلطات المصرية استخدمت اختبارا خاطئا في فحص كورونا للقادمين إلى البلاد، وهو ما أسهم في زيادة انتشار الفيروس، وأكدت أن وزراء السيسي وقعوا في الخطأ عندما استخدموا هذا الاختبار الكارثي أمام عدسات وسائل الإعلام.
وتوصل تحقيق "بي بي سي" إلى أن الاختبار الذي استخدمته سلطات الانقلاب اشترته من شركة أرترون الكندية المتخصصة في اختبارات التشخيص المتعلقة بمجموعة متنوعة من الأمراض، وكان اختبار الأجسام المضادة السريع الذي باعته لمصر هو أحد أحدث منتجاتها. المفاجأة التي فجرها التحقيق أن هذا الاختبار ما يزال قيد المراجعة من قبل الهيئة الصحية التنظيمية الكندية، ما يعني أنه غير مرخص للاستخدام في كندا ولكن يمكن تصديره، فضلاً عن أنه لم يتم ترخيص الاختبار من قبل أي جهة صحية تنظيمية أخرى حول العالم.
وأوضحت الشركة الكندية في حديثها لـ"بي بي سي" أن هذا الاختبار يجب أن يستخدم لكشف إذا ما كان الشخص قد تعرض للفيروس سابقاً، وليس لكشف إذا ما كان حاملاً للفيروس الآن، كما كانت تفعل مصر. وبالتالي فإن الاختبار لا قيمة له بل يسهم في تفشي العدوى بين الناس.
وكان مايكل ريان، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية بمنظمة الصحة العالمية، قد حذر الحكومات من الاعتماد على الاختبار السريع كأداة لكشف الإصابات الحالية بالفيروس، لكن حكومة السيسي استمرت في استخدام الاختبار السريع بطريقة خاطئة.
وكشف التحقيق أيضاً أن مصر دفعت في مارس 2020 نحو 1.6 مليون دولار لمستلزمات طبية خاصة بفيروس كورونا استوردتها من كندا، منها أكثر من مليون ونصف المليون دولار على وحدات الاختبار السريع. وينتهي التحقيق إلى أنه رغم إرسال نقابة الأطباء المصرية لتنبيهات وخطابات رسمية للحكومة، تحذر فيها من سوء استخدام تلك الاختبارات، فإن شركة أرترون تقول إن المزيد من وحدات الاختبار في الطريق إلى مصر.
تفاصيل الجريمة
تحقيق البي بي سي يكشف أنه مع بداية شهر مارس 2020، وبعد انتشار حالات الإصابة بفيروس كورونا حول العالم، أغلقت العديد من الدول مطاراتها، لكن السلطات المصرية وجدت وسيلة أخرى لتأجيل تلك الخطوة، حيث أعلنت وزيرة الصحة هالة زايد عن تطور كبير في مواجهة كورونا، وخرجت في مؤتمر صحفي لتعلن عن تعاقد القاهرة لشراء 250 ألف وحدة اختبار سريع، على أن يتم استخدامها للقادمين إلى المطارات، خصوصاً من الدول تشهد انتشاراً كثيفاً للفيروس.
بحسب التحقيق، فإن هناك نوعين من الاختبارات الخاصة بفيروس كورونا: الأول هو اختبار المسحة الطبية والمعروف بـ"اختبار PCR"، ويكون عن طريق مسحة من الأنف أو الفم، ويكشف إذا ما كان الشخص مصاباً بالفيروس حالياً، وتظهر نتيجته خلال يوم أو يومين.
أما الاختبار الثاني فهو اختبار الأجسام المضادة السريع، ويجري عن طريق عينة صغيرة من الدم، ويكشف ما إذا كان الشخص تعرض للإصابة في الماضي، وتظهر نتيجته خلال نصف ساعة.
ووفقا للتحقيق فإن الخطأ الكبير كان عندما اشترت السلطات الاختبار الثاني الذي يكشف عما إذا كانت هنالك إصابة سابقة، بدلاً من الاختبار الأول، وتم استخدامه بالفعل في المطارات.
وحتى توحي الحكومة بصحة إجراءاتها، وإثبات ثقتها بالاختبار، نشرت مقطع فيديو يظهر فيه عدد من الوزراء وهم يتعرضون لهذا الاختبار الخاطئ، ومن بينهم وزيرة الصحة، لكن تزامن ذلك مع شكوك حول الكيفية التي استُخدمت بها هذه الاختبارات التي تظهر نتائجها سريعاً.
نتائج كارثية
واستعرض التقرير عدة شواهد تؤكد كارثية الإجراء:
أولا، نشر التحقيق شهادة لطبيب عمل بوحدة الحجر الصحي في أحد المطارات المصرية، والذي قال إن الاختبار السريع للأجسام المضادة أثار الشكوك حول دقته منذ بداية استخدامه. الطبيب أشار إلى أن اختبار الأجسام المضادة كان يجب ألا يستخدم بهذه الطريقة كحائط دفاع لمنع دخول الفيروس للبلاد، إذ أعطى نتائج غير دقيقة، وأوضح كلامه بالقول: "لم يكن منطقياً بالنسبة لي أن أفحص 300 راكب بالاختبار السريع، وتأتي كافة النتائج سلبية بالرغم من أنهم قادمون من مدينة ميلانو بإيطاليا التي كانت بؤرة وباء كورونا في هذا الوقت".
ثانيا، يتحدث مصري اسمه أحمد خلال التحقيق، ويقول إنه خضع للاختبار السريع في المطار، وجاءت نتيجة سلبية وبعدها توجه إلى عزل إجباري، لكن ساءت حالته بعد أيام في الحجر وطلب إعادة فحصه باختبار المسحة الطبية PCR، فجاءت النتيجة إيجابية وهو ما استدعى إجراء تحليل آخر لزميله في الغرفة وتبين انتقال الفيروس إليه أيضاً وحُوّلا للمستشفى للعلاج.
ثالثا، الخطأ الأكبر جاء مع بداية شهر أبريل 2020، فمع تزايد أعداد الإصابات بفيروس كورونا حول العالم، ورغم تحذيرات مسؤولي منظمة الصحة العالمية من استخدام الاختبار السريع لكشف الفيروس، لم تكتفِ
مصر باستخدام اختبار الأجسام المضادة في المطارات، ولكن بدأت في استخدامه لفحص الطواقم الطبية في المستشفيات أيضاً. حينها أصدرت السلطات تعليمات تنص على ضرورة إجراء الطواقم الطبية تلك الاختبارات قبل خروجهم من المستشفى، وإذا كانت النتيجة إيجابية فقط عندها يتم إجراء اختبار المسحة الطبية "بي سي آر".أثارت تلك التعليمات الجديدة غضب الطواقم الطبية الذين طالبوا باختبار المسحة الطبية عند انتهاء نوبات عملهم، خشية انتقال الفيروس إليهم ومن ثم إلى أسرهم.
رابعا، تحدثت "بي بي سي" هاتفياً مع طبيب يعمل في مستشفى كبير خارج القاهرة، وقال إنه وأربعة من زملائه بالمستشفى شعروا بارتفاع درجة الحرارة والسعال، وعندما ذهبوا إلى مسؤول الاختبارات وطلبوا فحصهم بالمسحة الطبية "بي سي آر"، رفض وأصر على إجراء الاختبار السريع وطبقاً للنتيجة يتم تحديد اختبار المسحة. جاءت نتيجة الأطباء الخمس سلبية، ورُفض طلبهم في اختبار المسحة الطبية، عاد الأطباء إلى منازلهم ولكن أحدهم بقي وأصر على اختبار المسحة الطبية PCR، وجاءت نتيجته إيجابية. بعد يومين علم بقية الأطباء بذلك، فعادوا إلى المستشفى وأصروا على إجراء اختبار المسحة الطبية PCR لهم أيضاً، وظهرت نتائجهم جميعاً إيجابية، وظهرت أيضاً نتائج جميع أفراد عائلاتهم إيجابية ونقلوا إلى المستشفى للعلاج.