استقبل المصريون انقلاب سيارة كبير المطبلين عمرو اديب بارتياح شديد، وتمنى معظمهم أن تكون الحادثة عبرة وعظة لباقي المطبلين، وهو ما جعل المخابرات تتحرك على الفور وتستصدر فتوى من "دار الإفتاء" على مقاس عصابة الانقلاب، مفادها أن الشماتة في "أديب" لا تجوز شرعا، أما شماتة إعلام العسكر في المصريين فتجوز بإجماع المذاهب الأربعة!
وأكدت "دار التطبيل" أن الشماتة بالمصائب والابتلاءات التي تقع للغير ومنها الحوادث والموت؛ ليس خُلُقا إنسانيا ولا دينيا، والشامت بالموت سيموت كما مات غيره، والله تعالى قال عندما شمت الكافرون بالمسلمين في غزوة أحد: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس}.
واستشهدت الدار عبر صفحتها الرسمية على موقع "فيسبوك " بقول النبي ﷺ: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك». مشددة على أن الشماتة والتشفِّيَ في المُصاب الذي يصيب الإنسان أيا كان مخالفا للأخلاق النبوية الشريفة والفطرة الإنسانية السليمة، فعند المصائب يجب الاعتبار والاتعاظ لا الفَرَح والسرور.
دار التطبيل
وليست هذه هي المرة الأولى التي تطبل فيها دار الإفتاء للعسكر بفتوى ذات بعد سياسي، فقد نشرت في فبراير 2019 فيديو رسوم متحركة تناول ظاهرة الإرهاب، وظهر فيه رجل ملتح يرتدي جلبابا أبيض، ويلف حول خصره حزاما ناسفا، وعلقت قائلة إن "التستر على الإرهابيين مشاركة في جرائم الإرهاب"، وهو ما اعتبره كثيرون إساءة للحية وتشويها لصورة المسلمين المتدينين.
وقبل تلك الفتوى وتحت عنوان "لو أن لي دعوة مستجابة"، نشر الحساب الرسمي لـ"دار التطبيل" على موقع تويتر فيديو يدعو فيه لطاعة السفاح عبد الفتاح السيسي ونصرته والدعاء له وعدم مخالفته، ليثير ردودا غاضبة وساخرة، كما أثار علامات استفهام ومقارنات حول دور المؤسسات الدينية في مصر في عهدي السفاح السيسي والرئيس الشهيد محمد مرسي.
وجاء في الفيديو أن "الشريعة الإسلامية ترى أن عمل الحاكم وولي الأمر في سياسة أمور البلاد والعباد من أعظم الأعمال التي يصلون بها إلى رضى الله تعالى، وأن مساندة الحاكم وولي الأمر في القيام بمهام عمله واجب شرعي وضرورة إنسانية، بها يتحقق استقرار الاجتماع الإنساني وبواسطتها تنضبط أمور الحياة وتحفظ العقائد وتقام شعائر الدين".
واقتبس الفيديو عن الفضيل بن عياض قوله "لو أن لي دعوة مستجابة ما سيرتها إلا في الإمام.. فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد"، كما أورد آيات قرآنية وأحاديث نبوية تدعو لطاعة ولي الأمر.
وختم فيديو "دار التطبيل" بأن "مساندة ولي الأمر والنصح له والصبر والمثابرة معه والدعاء له بالتوفيق والبعد عن مخالفته، من سمات المؤمنين الصالحين، وعلى ذلك يجمع العلماء، فنجاح الحاكم في عمله نصرة لدينه وقوة لوطنه ودعم لأبنائه في مستقبل مميز".
وأثار الفيديو ردودا متباينة، لكن غلب على مجملها السخرية والتهكم من دور المؤسسات الدينية في الترويج للحاكم والدعوة لعدم مخالفته، في وقت تساءل فيه آخرون عن سبب ومناسبة وتوقيت مثل هذا الترويج لسفاح مثل السيسي تتهمه منظمات دولية وحقوقية بانتهاكات لحقوق الإنسان.
وعلق أحد المغردين على الفيديو متسائلا: "ماذا عن كلمة الحق في وجه سلطان جائر؟"، وتساءل آخر: "كان مرسي أيضا حاكما فلماذا تم الانقلاب عليه؟" وقالت أخرى "إن دار الإفتاء المصرية تحث البسطاء على مناصرة السيسي عبر خطاب ديني تضليلي استثمرت فيه الآيات والأحاديث في غير موضعها".
واعتبر مغرد أن "دار الإفتاء المصرية لا تختلف كثيرا عن دور الإفتاء الأخرى التي يسخرها الطغاة لنفعهم وخدمتهم وخدمة مشروعهم، وكلها بلا استثناء غير مستقلة في اتخاذ أي قرار".
توظيف العسكر للدين
ووافق برلمان الدم على تعديل قانون تنظيم دار الإفتاء بما ينص على تبعيتها لمجلس وزراء العسكر بدلا من وزارة العدل، واعتبارها كيانا دينيا مستقلا، وهو ما اثار حفيظة الأزهر باعتباره يمس استقلالية الفتوى.
ولطالما أثارت الفتاوى الصادرة عن دار الإفتاء جدلا واسعا، في ظلّ تاريخ كبير لها في توظيف الدين في خدمة السياسة.
وينهي القانون الطريقة التي اعتمدت عام 2012 في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي والتي تقضي بانتخاب المفتي من خلال اقتراع سري مباشر، يصوت فيه أعضاء هيئة كبار العلماء التي يترأسها شيخ الأزهر.
وأعاد فيلم فيديو بثته دار الإفتاء احتفالا بانقلاب 30 يونيو 2013، التساؤلات عن الدور الذي لعبته المؤسسات الدينية الرسمية في دعم الانقلاب العسكري، واستغلال هذه المؤسسات في تشويه رافضي الانقلاب، خاصة جماعة الإخوان المسلمين.
الفيديو الذي بثته دار الإفتاء لمدة دقيقة و50 ثانية، بتقنية الرسوم المتحركة، زعم بأن جماعة الإخوان خوارج العصر الحديث، وأن وجودهم إلى زوال، على يد قوات الجيش والشرطة المصرية، مدعيا بأن شوهوا التاريخ الإسلامي، وتلاعبوا بمشاعر المسلمين؛ من خلال دعوتهم لعودة الخلافة الإسلامية!
ووفق رأي الباحث عبد الله حماد، فإن دار الإفتاء تعد واحدة من مؤسسات معدودة شهدت انتخابات شفافة في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي لاختيار من يقودها، مثلها في ذلك مثل البنك المركزي، والهيئات القضائية، ورؤساء تحرير الصحف القومية، حيث خضع اختيار رؤساء هذه المؤسسات في عهد مرسي لضوابط وضعها أهل الخبرة في كل مؤسسة.
ويؤكد حماد أن دار الإفتاء، على وجه التحديد، ما زالت تخضع لسيطرة مفتيها السابق علي جمعة، الذي رفض مرسي التجديد له، وأصر على إجراء انتخابات يشرف عليها شيخ الأزهر مع هيئة كبار العلماء لاختيار المفتي الجديد، وهي الانتخابات التي جاءت بالدكتور شوقي علام مفتيا لمصر، قبل الانقلاب بأشهر.
ويضيف حماد: "علي جمعة ودار الإفتاء لعبوا دورا كبيرا في شرعنة الانقلاب، وجواز سفك الدماء، وفض الاعتصامات بالقوة، ومنحوا القوات المسلحة كل الفتاوى التي جعلتها دولة فوق الدولة، وكان جمعة هو أول من أطلق مصطلح الخوارج على جماعة الإخوان، حتى قبل أن تصنفها حكومة حازم الببلاوي كمنظمة إرهابية".
ويشير إلى أن استخدام المؤسسات الدينية لم يقف عند حد تأييدها الانقلاب لإزاحة الإخوان وحلفائهم من التيارات الإسلامية الأخرى عن المشهد السياسي والفكري والديني، وإنما الخطورة أن هذه المؤسسات، وقفت متفرجة على الحملة التي شنها السفاح السيسي وإعلامه ضد القيم والتعاليم الإسلامية بحجة تجديد الخطاب الديني. مؤكدا أن "الأخطر من ذلك هو موافقة دار الإفتاء باعتبارها المؤسسة الدينية المعنية على كل أحكام الإعدامات التي أصدرها قضاة الانقلاب ضد معارضي السفاح السيسي، رغم أن معظم هذه القضايا مفبركة وليس عليها أدلة".