تحقيقات موسعة في « فساد منظومة العدالة الكسب غير المشروع» داخل المحاكم والنيابات.. أكثر من 80 موظفًا في 30 قضية وملف 7 قضاة تحت الفحص

- ‎فيتقارير

استشرى الفساد في نظام الانقلاب فلا تجد جهة ولا مصلحة الا والفساد ينخر في أعماقها، ومن فساد صارخ في المحليات الي انتشار الرشاوي في الجهاز الاداري، حتى وصل الفساد الي منظومة العدالة ممثلًا صدمة قاسية للمصريين.

تجري وزارة العدل، ممثلة في جهاز الكسب غير المشروع، فحصًا ماليًا واسع النطاق للعاملين داخل الجهاز الإداري للعدالة، يشمل موظفي المحاكم والنيابات ومحكمة النقض، وذلك منذ 15 يوليو 2026، بالتزامن مع تزايد القضايا التي كشفت عن وقائع رشوة والتلاعب في إجراءات القضايا والتعامل بالمخالفة للقانون مع مستندات ومسودات أحكام.

وبحسب مصدرين قضائيين تحدثا إلى منصة  "متصدقش"، أحدهما في المكتب الفني لوزير العدل والآخر في جهاز الكسب غير المشروع، فإن التحرك يستهدف مراجعة مصادر أموال العاملين ومدى تناسبها مع دخولهم الوظيفية، إلى جانب التوسع في فحص إقرارات الذمة المالية للعاملين في المواقع الإدارية الحساسة داخل المحاكم والنيابات ومحكمة النقض.

ولا يعني طلب إقرار الذمة المالية أو إخضاعه للفحص أن صاحبه أصبح متهمًا، كما أن امتلاك عقار أو سيارة أو حساب مصرفي أو حدوث زيادة في الممتلكات لا يمثل بذاته دليلًا على ارتكاب جريمة، وإنما ينصب الفحص على مصدر الأموال ومدى مشروعيتها وتناسبها مع الدخل، وما إذا كانت هناك مستندات أو أسباب قانونية تفسر الزيادة.

 

تحرك استثنائي لفحص إقرارات الذمة المالية

وحصلت "متصدقش" على مستند رسمي صادر عن الإدارة العامة للموارد البشرية بمحكمة النقض، يتضمن مطالبة عدد من الموظفين بسرعة تقديم إقرارات الذمة المالية الحديثة، واستيفاء البيانات والتوقيع عليها وإرفاق صورة من بطاقة الرقم القومي.

وتوضح المصادر أن الإجراء يتجاوز مجرد استكمال المستندات الإدارية، إذ يمكن إحالة الملفات إلى الجهات المختصة للفحص متى توافرت الشروط والأسباب القانونية، وذلك في إطار التحرك الذي توسعت فيه وزارة العدل خلال الفترة الأخيرة لمراجعة الأوضاع المالية للعاملين.

ويأتي ذلك رغم أن موظفي محكمة النقض كانوا قد قدموا إقراراتهم في 2022، ومحاكم الاستئناف في 2023، والنيابات في 2024، وفق المصادر، وهي مدد لم تصل إلى خمس سنوات، وهي الفترة المحددة لتقديم الإقرار وفق قرار وزير العدل الصادر في يناير 2022.

وبحسب المصدرين، فإن مطالبة العاملين بتقديم الإقرارات خلال العام الحالي جاءت بصورة استثنائية، بالتزامن مع تزايد وقائع ضبط موظفين في قضايا جنائية مختلفة.

 

أكثر من 80 موظفًا في 30 قضية

وتشير المعلومات التي حصلت عليها "متصدقش" إلى أن الجهات الرقابية والأمنية، بالتنسيق مع الجهات المختصة، ضبطت خلال الفترة محل الفحص أكثر من 80 موظفًا في قطاعات النيابة العامة ومحكمة النقض ومحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية، موزعين على أكثر من 30 قضية جنائية مستقلة.

وتنوعت الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، بحسب المصادر، بين طلب وتلقي رشاوى، والتلاعب في إجراءات أو مواعيد مرتبطة بالقضايا، وتسريب مسودات أحكام، فضلًا عن وقائع تتعلق بإخفاء أو اختلاس مستندات وأحراز.

وتخضع كل واقعة على حدة للتحقيق وفق الإجراءات القانونية، ولا تعني الإحالة أو الاتهام ثبوت المسئولية الجنائية إلا بحكم قضائي نهائي.

 

7 قضاة وبلاغات ضد أكثر من 10 آخرين

وبالتوازي مع فحص ملفات الموظفين، تشير المعلومات التي حصلت عليها "متصدقش" إلى تورط 7 قضاة في قضايا خلال الفترة الممتدة من أبريل 2025 إلى يونيو 2026، إلى جانب ورود شكاوى وبلاغات ضد أكثر من 10 آخرين من أعضاء جهات وهيئات قضائية مختلفة.

وتتعلق البلاغات والشكاوى، بحسب المصادر، باتهامات مالية والتربح وممارسة أعمال تجارية واستغلال النفوذ، فيما تتولى الجهات المختصة فحص كل واقعة بصورة منفصلة، وفق طبيعة البلاغ والأدلة المتاحة.

وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة عندما تتصل بعلاقات بين أصحاب سلطة وظيفية داخل المنظومة القضائية وموظفين يعملون في المحاكم والنيابات، لما قد يترتب على إساءة استخدام النفوذ من تأثير على سير الإجراءات أو مصالح المتقاضين.

وسبق أن كشفت "متصدقش "عن قضية تتعلق بقاضيين بدرجة رئيس بمحكمة الاستئناف، متهمين في وقائع مرتبطة بإحدى شبكات التلاعب والرشوة، وتجري محاكمتهما حاليًا، وفق التقرير.

 

مسودة حكم مقابل 100 ألف جنيه وسبائك ذهبية

ومن أبرز القضايا التي تكشف طبيعة المخاطر التي دفعت إلى تشديد الفحص، القضية رقم 4119 لسنة 2026 جنايات أمن الدولة العليا، التي تضم أربعة متهمين، بينهم ثلاثة موظفين بمحكمة النقض ومالك شركة.

وبحسب أمر الإحالة، الذي حصلت عليه "متصدقش" شملت قائمة المتهمين حارس مسعد، 43 عامًا، موظفًا بمحكمة النقض وأمين سر إحدى الدوائر المدنية والتجارية والضريبية، وأسامة أحمد، 53 عامًا، موظفًا بالمحكمة وأمين سر الدائرة ذاتها، وخالد حسن، 57 عامًا، موظفًا بمحكمة النقض.

ووفق الاتهامات الواردة في أمر الإحالة، أُسند إلى المتهمين الأول والثاني طلب وأخذ عطايا على سبيل الرشوة، مقابل الإخلال بواجبات وظيفتهما.

وتضمنت الواقعة، بحسب أمر الإحالة، طلب مبلغ 100 ألف جنيه بواسطة المتهم الرابع، مع حصول المتهم الأول على سبيكة ذهبية قيمتها 8 آلاف جنيه، وحصول المتهم الثاني على 4 آلاف جنيه، مقابل إفشاء أسرار الطعن رقم 21987 لسنة 93 قضائية، ومن بينها مسودة الحكم، وفق ما ورد في التحقيقات. وأُسند إلى المتهم الثالث تقديم الرشوة، بينما نُسب إلى المتهم الرابع التوسط في طلبها وتقديمها.

وتكشف هذه القضية، إذا ثبتت الاتهامات أمام القضاء، عن حساسية المعلومات الموجودة داخل الملفات القضائية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسودة حكم قبل إعلانها رسميًا، إذ يمكن أن تتحول المعلومة القضائية غير المعلنة إلى وسيلة للتربح أو التأثير في مصالح أطراف النزاع.

 

شكاوى بشأن استغلال النفوذ

ولا تقتصر الملفات التي تخضع للفحص على وقائع الرشوة والتلاعب في المستندات، إذ تشير المصادر إلى ورود شكاوى وبلاغات تتعلق باستغلال بعض القضاة نفوذهم في التعامل مع موظفين.

وتختلف هذه الوقائع، حال ثبوتها، عن الرشوة التقليدية التي يكون فيها صاحب مصلحة خارجي طرفًا في تقديم المال، إذ ينصب الفحص هنا على طبيعة العلاقة الوظيفية نفسها، ومدى استخدام السلطة أو النفوذ لدفع موظف إلى اتخاذ إجراء خارج نطاق اختصاصه أو بالمخالفة للقواعد المنظمة للعمل.

وتظل هذه البلاغات في إطار الفحص والتحقيق ما لم تنتهِ الجهات القضائية المختصة إلى ثبوتها بأحكام نهائية.

 

هل ينجح الفحص المالي في سد الثغرات؟

يعكس التوسع في فحص إقرارات الذمة المالية محاولة لاستخدام الأدوات القانونية المتاحة لرصد أي زيادات غير مبررة في الثروة، خصوصًا داخل المواقع التي تتعامل يوميًا مع ملفات القضايا والمستندات والأحراز والمعلومات غير المعلنة.

لكن حجم القضايا والبلاغات التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة يطرح سؤالًا أوسع حول قدرة إجراءات الرقابة السابقة واللاحقة على منع استغلال الوظيفة، وليس فقط اكتشاف المخالفات بعد وقوعها.

فإلزام العاملين بتقديم إقرارات مالية، وتشديد الرقابة على الموظفين، والتحقيق في وقائع الرشوة والتلاعب، تمثل أدوات مهمة، لكن فاعليتها تظل مرتبطة بقدرة أجهزة الرقابة على الوصول إلى مصادر الأموال الحقيقية، وسرعة التحقيق، ووضوح المسئوليات، وإعلان نتائج المحاسبة للرأي العام في الحالات التي يسمح القانون بإعلانها.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بمجرد مخالفات مالية منفصلة، بل بثقة المتقاضين في منظومة العدالة نفسها؛ إذ إن أي تلاعب في مستند أو موعد أو مسودة حكم، أو أي استغلال للنفوذ داخل المحاكم والنيابات، يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على حق المواطنين في محاكمة وإجراءات عادلة.

ومن هنا تأتي أهمية أن تنتهي التحقيقات الحالية إلى نتائج واضحة تحدد المسئوليات، وتكشف أوجه القصور التي سمحت بوقوع المخالفات، وتضع آليات تمنع تكرارها، مع الالتزام الكامل بقرينة البراءة وعدم اعتبار الاتهام أو البلاغ دليلًا على الإدانة قبل صدور أحكام قضائية نهائية.