الصورة الأوسع هي أن تل أبيب أصبحت خلال السنوات الأخيرة محطة اتصال مهمة لعدد من الفاعلين الإقليميين، بعضهم دول وحكومات، وبعضهم قادة عسكريون أو أطراف مسلحة، وأن الجزء المعلن من هذه العلاقات لا يمثل بالضرورة كل ما يجري في القنوات الأمنية الخلفية.
وتحدثت تقارير عبرية جديدة تتحدث عن زيارات سرية لقادة بارزين في قوات الدعم السريع السودانية إلى "إسرائيل"، في مقدمتهم عبد الرحيم دقلو، شقيق قائد مليشيات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وضمن ملف العلاقات السرية والمعلنة مع قوى الثورة المضادة العربية.
وأعادت الزيارة إلى الواجهة سلسلة من الوقائع السابقة التي شملت زيارة محمود السيسي، نجل عبد الفتاح السيسي والقيادي السابق في جهاز المخابرات العامة، إلى "إسرائيل" على رأس وفد أمني، وكذلك الزيارة السرية التي قام بها صدام حفتر، نجل اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، إلى تل أبيب حاملاً رسالة من والده، فضلًا عن الزيارات العلنية المتكررة لمسؤولين ووزراء إماراتيين إلى تل أبيب منذ توقيع اتفاقات أبراهام.
وهو دليل على وجود غرفة عمليات واحدة تجمع هذه الأطراف، ويكشف اتساع شبكة الاتصالات الأمنية والسياسية غير المعلنة أو منخفضة الظهور بين الكيان وقوى إقليمية مضادة للربيع العربي فاعلة في مصر وليبيا والسودان والإمارات وربنا غيرها مثل المغرب علنا وتونس سرا.
وفي 30 أغسطس 2026، نشرت وسائل إعلام عبرية أن عبد الرحيم دقلو، زار "إسرائيل" سرًا عدة مرات خلال السنوات الثلاث التي اندلعت فيها الحرب السودانية.
وبحسب ما أوردته التغطيات، فإن الزيارات لم تقتصر على عبد الرحيم دقلو، وإنما تحدثت المصادر العبرية عن قيام عدد من كبار قادة قوات الدعم السريع وأفراد من عائلة حميدتي بزيارات إلى الكيان.
المعلومة الجديدة مهمة لأنها تأتي في سياق تاريخ سابق من الاتصالات بين حميدتي وإسرائيل. ففي عام 2020، تحدث حميدتي علنًا عن رغبته في إقامة علاقات مع الكيان والاستفادة من قدراتها التقنية، قائلًا إن "إسرائيل دولة متقدمة وإن السودان يريد معرفة أين تكمن مصلحته"!.
كما ظهرت خلال السنوات الماضية تقارير تتحدث عن تعاون أمني وتقني محتمل بين الكيان الصهيوني وقوات الدعم السريع، بما في ذلك ادعاءات حول حصول القوات على تقنيات مراقبة وتجسس.
لكن التغطية الجديدة نفسها تؤكد نقطة مهمة: تفاصيل الزيارات السرية لا تزال محدودة، ولا توجد حتى الآن معلومات رسمية منشورة تحدد تواريخها الدقيقة أو أسماء المسؤولين في تل أبيب الذين التقى بهم دقلو. ولذلك فإن الثابت حاليًا هو أن وسائل إعلام عبرية نسبت هذه المعلومات إلى مصادر وتقارير، وليس أن من قبيل إعلان رسمي من حكومة الاحتلال بقيادة بنيامين نتنياهو.
زيارة أمنية كُشف عنها في 2022
قبل واقعة دقلو بسنوات، كانت "إسرائيل" قد شهدت زيارة أثارت جدلًا واسعًا تتعلق بمصر، وفي يناير 2022، كشفت صحيفة «العربي الجديد» نقلًا عن مصادر مصرية خاصة أن محمود السيسي، زار "إسرائيل" على رأس وفد أمني.
وبحسب المصادر التي تحدثت إليها الصحيفة آنذاك، تضمنت الزيارة اجتماعات مع مسؤولين أمنيين "إسرائيليين"، وتركزت على ملفات مرتبطة بالعلاقات المصرية مع الكيان، وقطاع غزة، وملفات أمنية وسياسية أخرى.
وأشارت تقارير أخرى في ذلك الوقت إلى أن الزيارة كانت مرتبطة بتنسيق أمني حول عدد من الملفات، من بينها قطاع غزة، ومن الضروري هنا عدم تحويل التقارير الصحفية إلى حقيقة رسمية غير معلنة؛ فالزيارة نُشرت باعتبارها معلومة حصلت عليها وسائل إعلام من مصادر، ولم تكن في حينها زيارة رسمية معلنة على النحو الذي كانت عليه زيارات مسؤولين مصريين آخرين إلى إسرائيل.
صدام حفتر في تل أبيب
وفي نوفمبر 2021، كشفت صحيفة «هآرتس» العبرية أن صدام حفتر، نجل اللواء خليفة حفتر، قام بزيارة سرية خاطفة إلى "إسرائيل".
وبحسب التقرير الذي نقلته وسائل إعلام عربية، وصل صدام حفتر إلى مطار بن غوريون قادمًا من دبي على متن طائرة خاصة، ومكث في "إسرائيل" نحو ساعة ونصف، قبل أن تغادر الطائرة باتجاه ليبيا، مع تقارير قالت إنها توجهت بعد ذلك إلى مصر.
والأكثر أهمية في الرواية أن صدام حفتر لم يكن، بحسب التقرير، في زيارة شخصية؛ وإنما حمل رسالة من والده خليفة حفتر إلى مسؤولين صهاينة بعينهم، تتعلق بطلب دعم عسكري وسياسي مقابل احتمال إقامة علاقات دبلوماسية بين ليبيا وإسرائيل مستقبلًا.
كما تحدثت «هآرتس» عن اتصالات سابقة بين خليفة حفتر وشخصيات من جهاز الموساد.
الإمارات التبجح بالزيارات
إذا كانت زيارات دقلو ومحمود السيسي وصدام حفتر قد ظهرت أساسًا عبر تسريبات أو مصادر صحفية، فإن الحالة الإماراتية مختلفة جذريًا.
فالإمارات أقامت علاقات دبلوماسية معلنة مع "إسرائيل" في إطار اتفاقات أبراهام عام 2020، ومنذ ذلك الحين تحولت الاتصالات بين الطرفين إلى علاقات رسمية تشمل التجارة والدبلوماسية والأمن والاقتصاد.
وفي سبتمبر 2022، قام وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان بأول زيارة رسمية له إلى إسرائيل، في زيارة استمرت عدة أيام والتقى خلالها مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى.
وزارة الخارجية الإماراتية: زيارة عبد الله بن زايد إلى تل أبيب في 2022.
وتكشف وزارة الخارجية الإسرائيلية عن رقم لافت: ففي حصيلة علاقات عام 2022، قالت "إن 11 وزيرًا إماراتيًا زاروا الكيان، مقابل سبع زيارات لوزراء صهاينة إلى الإمارات".
وهو رقم وحده يكشف مدى اتساع قنوات الاتصال بين البلدين، والتي لم تعد تقتصر على وزارتي الخارجية، وإنما شملت وزارات وملفات اقتصادية وأمنية واستثمارية متعددة.
وفي مايو 2023، شارك أحمد بن علي الصايغ، وزير دولة إماراتي، في الاستقبال الرسمي الذي أقامه الكيان في الإمارات بمناسبة عيد استقلالها، إلى جانب السفير الإماراتي في الكيان ومسؤولين حكوميين ورجال أعمال.
تفاصيل مشاركة وزير الدولة الإماراتي في الاستقبال الإسرائيلي بأبوظبي
وفي مايو 2026، أعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أن نتنياهو قام بزيارة سرية إلى الإمارات خلال الحرب مع إيران والتقى الإماراتي الشيخ محمد بن زايد.
لكن أبوظبي نفت ذلك رسميًا، وقالت وزارة الخارجية الإماراتية إن العلاقات بين البلدين معلنة!، وإن أي حديث عن زيارات غير معلنة أو ترتيبات سرية لا أساس له ما لم تعلن عنه الجهات الإماراتية الرسمية.
وفي المقابل، نقلت رويترز عن مصادر أن رئيس الموساد ديدي برنياع زار الإمارات مرتين على الأقل خلال الحرب، بهدف التنسيق بشأن العمليات العسكرية، وهي معلومات تأتي في سياق تقارير أوسع عن التعاون الأمني بين الطرفين.
ووفي يونيو 2026، ظهرت تقارير إعلامية إسرائيلية جديدة تحدثت عن زيارة سرية لوفد أمني إماراتي رفيع المستوى إلى تل أبيب خلال الحرب مع إيران، في إطار التنسيق الأمني والعسكري بين الجانبين.
والعلاقة الإماراتية الصهيونية ليست سرية من حيث المبدأ، لكن بعض تفاصيلها الأمنية والعسكرية لا تزال تُدار بعيدًا عن الأضواء.
وثمة قاسمًا مشتركًا ف"إسرائيل" باتت طرفًا حاضرًا في اتصالات أمنية وسياسية مع قوى لا تنتمي إلى معسكر سياسي واحد، بل تتباين مصالحها وأهدافها بشدة، كما أن بعض هذه الاتصالات مر عبر الإمارات أو ارتبط بها جغرافيًا أو سياسيًا، مثل رحلة صدام حفتر التي انطلقت من دبي، في حين أن العلاقة الإماراتية "الإسرائيلية" نفسها أصبحت واحدة من أكثر العلاقات العربية الإسرائيلية تطورًا منذ اتفاقات أبراهام.