العجز التجاري يقفز 45% في 6 أشهر.. الواردات تتسع والصادرات تعجز عن اللحاق بهدف الـ100 مليار دولار

- ‎فيتقارير

في الوقت الذي تواصل فيه حكومة الانقلاب الترويج لهدف زيادة الصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، تكشف أحدث بيانات التجارة الخارجية عن استمرار اتساع الفجوة بين الصادرات والواردات، مع قفزة كبيرة في العجز التجاري خلال النصف الأول من عام 2026.

وأظهرت النشرة الشهرية للتجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 7 سبتمبر 2026، ارتفاع العجز التجاري بصورة حادة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مدفوعًا بشكل أساسي بالنمو الكبير في الواردات، مقابل زيادة محدودة في الصادرات.

وتشير البيانات إلى أن إجمالي العجز التجاري بلغ نحو 33 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، مقابل 22.8 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت 10.24 مليار دولار، وبنسبة ارتفاع تقارب 44.7%.

وفي المقابل، ارتفعت الواردات إلى نحو  61  مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مقارنة بنحو 48.9 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما لم تتجاوز الصادرات نحو 28 مليار دولار، مقابل 26 مليار دولار خلال الفترة المقارنة.

وبذلك، جاء نمو الواردات أكبر بكثير من نمو الصادرات، بما أدى إلى اتساع فجوة الميزان التجاري بدلًا من تضييقها.

العجز غير البترولي يقفز 51.9%

كانت الصورة أكثر حدة عند استبعاد قطاع البترول، إذ ارتفع العجز التجاري غير البترولي خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 51.9% على أساس سنوي.

وبلغ العجز غير البترولي نحو 23.8 مليار دولار، مقابل 15.7 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت نحو 8.16 مليار دولار.

ويعود الجزء الأكبر من هذه الزيادة إلى ارتفاع فاتورة الواردات غير البترولية إلى نحو 47.9 مليار دولار، مقابل 39.5 مليار دولار خلال النصف الأول من العام السابق، بزيادة نسبتها 21.4%.

وفي المقابل، لم تحقق الصادرات غير البترولية سوى نمو محدود، إذ ارتفعت من 23.8 مليار دولار إلى 24.1 مليار دولار، بنسبة لا تتجاوز 1.2%.

وتكشف هذه الأرقام عن مشكلة جوهرية في هيكل التجارة الخارجية، تتمثل في أن زيادة الصادرات لا تزال أبطأ بكثير من نمو الطلب على الواردات، بما يجعل هدف رفع الصادرات دون معالجة أسباب تضخم فاتورة الاستيراد غير كافٍ لتقليص العجز.

الذهب.. فاتورة استيراد تقفز 1588%

كان الذهب الخام غير النقدي من أبرز البنود التي شهدت قفزة استثنائية في الواردات.

وارتفعت قيمة واردات الذهب الخام خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 4.05 مليار دولار، مقابل 240 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت نحو 3.81 مليار دولار، وبنسبة ارتفاع وصلت إلى 1588%.

وتواصل بذلك فاتورة واردات الذهب ارتفاعها، بعدما بلغت خلال عام 2025 نحو 996.2 مليون دولار، مقارنة بنحو 139.2 مليون دولار في 2023، بزيادة كبيرة خلال عامين.

وجاءت زيادة الطلب على الذهب خلال السنوات الماضية في ظل تراجع قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم وتكرار عمليات التعويم، إذ اتجه قطاع من المصريين إلى شراء الذهب، خصوصًا السبائك، باعتباره وسيلة للحفاظ على قيمة المدخرات.

وكانت مشتريات المصريين من الذهب قد ارتفعت بصورة ملحوظة في 2022، لتصل إلى نحو 51.5 طنًا، مقابل 33.8 طنًا في 2021، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.

لكن ارتفاع واردات الذهب بهذا الحجم يعني في الوقت نفسه استنزاف جزء من العملة الأجنبية المتاحة للاستيراد، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من ضغوط مستمرة على موارد النقد الأجنبي.

الغاز.. الاستيراد يرتفع مع تراجع الإنتاج

لم تتوقف الضغوط على فاتورة الاستيراد عند الذهب، إذ قفزت أيضًا تكلفة استيراد الغاز الطبيعي.

وارتفعت قيمة واردات الغاز الطبيعي خلال أول ستة أشهر من 2026 إلى نحو 6.04 مليار دولار، مقابل 3.49 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت 73%.

وتزامنت هذه القفزة مع استمرار تراجع إنتاج مصر المحلي من الغاز.

وبحسب بيانات منصة «الطاقة»، بلغ متوسط إنتاج الغاز الطبيعي المصري خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 3.69 مليار قدم مكعب يوميًا، مقابل 4.02 مليار قدم مكعب يوميًا في الفترة نفسها من العام الماضي، بتراجع نسبته 8.2%.

وهكذا تواجه مصر معادلة مزدوجة؛ إنتاج محلي يتراجع، وحاجة متزايدة إلى الاستيراد لتوفير احتياجات السوق، بما يرفع فاتورة الطاقة ويضغط على الميزان التجاري.

كما ارتفعت قيمة واردات البترول الخام إلى نحو 2.2 مليار دولار، مقابل نحو 604.7 مليون دولار خلال الفترة المقارنة، بزيادة تقارب 1.6 مليار دولار، وبنسبة وصلت إلى 265%.

وتزامن ارتفاع فاتورة استيراد النفط مع موجة صعود في أسعار الخام خلال النصف الأول من العام، بما زاد من تكلفة توفير احتياجات السوق المحلية.

ارتفاع أسعار النفط.. مكاسب للصادرات وخسائر للواردات

لم يكن ارتفاع أسعار النفط سلبيًا على جانب واحد من الحسابات، إذ استفادت الصادرات البترولية أيضًا من زيادة الأسعار.

فقد ارتفعت قيمة صادرات منتجات البترول خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 90%، لتسجل نحو 3.28 مليار دولار، مقابل 1.73 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.

وبذلك ساهم ارتفاع قيمة النفط في دعم حصيلة الصادرات البترولية، إلى جانب ما أعلنته وزارة البترول من زيادة معدلات الإنتاج خلال الفترة نفسها.

لكن هذا التحسن لم يكن كافيًا لتعويض الارتفاع الكبير في فاتورة الواردات، خصوصًا مع زيادة احتياجات البلاد من الغاز والنفط الخام.

وكانت حكومةالانقلاب قد أعلنت في مارس 2026 رفع أسعار الوقود والسولار بنسب تراوحت بين 14.3% و17.1%، بعد أيام من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في ظل ارتفاع الضغوط على أسعار الطاقة.

الفواكه تتقدم.. والغذاء الصحي يتراجع 

على الجانب الآخر، أظهرت البيانات ارتفاع صادرات الفواكه الطازجة بنسبة 41.7% خلال النصف الأول من 2026، لتصل إلى نحو 1.8 مليار دولار، مقابل 1.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

ويعكس ذلك استمرار قدرة بعض القطاعات الزراعية على زيادة صادراتها والوصول إلى أسواق خارجية، إلا أن نمو الصادرات الزراعية يأتي بالتزامن مع ضغوط متزايدة على قدرة الأسر المصرية على تحمل تكاليف الغذاءالصحي.

ووفق دراسة للبنك الدولي صدرت في يونيو الماضي، فإن نحو ربع الأسر المصرية يقع بالقرب من عتبة القدرة على تحمل تكلفة الغذاء الصحي، ما يعني أن أي انخفاض في الدخل أو زيادة إضافية في الأسعار يمكن أن تدفع شريحة من الأسر إلى فقدان القدرة على توفير نظام غذائي صحي.

وهنا تظهر مفارقة أخرى في هيكل الاقتصاد؛ فزيادة الصادرات الزراعية قد توفر العملة الأجنبية، لكنها لا تعني بالضرورة تحسن قدرة المواطنين على شراء الغذاء، خصوصًا مع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.

الولايات المتحدة والصين.. العجز يتسع

وعلى مستوى الشركاء التجاريين، سجل العجز التجاري مع الولايات المتحدة أحد أكبر معدلات الزيادة.

فقد ارتفع العجز لصالح الولايات المتحدة خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 65.3%، ليصل إلى نحو 6.74 مليار دولار، مقابل 4.08 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.

وجاء ذلك نتيجة ارتفاع واردات مصر من الولايات المتحدة إلى نحو 8.2 مليار دولار، مقابل 5.5 مليار دولار، في حين ارتفعت الصادرات المصرية إليها بشكل محدود من 1.4 مليار دولار إلى 1.5 مليار دولار.

أما الصين، التي تمثل أحد أكبر مصادر العجز التجاري المصري، فقد ارتفع العجز معها بنسبة أقل بلغت نحو 9.4%، ليسجل 9.6 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 8.8 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.

وتعكس هذه الأرقام استمرار اعتماد السوق المصرية بصورة كبيرة على السلع والمنتجات المستوردة من الخارج، خصوصًا في ظل ضعف قدرة الإنتاج المحلي على إحلال الواردات في عدد من القطاعات.

صادرات مصر إلى إسرائيل تقفز 24.3%

وفي ملف التجارة مع إسرائيل، انخفض العجز التجاري المصري خلال النصف الأول من العام بنسبة 7.3%، ليسجل نحو 1.01 مليار دولار مقابل 1.09 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.

وجاء الانخفاض نتيجة تراجع الواردات المصرية من إسرائيل إلى نحو 1.19 مليار دولار، مقابل 1.23 مليار دولار في الفترة المقارنة، بالتزامن مع ارتفاع الصادرات المصرية إليها.

وقفزت الصادرات المصرية إلى إسرائيل بنسبة 24.3%، لتصل إلى نحو 174.2 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 140.1 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

لكن التطور اللافت ظهر في يونيو 2026 تحديدًا، عندما شهدت حركة التجارة بين الجانبين قفزة كبيرة.

فقد ارتفعت الصادرات المصرية إلى إسرائيل خلال يونيو بنسبة 147.9%، لتصل إلى 38.9 مليون دولار، مقابل 15.7 مليون دولار في يونيو 2025.

وفي المقابل، ارتفعت قيمة الواردات المصرية من إسرائيل خلال الشهر نفسه بنسبة 127%، لتسجل نحو 266.4 مليون دولار، مقابل 117.3 مليون دولار في يونيو من العام السابق.

100 مليار دولارصادرات.. هدف تصطدم به فاتورة الواردات

تكشف بيانات النصف الأول من 2026 عن فجوة واضحة بين الخطاب الحكومي بشأن مضاعفة الصادرات وبين الأداء الفعلي للميزان التجاري.

ففي الوقت الذي تستهدف فيه حكومة الانقلاب الوصول بالصادرات إلى 100 مليار دولار، ارتفع إجمالي العجز التجاري خلال ستة أشهر فقط بنحو 45%، فيما قفز العجز غير البترولي بأكثر من 50%.

والأكثر دلالة أن الزيادة الكبيرة في الواردات جاءت في الوقت الذي لم تنمُ فيه الصادرات غير البترولية سوى بنسبة 1.2%، وهو ما يعني أن زيادة الصادرات، حتى مع استمرارها، لا تزال غير قادرة على ملاحقة النمو السريع في فاتورة الاستيراد.

وتشير الأرقام إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بحجم الصادرات، وإنما بهيكل الاقتصاد نفسه؛ إذ تظل البلاد بحاجة إلى واردات ضخمة من الطاقة والذهب والسلع المختلفة، في وقت لا تزال فيه قاعدة الإنتاج والتصنيع المحلي تواجه تحديات تحد من قدرتها على إحلال الواردات وزيادة القيمة المضافة للصادرات.

وبالتالي، فإن الوصول إلى رقم 100 مليار دولار للصادرات لا يكفي وحده لتحسين وضع الميزان التجاري، ما لم يصاحبه نمو حقيقي في الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وتقليص الاعتماد على السلع المستوردة، خصوصًا تلك التي تستنزف موارد النقد الأجنبي.

وتضع أرقام النصف الأول من 2026 حكومة الانقلاب أمام معادلة صعبة: صادرات ترتفع ببطء، وواردات تقفز بوتيرة أسرع، وعجز تجاري يتسع، بينما تتزايد الحاجة إلى العملة الأجنبية لتمويل فاتورة الطاقة والذهب والسلع المستوردة.