في ظل قروض بالمليارات وسلامة بلا تحسن.. البنك الدولي يرفع مخاطر مشروعات السكك الحديدية

- ‎فيتقارير

بعد أكثر من 5 سنوات على بدء قرض خفض الحوادث.. مؤشر الوفاة والإصابة الخطيرة عند نقطة الصفر في وقت تتوسع فيه الحكومة المصرية في الاقتراض لتمويل مشروعات النقل، رفع البنك الدولي تصنيف مخاطر الإدارة المالية والائتمانية لأحد القروض المخصصة لتطوير سلامة السكك الحديدية في مصر إلى مستوى "مرتفع"، في وقت لم يسجل فيه المؤشر الأساسي الذي يقيس مخاطر الوفاة والإصابات الخطيرة أي تحسن، بعد أكثر من خمس سنوات على بدء تنفيذ المشروع.

وبحسب أحدث مراجعة للمشروع، صدرت في أغسطس 2026، ظل مؤشر الوفيات والإصابات الخطيرة عند مستوى 0.56 حالة لكل مليار راكب/كيلومتر حتى ديسمبر 2025، وهو الرقم نفسه المسجل عند إطلاق المشروع، رغم أن خفض هذا المعدل يمثل أحد أهداف التمويل الأساسية.

وتكشف البيانات عن مفارقة لافتة: فبينما تحسن انتظام حركة القطارات وبعض مؤشرات الإدارة والسلامة، لم ينعكس ذلك حتى الآن على المؤشر الأهم بالنسبة إلى الغرض الأساسي من القرض، وهو تقليل مخاطر الموت والإصابة الخطيرة للركاب والمستخدمين.

 

قرض للسلامة.. والمؤشر الأخطر لم يتحرك

يستهدف المشروع، الذي بدأ تنفيذه في أغسطس 2021، تطوير خط السكك الحديدية الممتد من الإسكندرية مرورًا بالقاهرة وصولًا إلى نجع حمادي، بطول يصل إلى نحو 763 كيلومترًا.

ويتركز التمويل بصورة رئيسية في تحديث منظومة الإشارات، وتحسين إدارة الأصول، وتطوير أنظمة السلامة، إلى جانب دعم الإصلاح المؤسسي وتنمية قدرات العاملين بهيئة السكك الحديدية.

وكان المستهدف أن ينخفض معدل الوفيات والإصابات الخطيرة إلى 0.44 حالة لكل مليار راكب/كيلومتر بحلول مارس 2027.

أظهرت أحدث مراجعة للبنك الدولي أن المؤشر ظل حتى ديسمبر 2025 عند مستوى خط الأساس البالغ 0.56، بما يعني أن المشروع، حتى تلك المرحلة، لم يحقق التحسن المنتظر في المؤشر الذي يفترض أن يقيس أثره الأكثر مباشرة على سلامة مستخدمي السكك الحديدية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع مكونات المشروع فشلت؛ فالبنك الدولي سجل تحسنًا في مؤشرات تشغيلية أخرى، لكن الفجوة بين هذه التحسينات وبين المؤشر الرئيسي للسلامة تظل محل تساؤل.

 

أكثر من نصف القرض لم يُصرف

تزداد علامات الاستفهام مع بيانات الصرف. ووفق وثائق البنك الدولي، تبلغ قيمة القرض بعد تعديله نحو 421.2 مليون دولار، لم يُصرف منها سوى 200.82 مليون دولار، بما يعادل 47.68% من إجمالي التمويل.

وبذلك يظل أكثر من 220 مليون دولار غير مصروف حتى أحدث البيانات المتاحة، فيما ينتهي الموعد الحالي لإغلاق المشروع في 30 سبتمبر 2027.

ويعني تأخر الصرف والتنفيذ أن الحكومة تواجه وقتًا محدودًا لاستكمال المكونات المتبقية وتحقيق النتائج المستهدفة قبل إغلاق المشروع.

ويشير البنك الدولي إلى أن أهداف المشروع لا تزال قابلة للتحقيق من حيث المبدأ، لكنه يرى أن التأخيرات المتراكمة تجعل تحقيقها ضمن الموعد الحالي أكثر صعوبة.

 

الإشارات تتقدم.. لكن السلامة لا تزال متأخرة

تكشف مؤشرات التنفيذ عن تقدم متفاوت بين مكونات المشروع. فحتى ديسمبر 2025 دخل 51 برج إشارات الخدمة، مقابل مستهدف يبلغ 70 برجًا بحلول ديسمبر 2026، كما دخل مركزان للتحكم المركزي الخدمة، بينما يبلغ المستهدف أربعة مراكز.

وفي المقابل، حققت بعض المؤشرات التشغيلية نتائج أفضل؛ إذ ارتفعت نسبة انتظام القطارات والالتزام بالمواعيد من 75% عند خط الأساس إلى 90% في ديسمبر 2025، متجاوزة المستوى المستهدف. كما بلغت نسبة تنفيذ نظام إدارة السلامة 81% مقابل مستهدف يبلغ 80%.

لكن هذه النتائج الإيجابية لا تجيب وحدها عن السؤال الأساسي: لماذا لم ينخفض معدل الوفيات والإصابات الخطيرة، وهو المؤشر الأكثر ارتباطًا بالهدف الرئيسي للقرض؟ فنجاح منظومة النقل لا يقاس فقط بوصول القطارات في مواعيدها، وإنما أيضًا بقدرتها على نقل الركاب بأقل قدر ممكن من المخاطر.

 

حوادث متواصلة على مسار المشروع

تأتي نتائج مراجعة البنك الدولي في ظل استمرار وقوع حوادث على خطوط السكك الحديدية التي يشملها مسار المشروع، خلال السنوات التي تلت بدء تنفيذ القرض.

وشملت الوقائع التي جرى تداولها في التقارير الصحفية المحلية حوادث دهس لمواطنين، واصطدامات، وانحراف عربات وقطارات عن القضبان، فضلًا عن وقائع مرتبطة بالعبور من نقاط غير مخصصة.

وشهدت محافظة بني سويف، على سبيل المثال، عددًا من الحوادث خلال السنوات الماضية، من بينها خروج عربة من قطار أسوان ـ القاهرة عن القضبان في منطقة بني حدير بالواسطى، وحوادث دهس في ببا والفشن.

كما شهدت محافظة سوهاج وقائع دامية، من بينها حادث اصطدام قطار متجه إلى القاهرة بأربعة أفراد من أسرة واحدة أثناء عبورهم من نقطة غير مخصصة، ما أدى إلى وفاتهم.

وتكررت حوادث دهس المشاة خلال 2023 في محافظات بني سويف وسوهاج وقنا والمنيا، ومن بينها حادث بمنطقة الحبشي في المنيا أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص.

وفي أكتوبر 2024، وقع حادث آخر لافت عندما اصطدم جرار بمؤخرة قطار النوم «1087 أسوان ـ القاهرة» بين أبو قرقاص والمنيا، ما أدى إلى سقوط جراري القطار وعربة أخرى في ترعة الإبراهيمية، وأسفر الحادث عن إصابة نحو 20 شخصًا في حصيلته الأولية قبل ارتفاع عدد الوفيات إلى ثلاثة، وفق التقارير التي تناولت الواقعة.

 

2025 و2026.. الحوادث لم تختف

ولم تتوقف وقائع الخروج عن القضبان خلال عام 2025؛ إذ خرجت سبع عربات بضائع عن القضبان في ساحة ببا ببني سويف في سبتمبر، دون تسجيل إصابات، بينما انفصلت ثلاث عربات بضائع بين الجزيرة والحمادية في سوهاج خلال أكتوبر.

وفي ديسمبر من العام نفسه، خرجت ثلاث عربات من قطار روسي عن القضبان بين بشتيل وبولاق الدكرور، ما أدى إلى توقف جزئي لحركة القطارات.

وخلال 2026، استمرت حوادث الدهس والانحراف والاصطدام، ومن بينها وقائع أسفرت عن وفيات في مناطق مختلفة من الصعيد، فضلًا عن حوادث خروج عربات بضائع عن القضبان واصطدام قطار بلودر عند نقطة عبور غير مصرح بها في قنا خلال أغسطس، دون وقوع إصابات.

ولا تُمثل هذه الوقائع إحصاءً شاملًا لجميع حوادث خط الإسكندرية ـ القاهرة ـ نجع حمادي، كما لا يمكن نسبة كل حادث بصورة مباشرة إلى قصور في مكونات المشروع، لكن استمرارها يضع نتائج مشروع يستهدف تحسين السلامة أمام اختبار عملي صعب.

 

ماذا يعني تصنيف "المخاطر المرتفعة"؟

من المهم هنا التمييز بين رفع البنك الدولي تصنيف المخاطر وبين توجيه اتهام للحكومة المصرية باختلاس أموال القرض أو استخدامها في غير الأغراض المخصصة لها.

فالتصنيف المرتفع لمخاطر الإدارة المالية والائتمانية يعني أن البنك بات يرى مستوى أعلى من المخاطر المرتبطة بالإدارة المالية والتنفيذ والصرف مقارنة بالتقييم السابق.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كون المشروع لم يصرف حتى أحدث البيانات سوى 47.68% من قيمة القرض، بالتزامن مع تأخر بعض مكوناته وعدم تحسن مؤشر السلامة الرئيسي. وبالتالي فإن القضية الأساسية ليست مجرد حجم الأموال التي دخلت المشروع، وإنما ما النتائج التي تحققت بالفعل مقابل التمويل الذي حصلت عليه الدولة؟

 

القرض أمام اختبار النتيجة لا حجم الإنفاق

تضع هذه المعطيات الحكومة أمام سؤال أوسع يتكرر في النقاشات البرلمانية بشأن القروض الأجنبية لمشروعات النقل. فعندما تقترض الدولة لتمويل مشروع عام، فإن الحكم على جدواه لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الإنفاق أو عدد المشروعات التي جرى تنفيذها، وإنما يجب أن يمتد إلى النتائج التي كان القرض يستهدف تحقيقها. وفي حالة هذا القرض تحديدًا، فإن الهدف المركزي يتعلق بالسلامة.

ومن ثم، فإن بقاء مؤشر الوفاة والإصابة الخطيرة عند مستوى خط الأساس بعد أكثر من خمس سنوات من بدء التنفيذ يثير تساؤلًا مشروعًا حول كفاءة التنفيذ، ومدى قدرة الاستثمارات الجارية على معالجة الأسباب الفعلية للحوادث.

 

مليارات جديدة في الطريق

تأتي هذه المعطيات بالتزامن مع استمرار توسع الحكومة في الاقتراض لتمويل مشروعات النقل. وخلال مناقشات مجلس النواب بشأن تمويل المرحلة الثانية والثالثة من شبكة القطار الكهربائي السريع، دافع وزير النقل كامل الوزير عن سياسة الوزارة في الاقتراض، مؤكدًا أن الحكومة لا تقترض من أجل الاستهلاك وإنما لتمويل مشروعات تستهدف تحقيق النمو، وأن الجهات التابعة للوزارة قادرة على سداد القروض من إيرادات المشروعات.

وبحسب تصريحات الوزير في نهاية يونيو 2026، فإن إجمالي قروض وزارة النقل سيصل إلى نحو 14 مليار دولار، مع تأكيده قدرة الوزارة على الوفاء بالتزامات السداد.

لكن هذه التصريحات تأتي في ظل بيئة مالية أكثر صعوبة، إذ تقترب فوائد الدين العام في موازنة العام المالي 2026/2027 من 2.42 تريليون جنيه.

وهنا تبرز المفارقة: فالدولة تتوسع في الاقتراض لتمويل البنية التحتية، بينما تظهر في أحد مشروعات السكك الحديدية الممولة بقرض دولي مشكلات في سرعة الصرف والتنفيذ، ويظل المؤشر الرئيسي للسلامة دون التحسن المستهدف.

 

السؤال الأصعب: هل الاقتراض يحقق ما وُعد به؟

لا تكمن المشكلة بالضرورة في الاقتراض الخارجي ذاته؛ فتمويل البنية التحتية قد يكون ضروريًا عندما يرتبط بمشروعات ذات عائد اقتصادي واجتماعي واضح. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الاقتراض هدفًا قائمًا بذاته، أو عندما تتأخر المشروعات عن تحقيق النتائج التي اقترضت الدولة الأموال من أجلها.

وفي قطاع السكك الحديدية، تصبح المسألة أكثر حساسية؛ لأن العائد المطلوب لا يتمثل فقط في تحسين الخدمة أو انتظام المواعيد، وإنما في حماية أرواح الركاب والمواطنين.

وبالتالي فإن ارتفاع انتظام القطارات إلى 90% يمثل تطورًا إيجابيًا، لكنه لا يعوض بقاء مؤشر الوفاة والإصابة الخطيرة عند مستواه الأساسي.

 

بين القرض والحادث.. فجوة تحتاج إلى إجابة

تكشف مراجعة البنك الدولي عن فجوة واضحة بين التمويل والنتيجة. فالقرض خُصص لتحسين السلامة، لكن المؤشر الرئيسي لم يتحسن حتى نهاية 2025. ونحو نصف التمويل فقط جرى صرفه، فيما تأخرت مكونات أساسية من المشروع، بينما استمرت حوادث الدهس والانحراف والاصطدام على امتداد شبكة السكك الحديدية.

ولا يعني ذلك أن مشروع التطوير بلا نتائج؛ فهناك تقدم في الإشارات والتحكم المركزي وإدارة السلامة وانتظام القطارات. لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام هو: هل تحقق الإنفاق الذي تم بالفعل الأثر الذي اقترضت الدولة من أجله؟

ففي النهاية، لا تُقاس سلامة السكك الحديدية بعدد القروض التي حصلت عليها الدولة، ولا بقيمة المشروعات المعلنة، وإنما بعدد الأرواح التي يتم إنقاذها، وانخفاض الإصابات والحوادث، وتحول شبكة القطارات إلى وسيلة نقل أكثر أمانًا بالفعل.

ومع استمرار التوسع في الاقتراض لمشروعات النقل، يصبح من الضروري أن تكون هناك آليات أكثر صرامة لقياس النتائج، ومراجعة أسباب التأخير، وربط أي تمويل جديد بقدرة المشروعات السابقة على تحقيق أهدافها. فالمشكلة ليست فقط كم اقترضت مصر لتطوير السكك الحديدية، وإنما ماذا تغير فعلًا بعد كل هذه القروض؟