12 عامًا من إهدار أموال المصريين.. هل عززت “فناكيش السيسى ” السيادة الوطنية أم ضيّقت مساحة القرار الاقتصادي؟

- ‎فيتقارير

تستعد حكومة الانقلاب، بتوجيهات من  المنقلب السفيه ،عبد الفتاح السيسي، لإقامة "منتدى مصر 2026" خلال أيام، في محاولة لاستعراض ما تصفه بإنجازات السنوات الاثنتي عشرة الماضية، وتسليط الضوء على المشروعات والسياسات التي شهدتها البلاد منذ عام 2014.

لكن بعيدًا عن الخطاب الرسمي الذي يركز على حجم المشروعات المنفذة والاستثمارات المعلنة، تفرض حصيلة هذه السنوات سؤالًا أكثر جوهرية: إلى أي مدى انعكست هذه المشروعات والسياسات على حياة المصريين، وهل أسهمت في بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا واستقلالًا، أم أن أعباء الديون والضغوط المعيشية والاحتياجات التمويلية المتزايدة لا تزال تحد من قدرة الدولة على تحديد أولوياتها؟

فإذا كانت الإنجازات المعلنة قد حققت أهدافها بالقدر الذي تقدمه الحكومة، فمن المفترض أن تظهر آثارها في تحسن مستويات المعيشة، وارتفاع القدرة الشرائية، وتراجع أعباء الديون، وتطور الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص العمل اللائق، وتعزيز قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير.

غير أن استمرار الضغوط المعيشية، وتصاعد أعباء خدمة الدين، واتساع الفجوة التجارية، واستمرار أوجه القصور في الخدمات العامة، تطرح تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام، ومدى كفاءة إدارة الموارد، وطبيعة العائد الاجتماعي والاقتصادي للمشروعات والسياسات التي نُفذت على مدار أكثر من عقد.

ولا تتعلق هذه التساؤلات بالأرقام الاقتصادية وحدها، بل تمتد إلى آليات اتخاذ القرار، ومدى إتاحة الرقابة والمساءلة والمشاركة الشعبية، وطبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية التي تؤثر في شروط التمويل والاستثمار والتجارة.

ومن هنا تنطلق سلسلة «إنجازات ومنجزات أم إخفاقات وتفريط؟»، التي تسعى إلى مراجعة حصيلة اثني عشر عامًا من سياسات السلطة الحاكمة، عبر مقارنة ما أعلنته الحكومات بما تكشفه البيانات عن الدين والإنتاج والتجارة والأجور والفقر والتعليم والصحة والنقل والخدمات العامة والاستثمار والملكية العامة وتوزيع الثروة.

فالمعيار الحقيقي للإنجاز لا يتوقف عند عدد المشروعات أو حجم الأموال التي أُنفقت، وإنما يمتد إلى العائد الفعلي على المجتمع، ومدى قدرة هذه المشروعات والسياسات على تحسين حياة المواطنين، وبناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وعدالة، ودولة أوسع قدرة على حماية مصالحها وحقوق مواطنيها.

 

السيادة الوطنية.. استقلال القرار أم اتساع دوائر التبعية؟

في الحلقة الأولى من السلسلة، يبدأ النقاش من سؤال يسبق كثيرًا من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى: هل أصبح القرار الوطني المصري أكثر استقلالًا خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، أم أن تصاعد الاحتياجات التمويلية وأعباء الدين والاعتماد على مصادر خارجية للعملة الأجنبية ضيّق مساحة الاختيار أمام الدولة؟

فالسيادة الوطنية لا تعني فقط امتلاك القرار السياسي رسميًا أو حماية الحدود، وإنما تشمل أيضًا القدرة الاقتصادية على تحديد الأولويات الوطنية وتنفيذها، من دون أن تتحول الحاجة المستمرة إلى القروض وإعادة تمويل الديون وتدبير النقد الأجنبي إلى عوامل تقيد خيارات الدولة.

وبهذا المعنى، لا يمكن فصل استقلال القرار السياسي عن طبيعة الاقتصاد، ولا عن حجم الديون وشروط التمويل الخارجي، ولا عن قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الاحتياجات الأساسية وتوفير العملات الأجنبية.

 

من «الإصلاح الاقتصادي» إلى سؤال القدرة على الاختيار

منذ عام 2014، دخل الاقتصاد المصري في مسار واسع من إعادة هيكلة السياسات المالية والنقدية، بالتزامن مع اتفاقات تمويل وبرامج إصلاح ارتبطت بمؤسسات دولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

وقدمت الحكومات المتعاقبة هذه السياسات باعتبارها ضرورية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتحسين القدرة التنافسية، وتجاوز الاختلالات المالية والنقدية.

لكن بعد مرور أكثر من عقد، يبقى السؤال المطروح: هل أسهمت هذه السياسات في تعزيز قدرة الدولة على الاعتماد على مواردها وتحديد أولوياتها، أم أن تزايد الاحتياجات التمويلية وأعباء خدمة الدين جعل الاقتصاد أكثر احتياجًا إلى القروض والتمويل الخارجي؟

ولا يتعلق الأمر برفض الاقتراض في حد ذاته؛ فالدول تلجأ إلى الاستدانة لتمويل مشروعاتها ومواجهة الأزمات، وقد يكون الاقتراض أداة ضرورية للتنمية. لكن الفارق الحاسم يكمن في أسباب الاقتراض، وأوجه إنفاقه، والعائد الذي يحققه، ومدى مساهمته في خلق طاقات إنتاجية جديدة تستطيع توفير موارد مستدامة لسداد الالتزامات.

أما إذا استُخدمت قروض جديدة لتغطية التزامات سابقة، أو ظلت الموارد تتجه إلى خدمة الدين على حساب الاحتياجات التنموية، فإن الاقتراض يتحول من أداة محتملة لدعم النمو إلى عبء يحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو المستقبل.

 

5.23 تريليون جنيه للفوائد وأقساط القروض… ماذا يتبقى للتنمية؟

تقدم موازنة العام المالي 2026/2027 مؤشرًا مهمًا على حجم الضغوط التي تفرضها المديونية على المالية العامة. فبحسب الأرقام الواردة في المادة، تبلغ فوائد الدين نحو 2.420 تريليون جنيه، فيما يصل سداد القروض إلى نحو 2.808 تريليون جنيه، بإجمالي يقارب 5.23 تريليون جنيه.

وبالمقارنة مع إجمالي استخدامات الموازنة البالغ نحو 8.176 تريليون جنيه، تمثل الفوائد وأقساط القروض معًا قرابة 64% من إجمالي الاستخدامات.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الالتزامات التي يتعين على الدولة الوفاء بها، وعن أهمية التمييز بين الأموال التي تُخصص لسداد التزامات سابقة وتلك التي يمكن توجيهها إلى الاستثمار والخدمات العامة والحماية الاجتماعية.

ومع ذلك، فإن قراءة هذه النسبة تستلزم الانتباه إلى طبيعة بنود الموازنة؛ فسداد أصل القروض يُدرج ضمن استخدامات الموازنة، لكنه لا يُصنف بالطريقة نفسها التي تُصنف بها المصروفات العامة، كما أن الفوائد تختلف محاسبيًا عن أقساط أصل الدين. لذلك، لا تعني النسبة أن هذه الأموال تمثل كلها إنفاقًا استهلاكيًا أو أنها تُخصم بالطريقة نفسها من المصروفات الخدمية، لكنها توضح حجم الموارد التي تتطلبها إدارة الدين وإعادة تمويله.

وهنا يبرز السؤال الأهم: ما المساحة المتبقية أمام الدولة لتلبية الاحتياجات الاجتماعية وتمويل الاستثمارات المنتجة، في ظل هذه الالتزامات الضخمة؟

فكلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، ازدادت أهمية كفاءة الإنفاق العام، وضرورة توجيه الاقتراض نحو أنشطة قادرة على توليد قيمة مضافة وفرص عمل وعائد اقتصادي مستدام، بدلًا من الاكتفاء بزيادة حجم التمويل المطلوب لتغطية الالتزامات القائمة.

 

استقلال القرار السياسي يبدأ من الاستقلال الاقتصادي

قد تحتفظ الدولة بسلطتها الرسمية في اتخاذ القرار، لكن قدرتها الفعلية على تنفيذه تتأثر بحجم الموارد المتاحة لها، ومدى اعتمادها على التمويل الخارجي، واحتياجاتها من العملات الأجنبية، وشروط إعادة تمويل ديونها.

فحين تصبح الدولة مضطرة بصورة متكررة إلى تدبير موارد جديدة للوفاء بالتزامات سابقة، تتقلص مساحة المناورة أمامها، وتزداد أهمية قرارات المقرضين والأسواق المالية والظروف الدولية في تحديد الخيارات المتاحة.

ولا يعني ذلك أن كل قرض أو اتفاق تمويل ينتقص تلقائيًا من السيادة الوطنية، لكن اتساع الاعتماد على التمويل الخارجي يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة الدولة على ترتيب أولوياتها وفق احتياجات المجتمع، ومدى امتلاكها بدائل اقتصادية تسمح لها بتجنب الضغوط التي قد تصاحب الأزمات التمويلية.

ومن ثم، تصبح السيادة الاقتصادية مسألة عملية تتجاوز الشعارات؛ فهي ترتبط بقدرة الدولة على توفير مواردها، وتمويل احتياجاتها الأساسية، وحماية قطاعاتها الإنتاجية، والتعامل مع الاقتصاد العالمي من موقع أكثر قوة.

 

عجز تجاري بـ 51 مليار دولار.. أين تقف القدرة الإنتاجية؟

لا يمكن تقييم استقلال الاقتصاد المصري من دون النظر إلى قدرته على الإنتاج والتصدير، وتوفير العملات الأجنبية من النشاط الاقتصادي الحقيقي، وتقليل الاختلالات المزمنة بين الصادرات والواردات.

فالاقتصاد القادر على الإنتاج لا يحتاج إلى إغلاق أبوابه أمام العالم، بل يستطيع الاستيراد لتلبية احتياجاته من الآلات والتكنولوجيا ومدخلات الصناعة، مع امتلاك قاعدة إنتاجية وتصديرية تتيح له تمويل جانب أكبر من وارداته بصورة مستدامة.

تشير بيانات التجارة الخارجية  إلى استمرار فجوة كبيرة بين الصادرات والواردات. ففي العام المالي 2024/2025، بلغت الصادرات السلعية نحو 40.2 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 91.2 مليار دولار، ليصل العجز التجاري إلى قرابة 51 مليار دولار.

ولا يكفي هذا الرقم وحده للحكم على مجمل السياسة الاقتصادية؛ إذ قد تعكس الواردات المرتفعة احتياجات إنتاجية واستثمارية، كما أن تقييم الأداء يتطلب النظر إلى تركيب الصادرات والواردات، ومعدلات نموهما، ومدى ارتباط الواردات بتوسيع الطاقة الإنتاجية.

لكن استمرار هذا الاختلال يضع قضية الإنتاج المحلي في صدارة الأسئلة المطروحة بعد اثني عشر عامًا من السياسات والمشروعات الحكومية.

فإذا كانت البلاد لا تزال تحتاج إلى تدبير موارد دولارية كبيرة لتغطية الفارق بين الصادرات والواردات، فإن المطلوب هو توضيح مدى نجاح السياسات المتبعة في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تقليص هذا العجز تدريجيًا، وزيادة القيمة المضافة المحلية، ورفع القدرة التنافسية للصادرات المصرية.

ويشمل ذلك تطوير الصناعة، وتعزيز الإنتاج الزراعي، وتوطين التكنولوجيا، وتوسيع الصناعات الوسيطة، وتقليل الاعتماد على استيراد السلع التي يمكن إنتاجها محليًا بكفاءة، فضلًا عن معالجة العقبات التي تواجه المنتجين والمصدرين.

 

السيادة لا تُبنى بالمشروعات وحدها

على مدار السنوات الماضية، احتلت المشروعات القومية والاستثمارات الكبرى مساحة واسعة من الخطاب الرسمي بشأن التنمية. ولا يمكن إنكار أن البلاد شهدت تنفيذ مشروعات وتغييرات في عدد من القطاعات، لكن وجود المشروع أو اكتمال تنفيذه لا يكفي وحده للحكم على جدواه الاقتصادية والاجتماعية.

فالتقييم يتطلب معرفة تكلفته الإجمالية، ومصادر تمويله، والعائد المتوقع والمتحقق منه، وعدد فرص العمل المستدامة التي وفرها، ومدى مساهمته في زيادة الإنتاج أو تحسين الخدمات، فضلًا عن كلفة تشغيله وصيانته على المدى الطويل.

كما أن زيادة الإنفاق العام لا تعني بالضرورة تحسن جودة الخدمات، إذا لم تتناسب الموارد المخصصة مع الاحتياجات الفعلية، أو إذا لم تصل ثمار الإنفاق إلى الفئات الأوسع من المواطنين.

ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط كم مشروعًا أُنجز، وإنما ما إذا كانت المشروعات والسياسات مجتمعة قد أسهمت في بناء اقتصاد أكثر قدرة على توليد موارده، وتقليل احتياجاته التمويلية، وتوفير فرص عمل منتجة، وتحسين مستويات المعيشة.

فالسيادة الاقتصادية تبدأ من المصنع والحقل، ومن المدرسة والجامعة، ومن القدرة على إنتاج الغذاء والدواء، وامتلاك التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، وتطوير الخدمات العامة. وهي تتطلب كذلك مؤسسات قادرة على الرقابة والمساءلة، وشفافية في إدارة المال العام، وأولويات إنفاق تستند إلى احتياجات المجتمع والعائد التنموي.

 

بعد 12 عامًا.. من يملك القدرة الفعلية على اتخاذ القرار؟

مع اقتراب استعراض الحكومة حصيلة السنوات الماضية خلال «منتدى مصر 2026»، تفرض الأرقام ضرورة تجاوز المقارنة بين الوعود والإنجازات المعلنة إلى مراجعة أكثر شمولًا للنتائج الفعلية.

فارتفاع أعباء الدين، واستمرار العجز التجاري، والاحتياج إلى تدبير العملات الأجنبية، كلها ملفات تستدعي بحث مدى قدرة السياسات الاقتصادية على بناء قاعدة إنتاجية أكثر قوة واستدامة، ومدى نجاحها في تقليص مواطن الضعف التي تجعل الاقتصاد عرضة للضغوط الداخلية والخارجية.

وبعد اثني عشر عامًا من حكم السيسي، لا يكفي أن يكون السؤال: كم مشروعًا أُنجز؟ بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر مباشرة: هل أصبح الاقتصاد المصري أكثر اعتمادًا على موارده؟ هل زادت قدرته على الإنتاج والتصدير؟ هل تراجعت حاجته إلى الاقتراض؟ هل انعكست الاستثمارات على حياة المواطنين وخدماتهم وفرص عملهم؟ وهل اتسعت مساحة الاختيار أمام الدولة أم ازدادت القيود المالية التي تحدد أولوياتها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تصنعها الشعارات، ولا تكفي فيها الأرقام المنفردة أو المؤشرات المنتقاة، وإنما تتطلب مراجعة متكاملة للبيانات والنتائج والتكاليف والعوائد.

فاستقلال القرار الوطني لا يُقاس فقط بمن يملك سلطة اتخاذه رسميًا، بل أيضًا بمدى امتلاك الدولة الموارد والقدرات الإنتاجية والبدائل التي تتيح لها تنفيذه. ومن هنا تبدأ مراجعة السيادة الوطنية: من الأرقام، ومن واقع الاقتصاد، ومن أثر السياسات في حياة المصريين.