من أكثر المكاسب الإستراتيجية للكيان الصهيوني التي تحققت في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري، والتي ظلت منذ إقامة دولة للاحتلال في 15 مايو 1948م ترى في (إسرائيل) العدو؛ وسعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ اتفاقية كامب ديفيد 1979م إلى إجراء تحولات ضخمة على بنية المؤسسة العسكرية المصرية وعقيدتها القتالية؛ وفي ديسمبر 2010، نشر موقع ويكليكس وثائق دبلوماسية أميركية، أشارت إلى "أن الولايات المتحدة منزعجة من استمرار الجيش المصري اعتباره إسرائيل (العدو الأساسي)، رغم توقيع (اتفاقية سلام!) معها منذ أكثر من 3 عقود".
لكن هذه العقيدة تزعزت في أعقاب نجاح انقلاب 30 يونيو وتحولت إسرائيل إلى حليف وصديق حميم، وتحت لافتة الحرب على «الإرهاب»؛ بات الإسلاميون وحركات المقاومة الفلسطينية وكل من يرفض المشروع الصهيوني في المنطقة هم العدو لهذا النظام الانقلابي.
وقد تجلى التحول في عقيدة الجيش القتالية في المذابح الجماعية الوحشية التي نفذتها بعض قواته بالمشاركة مع قوات الشرطة في مجلس الوزراء ومحمود محمود وماسبيرو ثم الحرس الجمهوري والمنصة ورابعة والنهضة ومصطفى محمود وغيرها من المذابح التي تلت ثورة 25 يناير التي طالب المشاركون فيها بالحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.
أبدى الجيش ازدراء كبيرا بالمساجد واقتحم العشرات منها كما جرى في حرق وتدمير مساجد رابعة العدوية والفتح برمسيس والقائد إبراهيم في الإسكندرية في مشاهد تعيد إلى الأذهان تدنيس جنود الغزو الفرنسي للأزهر الشريف إبان حملة نابليون بونابرت "1799 ــ1801م".
وبدا هذا التحول الكبير في عقيدة الجيش القتالية في 20 يوليو 2016، أثناء حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة الكلية الجوية العسكرية، بحضور السيسي، ووزير الدفاع السابق صدقي صبحي، حيث نفذ الجنود تدريبا على اقتحام مجسم لمسجد وتدميره وإطلاق الرصاص عليه. في إشارة غير خافية على هذه التحولات الكبرى على عقيدة الجيش الذي ارتكب من قبل عشرات المذابح المروعة مقتل فيها آلاف المصريين. وفي يوليو 2018 كلف زعيم الانقلاب القوات المسلحة بتنبي ما أسماه بمشروع “الهوية المصرية” وذلك لأن عقيدة الجيش المصري تغيرت بالفعل، فبات الإسلاميون والثوار هم “الآخر العدو” وأضحت “إسرائيل” هي الصديق الحميم الذي يجب حمايته وضمان أمنه واستقراره.
التلاعب بالهوية الإسلامية
ولعل من أكثر مكاسب الاحتلال على الإطلاق في مرحلة ما بعد انقلاب السيسي هو تغيير هوية المجتمع المصري ليكون متصالحا مع مفاهيم التطبيع والقبول بالتعايش مع الاحتلال تحت لافتة "السلام"؛ وذلك بعد أن تمكن جنرالات العسكر من تغيير العقيدة القتالية للجيش ليكون العدو هو من يرفض دمج “إسرائيل” في التركيبة الإقليمية برعاية أمريكية خالصة. خطورة الموضوع دفعت «مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» إلى إصدار دراسة في 28 يناير 2019م، أعدها الباحثان عوفر فنتور وأساف شيلوح، بعنوان «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد»، يشيدان فيه بهذه الخطوات غير المسبوقة؛ حيث تناولت الدراسة مظاهر ومآلات الحملة الواسعة التي يشنها نظام السيسي من أجل إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر؛ من خلال السعي أولا لتقليص مركّبها الإسلامي والعربي، وثانيا احتواء سماتها الثورية، وثالثا العمل على بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعداداً للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام، إلى جانب أنها ترمي رابعا إلى تحسين صورة النظام في الخارج.
وتقول الدراسة، إن الخطاب الحاكم لجدل الهوية الذي فجره نظام السيسي، يقوم على مبدأين أساسيين: أولاً؛ الإنسان المصري يمثل النقيض للإسلامي. ثانياً؛ الهوية المصرية تمثل فسيفساء من 8 مركّبات: الفرعونية، اليونانية، الرومانية، القبطية، الشرق أوسطية، والأفريقية، إلى جانب المركّبين الإسلامي والعربي. وتلفت الدراسة إلى حقيقة أن النظم الشمولية هي التي عادة ما تنشغل في شنّ حملات، تهدف إلى التأثير على مركّبات الهوية الوطنية أو تسعى إلى بناء توازنات جديدة فيها؛ من أجل إيجاد متطلبات تضمن بقاء نظامه وضمان استمراره واستقراره، من خلال إثارة جدل الهوية أملا في أن يسهم ذلك في صياغة بيئة داخلية وبناء نخبة شبابية، تكون أكثر استعداداً لاستخدام كل الأدوات والوسائل التي تخدم النظام وتعمل على تحقيق أهدافه.
تغيير مناهج التعليم
واتساقا مع عملية التلاعب في الهوية المصرية، فإن من أبرز وأخطر أشكال التطبيع هو ما يبدأ بإعادة تشكيل الوعي على أسس خاطئة مشوشة ومشوهة؛ تتعلق بالصورة الذهنية التي ترسمها مناهج التعليم للعدو الصهيوني، فـ"المناهج الجديدة تؤكد شرعية إسرائيل كدولة ترتبط بعلاقات صداقة مع مصر، ولا تتطرق لحروب مصر ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولا للقضية الفلسطينية كما كانت عليه المناهج سابقا". فكتاب دراسي في عام 2002 كان يضم 32 صفحة عن الحروب العربية الإسرائيلية وثلاث صفحات للسلام مع إسرائيل، أما كتاب عام 2015 فخصص فقط 12 صفحة للحروب العربية الإسرائيلية، و4 صفحات للسلام مع إسرائيل". هذه التحولات أصابت أولياء الأمور بصدمة؛ لأنه أصبح يتوجب عليهم زيادة وعي أبنائهم بالصراع العربي الإسلامي مع الصهاينة والتأكيد على أن "إسرائيل" هي العدو.. فالفضائية التي تدعو إلى التطبيع مع الصهاينة يمكن عدم مشاهدتها لكن ماذا نفعل بمناهج التعليم التي تعتبر العدو صديقا ويتوجب على التلاميذ الإجابة على ذلك في الامتحانات؟! فما قام به نظام انقلاب 30 يونيو لم يجرؤ عليه أي نظام سابق، حتى نظام الرئيس الراحل أنور السادات أو الرئيس الأسبق حسني مبارك، لأن "السيسي يريد من مناهج التعليم أن تدشن لجيل جديد يعتبر إسرائيل هي الصديق، والإسلاميون هم الأعداء". هذه التحولات احتفت بها دوائر وصحف إسرائيلية مشيدة بتعديلات المناهج المصرية، فصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" ثمنّت تدريس اتفاق السلام للمرة الأولى بما وصفته بـ"شكل واقعي دون تحيز أو أي محاولة لإظهار إسرائيل بصورة سلبية". بينما أكدت صحيفة "إسرائيل ناشيونال نيوز" أن أحدث خطوة في تعزيز العلاقات بين مصر وإسرائيل هي "تحديث نظام التعليم المصري ليتضمن معاهدة السلام بين البلدين".
خلاصة الأمر، يمكن وصف 30 يونيو بأنها «ثورة صهيونية» خططوا لها بعد أن جندوا وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي وكبار قادة المؤسسة العسكرية في مصر؛ بدعم إماراتي سعودي أمريكي، وهندسوا الانقلاب موظفين نفوذهم الواسع من أجل تمكين السيسي ليكون على رأس السلطة في مصر؛ ليقدم لها جميع أشكال الولاء؛ ويحقق لهم مكاسب هائلة، على حساب الأمن القومي المصري؛ ما كان لهم أن يحلموا بها؛ ولهذه الأسباب اعتبروه "معجزة" لإسرائيل. وإلى جانب هذ المكاسب المباشرة هناك مكاسب أخرى غير مباشرة أكثر خطورة وعلى رأسها إضعاف مصر وإغراقها في الديون والانقسام المجتمعي الحاد، وإهدار ثروات مصر وأموالها بدعوى ما تسمى بالمشروعات القومية بخلاف التفريط في حصة مصر المائية بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم سنة 2015م، وكذلك التنازل عن ثروات مصر من الغاز في شرق المتوسط؛ وكلها عوامل تسهم في تقزيم مصر وإضعافها وتعزيز التفوق الإسرائيلي على المستويين القريب البعيد.