مع فشل حكومات الانقلاب المتوالية منذ عام 2013 فى مواجهة أزمة سد النهضة ونجاح أثيوبيا فى بناء السد وملء الخزانات والتشغيل، أصبحت مصر مهددة بالدخول فى مرحلة الفقر المائى وهو ما سيؤدى إلى تبوير الأراضى الزراعية وتوقف الفلاحين عن زراعة الكثير من المحاصيل التى تحتاج إلى كميات مياه كبيرة مثل الآرز وقصب السكر وهذا سينعكس على انتاج السلع الغذائية ويتسبب فى ارتفاع أسعارها .
فى هذا السياق اعترف هانى سويلم وزير الرى بحكومة الانقلاب بتراجع نصيب الفرد من المياه بنحو 75% مقارنة بالعقود الماضية، ليهبط إلى أقل من 500 متر مكعب سنوياً، وهو ما يضع مصرتحت خط الفقر المائي، فى ظل زيادة سكانية متسارعة وثبات الموارد المائية، وعلى رأسها حصة البلاد من مياه نهر النيل.
حلول غير تقليدية
من جانبه أرجع خبير الموارد المائية الدكتور ضياء القوصي، التراجع الحاد فى نصيب الفرد من المياه فى مصر إلى الزيادة السكانية المتسارعة، فى مقابل ثبات الإمدادات المائية المتاحة، التى تعتمد بصورة شبه كاملة على حصة البلاد من مياه نهر النيل.
وأوضح القوصى فى تصريحات صحفية أن هذا الخلل بين الطلب المتزايد على المياه والموارد المحدودة المتاحة يضع مصر أمام تحدٍ وجودى يتطلب حلولاً غير تقليدية وإدارة شديدة الدقة للموارد المائية.
وأشار إلى أن منظومة الإدارة المائية فى مصر لا تملك سوى مسارين أساسيين للتعامل مع الأزمة، يتمثل الأول فى العمل على زيادة الموارد المائية المتاحة، بينما يتمثل الثانى فى ترشيد الاستخدام ورفع كفاءة استغلال كل قطرة مياه، موضحا أنه يتم بالفعل إعادة استخدام مياه الصرف الزراعى والصحى والصناعى بعد معالجتها وتحسين جودتها، باعتبارها أحد الحلول السريعة نسبياً لمواجهة الفجوة المائية المتزايدة.
وشدد القوصى على أن إعادة استخدام مياه الصرف، رغم أهميتها، تظل حلاً محدود التأثير، لأن حجم هذه المياه يرتبط فى الأساس بكمية الإيراد المائى الوارد من نهر النيل، وهو مورد ثابت لم يشهد زيادة حتى الآن، وبالتالى، فإن الاعتماد على هذا المسار وحده لن يكون كافياً للحفاظ على نصيب الفرد الحالى من المياه، والذى يُعد بالفعل من أدنى المعدلات عالمياً.
موارد جديدة
وأكد أن الحفاظ على الحد الأدنى من نصيب الفرد من المياه لن يتحقق إلا من خلال إضافة موارد مائية جديدة، وفى مقدمتها مشروعات تحلية مياه البحر، أو ما يُعرف بمشروعات الإعذاب، إلى جانب التوسع فى حصاد مياه الأمطار، خاصة فى المناطق الساحلية وسيناء، فضلاً عن مشروعات استمطار السحب، وتنمية واستغلال خزانات المياه الجوفية بشكل مستدام ومدروس.
واختتم القوصى قائلاً إن زيادة الموارد وحدها لا تكفى دون تطبيق أقصى درجات ترشيد استخدام المياه، سواء على مستوى الزراعة من خلال تحديث نظم الرى، أو على مستوى الصناعة عبر تحسين كفاءة العمليات الإنتاجية، أو حتى داخل المنازل من خلال تغيير أنماط الاستهلاك اليومية، وأن التعامل مع أزمة المياه لم يعد خياراً، بل ضرورة حتمية لضمان الأمن المائى والغذائى للأجيال الحالية والقادمة.
خط الفقر المائى
أكد حسين أبو صدام نقيب الفلاحين، أن مصر تُعد من الدول الجافة التى تقع تحت خط الفقر المائى، بل يمكن اعتبارها قد دخلت بالفعل مرحلة الندرة المائية، فى ظل الزيادة السكانية الكبيرة التى تجاوزت 120 مليون نسمة، مقابل موارد مائية محدودة.
وأوضح أبو صدام فى تصريحات صحفية أن المساحة الزراعية تُقدر بنحو 10 ملايين فدان، تستهلك قرابة 80 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، فى حين تبلغ حصة مصر من مياه نهر النيل نحو 55.5 مليار متر مكعب، إلى جانب نحو 10 مليارات متر مكعب من المياه الجوفية، ونحو 5 مليارات من مصادر أخرى مثل الأمطار وتحلية المياه.
وأشار إلى أن القطاع الزراعى يستحوذ على النصيب الأكبر من الموارد المائية، بينما يتم تعويض العجز من خلال إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، بنحو 20 مليار متر مكعب سنوياً لتلبية احتياجات الزراعة والصناعة.
وشدد أبو صدام على أن ندرة المياه تؤثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي، حيث يتم احتساب الموارد المائية المتاحة عند استصلاح أى أراضٍ جديدة، ما يؤدى إلى محدودية المساحات القابلة للزراعة.
معاناة الفلاحين
وأضاف أن الفلاحين يعانون من نقص المياه فى المناطق المستصلحة حديثاً، والمناطق النائية والصحراوية، وكذلك فى نهايات الترع، مما يؤدى لارتفاع تكاليف الإنتاج، ويضطر بعضهم إلى حفر آبار مياه جوفية بتكاليف مرتفعة لتعويض نقص مياه الرى.
وأشار أبو صدام إلى أن تكلفة المياه أصبحت عبئاً إضافياً على الفلاح، إلى جانب ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، وهو ما يتطلب بذل جهود كبيرة لترشيد استخدام المياه والحفاظ على الموارد المتاحة وتحقيق أقصى استفادة من كل قطرة مياه، ولذلك تم تقليل زراعة المحاصيل الشرهة للمياه مثل الأرز والقصب والموز، حيث تم خفض المساحة المزروعة بالأرز من حوالى مليونى فدان سابقاً إلى مليون و100 ألف فدان حالياً، مع التوسع فى زراعة الأرز الجاف والبنجر، كما تم تحديد مساحة زراعة القصب عند نحو 375 ألف فدان، فضلاً عن تقليص مساحات الموز لتصل حالياً إلى نحو 80 ألف فدان.
واعترف أن أزمة المياه تثير مخاوف بشأن المستقبل، خاصة بعد بناء سد النهضة، مشددا على أن التحول إلى نظم الرى الحديث يمثل محوراً أساسياً فى ترشيد المياه وزيادة الإنتاجية، ألا أن تكلفته المرتفعة تشكل عبئاً على الفلاحين .
وحذر أبو صدام من تفاقم الأزمة مستقبلاً فى ظل الزيادة السكانية وثبات الموارد المائية، رغم التوسع فى إنشاء محطات تحلية مياه الصرف الصحى والزراعي، والاتجاه لتحلية مياه البحر، والتى تظل مكلفة اقتصادياً ولا تصلح للزراعة، وإنما للاستخدام الآدمى فقط.
