أكل البواقي” ليس اختياراً.. بل اضطرار..
فوضى الأسعار تدفع الجميع نحو الفائض والرواكد في مشهد يلخص عمق الأزمة الاقتصادية، في زمن المنقلب السفيه السيسي وعصابته العسكرية، لم يعد السؤال في مصر "ماذا نأكل؟" بل "هل نستطيع أن نأكل أساساً؟".
فمع موجات الغلاء المتلاحقة وفوضى الأسواق، اتجه ملايين المصريين – بما فيهم الطبقة الوسطى وفوق المتوسطة – إلى ما كان يُعد في السابق "طعام الفقراء" بواقي الإنتاج، وفوائض المصانع، والسلع القريبة من انتهاء الصلاحية.
من المولات إلى “البواقي”: تحولات قاسية في سلوك الاستهلاك
ما يجري في الأسواق المصرية لم يعد مجرد تغير عابر، بل تحول هيكلي في نمط الاستهلاك.
فالأسر التي اعتادت الشراء من والمراكز التجارية، أصبحت اليوم تتردد على أسواق العتبة وباب البحر و”البالة”، بحثاً عن سلع أقل جودة لكنها أرخص سعراً.
هذه ا لأسواق، التي تقوم على بيع فائض الإنتاج أو رواكد المخازن أو سلع لم تستوفِ شروط التصدير، لم تعد حكراً على الفئات الأكثر فقراً، بل أصبحت ملاذاً لشرائح واسعة تحاول فقط “الصمود” أمام التضخم.
اللافت أن الإقبال لم يعد مقتصراً على الملابس، بل امتد إلى الغذاء نفسه.
منتجات قريبة من انتهاء الصلاحية، وأحياناً غير مكتملة المواصفات، أصبحت جزءاً من سلة الغذاء اليومية لكثير من الأسر.
هذا التحول يحمل دلالة خطيرة: تآكل القدرة الشرائية إلى حد دفع المواطنين للمخاطرة بجودة الغذاء، وهو ما لم يكن مقبولاً اجتماعياً قبل سنوات قليلة.
تضخم بلا سقف.. وأسواق بلا رقابة
ارتفاع أسعار الخضروات واللحوم والدواجن بنسب تقترب من 40%، وفق تقديرات متداولة في السوق، يعكس خللاً مركباً.
تجار يبررون الغلاء بزيادة تكاليف النقل والطاقة، وخبراء يشيرون إلى تأثيرات الحرب وسلاسل الإمداد، لكن النتيجة واحدة: المواطن هو من يدفع الثمن.
ويؤكد مراقبون أن المشكلة لا تتوقف عند العوامل الخارجية، بل تمتد إلى غياب الرقابة الفعالة، وترك الأسواق لآليات العرض والطلب في ظل احتكارات وتشوهات حادة.
ماذا يقول الخبراء؟
يرى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن انتشار “الأسواق البديلة” يعكس “انحداراً في جودة الاستهلاك”، وليس مجرد بحث عن السعر الأفضل، مؤكداً أن الطبقة الوسطى نفسها أصبحت تعيد تعريف أولوياتها تحت ضغط الغلاء.
في المقابل ، يشير نقيب الفلاحين حسين أبو صدام إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة الأعلاف والوقود، أدى إلى زيادات متتالية في أسعار الغذاء، ما انعكس مباشرة على المستهلك.
لكن خبراء آخرين – وفق نقاشات متداولة على منصات التواصل – يربطون الأزمة بسياسات اقتصادية أعمق، مثل الاعتماد على الاستيراد، وتراجع قيمة العملة، وغياب سياسات حماية اجتماعية فعالة.
السوشيال ميديا: دليل الفقراء الجدد
المفارقة أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت “دليل تسوق” للطبقة الوسطى، حيث تنتشر صفحات ومجموعات ترشد المستخدمين إلى أماكن بيع البواقي وأرخص الأسواق ومواعيد التخفيضات.
هذه الظاهرة تكشف عن تحول نفسي واجتماعي عميق: لم يعد الحديث عن التوفير سراً، بل أصبح ثقافة عامة، بل ومصدر “نصائح” يومية بين المستخدمين.
دلالات أخطر من مجرد غلاء
لجوء المصريين إلى “البواقي” ليس مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار، بل مؤشر على: تآكل الطبقة الوسطى بشكل متسارع تراجع جودة الحياة والمعايير الغذائية
انتقال المجتمع من الاستهلاك الطبيعي إلى “الاستهلاك الاضطراري”
اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار بشكل غير مسبوق في النهاية، ما يحدث في الأسواق ليس مجرد أزمة مؤقتة، بل جرس إنذار لتحول اقتصادي واجتماعي أعمق، عنوانه الأبرز: حين تضطر الطبقة الوسطى إلى أكل البواقي، فالأزمة تجاوزت حدود الاحتمال.
