في كل مرة يُعلن فيها عن وفاة أكاديمي أو عالم داخل السجون المصرية، لا يكون الخبر مجرد رقم يُضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات، بل جرحًا جديدًا في جسد وطن يُفرّط في أثمن ما يملك وهو عقول أبنائه، وفاة الدكتور نبيل جميل محمد إسماعيل داخل محبسه ليست حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة مؤلمة من "القتل البطيء" الذي تُتهم به منظومة الاحتجاز عبر الإهمال الطبي.
كان الرجل، كما يصفه أبناء المنيا، "طبيب الفقراء"، وهو لقب لا يُمنح بسهولة في مجتمع يعرف جيدًا من يقف إلى جوار البسطاء، لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل نموذجًا لطبيب حمل علمه إلى الناس قبل أن يحمله إلى قاعات المحاضرات، انتهت رحلته داخل زنزانة، بعد سنوات من الاحتجاز وتدهور صحي، دون رعاية كافية، بحسب شهادات حقوقية متكررة.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا لا تقف عند حدود هذه الحالة، بل تمتد إلى نموذج آخر لا يزال حاضرًا في الذاكرة الشعبية: باسم عودة، الذي عُرف بلقب "وزير الغلابة"، الرجل الذي نجح – خلال فترة قصيرة – في ضبط منظومة الدعم وتخفيف معاناة ملايين المصريين، يقبع هو الآخر خلف القضبان، بينما تعاني البلاد من أزمات اقتصادية خانقة.
هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا يُقصي المنقلب السفاح السيسي هذه النماذج او يقتلها بدلًا من الاستفادة منها؟
في لحظة تواجه فيها الدولة تحديات اقتصادية غير مسبوقة، وحروبًا إقليمية تلقي بظلالها الثقيلة على الداخل، تبدو الحاجة ماسة إلى كل عقل قادر على التفكير والحل، لكن الواقع يسير في اتجاه معاكس تمامًا: علماء، أساتذة جامعات، خبراء في مجالاتهم، يُتركون لمصيرهم داخل السجون، بعضهم ينتهي به المطاف إلى الموت، والبعض الآخر إلى تدهور صحي ونفسي لا يقل قسوة.
قضية الدكتور نبيل ليست الوحيدة. أسماء أخرى رحلت في ظروف مشابهة
العالم جلال عبد الصادق محمد السحلب، الذي أنهكه المرض داخل محبسه، ومسؤولون سابقون وأكاديميون انتهت مسيرتهم خلف القضبان بدل أن تستمر في خدمة المجتمع، المشهد يتكرر، والرسالة تتكرر: لا قيمة للعلم إذا اصطدم بالسياسة.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات لا تُفقد الدولة فقط خبرات نادرة، بل تُرسل إشارات سلبية لكل من يفكر في الإبداع أو التميز، حين يرى الباحث أو الأستاذ الجامعي أن مصير أقرانه قد يكون السجن أو الإهمال حتى الموت، فإن ذلك يقتل الدافع قبل أن يقتل الإنسان.
المعادلة هنا ليست حقوقية فقط، بل تنموية أيضًا، الدول لا تُبنى بالقمع، بل بالعقول، ولا تُدار الأزمات بإقصاء الكفاءات، بل باستدعائها، لكن ما يحدث هو العكس: استنزاف ممنهج لرأس المال البشري، في وقت تحتاج فيه البلاد لكل طبيب، وكل مهندس، وكل خبير اقتصاد.
من "وزير الغلابة" إلى "طبيب الفقراء"، تتجسد المفارقة في أبشع صورها: شخصيات صنعت فارقًا حقيقيًا في حياة الناس، لكنها انتهت بين جدران السجون، إما صامتة أو راحلة، والسؤال الذي يبقى بلا إجابة: هل يدرك النظام أنه يخسر مع كل حالة وفاة عقلًا لا يُعوّض؟
ربما تكون الإجابة واضحة في الواقع: حين تتحول السياسة إلى أداة للإقصاء لا للإدارة، يصبح موت العقول نتيجة طبيعية لا استثناء.

