“الصحفيون” بين استجداء “المِنح” واسترداد الحقوق المهدرة.. غضب بعد إعلان رشوان 30 مليون دعم!

- ‎فيتقارير

تتجاوز أزمة الموارد المالية في نقابة الصحفيين حدود لغة الأرقام وحسابات المكسب والخسارة، لتلامس صلب "المسؤولية الأخلاقية والمهنية" لمن يجلس على مقعد النقيب؛ فعندما يخرج رأس المنظومة النقابية، سواء كان ضياء رشوان الوزير الحالي ب"دولة" السيسي أو غيره ممن توالوا على هذا المنصب ليعلن عن تدفقات مالية جديدة للدعم، فإن الجماعة الصحفية تنتظر خطاباً مفرداته تنطلق من أرضية "المُطالب بالحقوق الأصيلة"، لا خطاب "الممتن للمنح والمكرمات" في يحصل المعينين من قبله على مبالغ طائلة وبحسابات الخبراء والمستشارين كونهم من أهل الثقة لديه.

هنا تتفجر الإشكالية الكبرى التي تثير غضب قطاع واسع من الصحفيين؛ فلو صدر هذا الإعلان عن وزارة المالية لكان سياقه يمكن تجاوزه واعتباره "طبيعياً"، بصفتها الجهة الحكومية المنوط بها إدارة الموازنة العامة ودعم المرافق الحيوية وفق المتاح من السيولة النقدية.

لكن عندما يبادر النقيب السابق ولدورتين بالتباهي بهذا الدعم وتوصيفه كـ"منحة استثنائية"، فإن ذلك يُقرأ نقابياً كتنازل طوعي ومجاني عن الهوية النقابية المستقلة التي يدركها ضياء وأمثاله.

وتتوقع الجماعة الصحفية أن تكون الهوية النقابية مستقلة، بمعنى أن "الحق القانوني الضائع" ليس "مكرمة حكومية" تُستجدى كل عام.

التوصيف يختزل "الحقوق القانونية الضائعة"—وفي مقدمتها نسبة الـ 1% من حصيلة الإعلانات المقررة قانوناً ودمغة الصحافة، إلى جانب عوائد الأصول المجمدة من تأجير أدوار مبنى النقابة والودائع البنكية—إلى مجرد إعانات دورية تُستجدى كل عام لإنقاذ الصناديق الخدمية من التعثر.

إن خطورة هذا التحول لا تقتصر على التوصيف اللفظي، بل تمتد لتضعف الموقف التفاوضي للنقابة في أي معارك تشريعية قادمة؛ إذ ترسخ لدى دوائر صنع القرار فكرة أن الصحفيين كيان يعيش على الدعم الحكومي، بدلاً من التعامل معهم كأصحاب حقوق مالية مهدرة بسبب تقاعس الجهات التنفيذية عن تحصيلها.

ولذلك، فإن ما يراه المنطق الرسمي إنجازاً وتنسيقاً ناجحاً، يراه المعسكر النقابي تراجعاً عن الدور الحقيقي للنقيب؛ حيث يتحول من مقاتل لتشريع آليات تحصيل الـ 1% من المنبع، إلى وسيط إداري يرجو دعماً مؤقتاً لا يسمن ولا يغني من جوع على المدى الطويل، ويترك الجرح الهيكلي دون علاج جذري.

وبين ما يراه البعض تدليساً مكشوفاً يراه صحفيون آخرون تراجعاً عن الدور النقابي الحقيقي، ويبدو أن النقيب بمن في ذلك الحالي خالد البلشي فضل ألا يقاتل لتشريع آليات تحصيل أموال النقابة واكتفى بالثناء ومجلس النقابة على دعم السيسي ب600 جنيه إضافي للبدل أو 30 مليون التي تباهى ضياء رشوان.

صراع التوصيف الإجرائي

المنطق الذي يحكم تصرفات المسؤولين الحكوميين والنقابيين على حد سواء يجعل من المسؤول الحكومي يتعامل على ما يبدو مع الدفاتر الرسمية للموازنة العامة؛ حيث لا يوجد محاسبياً بند تحت مسمى "مستحقات متأخرة لنقابة الصحفيين من الإعلانات"، لأن الدولة لا تقوم بتحصيل هذه النِّسب بنفسها، بل هي متأخرات وديون ميتة متراكمة بين النقابة والمؤسسات الصحفية والوكالات الإعلانية، وبالتالي، فإن خروج أي مبالغ من خزينة وزارة المالية لا يتم إجرائياً إلا تحت بند "اعتماد إضافي" أو "دعم استثنائي عاجل" يتم إقراره بناءً على مذكرات إنقاذ ترفعها الجهات المعنية.

ويستند الصحفيون إلى المادة رقم 90 من قانون النقابة رقم 76 لسنة 1970، والتي تفرض نسبة الـ 1% من إعلانات الصحف والمنصات لصالح صندوق المعاشات، ويرى النقابيون أن الدولة لو قامت بدورها الرقابي والتشريعي في إجبار مصلحة الضرائب على تحصيل هذه النسبة من المنبع، لما احتاجت النقابة إلى تقديم مذكرات لطلب الدعم السنوي من الأساس.

من عجز 2012 إلى دعم 2026

شهدت الموازنات المالية لنقابة الصحفيين تقلبات حادة تعكس غياب الاستدامة المالية والاعتماد المفرط على الحلول المؤقتة، وتوضح البيانات والتقارير المالية المعتمدة مسار هذه التحولات.

أزمة عامي 2012 و2013

شهدت هذه الفترة عجزاً مزامناً وخانقاً، حيث تفاقمت أزمة الـ 1% وتحولت إلى ديون ميتة لدى المؤسسات، ولتدارك الأمر، لجأت النقابة إلى مسارين؛ الدعم الحكومي المشروط لرفع البدل، ورفعته الحكومة أيضا، ومحاولة تفعيل "طابع الدمغة الصحفية" على الإعلانات، وهي الخطوة التي لاقت مقاومة عنيفة من وكالات الإعلان والمؤسسات الصحفية، بسبب الركود الاقتصادي لتبقى الأزمة دون حل تشريعي جذري من المنبع.

طفرة ميزانية عام 2016

 اعتمد مجلس النقابة في فبراير 2017 ميزانية عام 2016 محققاً فائضاً يقارب الـ 40 مليون جنيه (تم تحويل 27 مليوناً منها كودائع)، وارتفعت موارد النقابة الإجمالية إلى 62 مليون جنيه بفضل زيادة الدعم الحكومي والمجلس الأعلى للصحافة، إلى جانب طفرة في تحصيل مديونيات الـ 1% التي بلغت 4 ملايين جنيه خلال عامين (مقارنة بـ 70 ألف جنيه فقط سابقاً). وساهم هذا الفائض في رد 13 مليون جنيه من أقساط أراضي الإسكان، ورفع القروض للأعضاء بمقدار 10 أضعاف (بإجمالي 2.4 مليون جنيه)، فضلاً عن تحقيق فائض بمشروع العلاج بقيمة مليون و300 ألف جنيه بعد كشف وإصلاح بعض المخالفات.

الدعم المباشر لعام 2026

 تقدم ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، بمذكرة رسمية لوزير المالية لتخصيص دفعة استثنائية عاجلة بلغت 30 مليون جنيه لدعم الصناديق الخدمية بالنقابة تماشياً مع التوجيهات السياسية لمراجعة أوضاع المنظومة الإعلامية.

"الحق المهدر"

تؤكد الحسابات التقديرية أن سوق الإعلانات في مصر يقدر بمليارات الجنيهات، ولو تم تحصيل نسبة الـ 1% بشكل عادل وصارم من المنبع لتخطت عوائد النقابة السنوية حاجز الـ 30 إلى 40 مليون جنيه في سنوات الذروة، وهو ما كان سيكفي الصناديق الخدمية عوز الطلب المستمر للمعونات الحكومية.

ولتفادي الخلط الرقمي الشائع في الموازنة العامة للدولة، تتوزع بنود الدعم والإيرادات الإعلامية على ثلاث جهات مستقلة تماماً:

هذا الرقم كفيل وحده بتحقيق الاكتفاء الذاتي للصناديق الخدمية دون الحاجة لطلب معونات استثنائية، ويجب التمييز بين ثلاث جهات إعلامية أنشأها الانقلاب يفترض أنها مستقلة مالياً وإدارياً.

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (210 ملايين جنيه)

يُعد المجلس في هذا الشق مجرد "قناة عبور مالية"؛ حيث يُوجه هذا المبلغ بالكامل لتمويل بند "بدل التدريب والتكنولوجيا" المخصص للصحفيين المقيدين بالنقابة والعاملين في الصحف الخاصة والحزبية، أما نفقات تشغيل المجلس الإدارية، فتعتمد على التمويل الذاتي من رسوم تراخيص وتوفيق أوضاع الفضائيات والمواقع الإلكترونية والغرامات المهنية.

الهيئة الوطنية للصحافة (1.2 مليار جنيه)

 تُخصص هذه الموازنة الضخمة بالكامل لإدارة ودعم المؤسسات الصحفية القومية الثمانية (مثل الأهرام، الأخبار، الجمهورية، وغيرها) لسد عجز أجورها الجارية ومصروفاتها التشغيلية، ولا يؤول منها مليم واحد لخزينة نقابة الصحفيين في حين تسلم النقابة بدلات صحفيي هذه المؤسسات أولا وأحيانا بفارق أيام عن بدلات بقية الصحفيين في الصحف المستقلة والحزبية والصحفيين المستقلين.

وتتضمن هذه الموازنة 660 مليون جنيه كدعم جاري إضافي أقره البرلمان لمواجهة الارتفاع الجنوني في أسعار ورق الطباعة ومستلزمات الإنتاج.

الهيئة الوطنية للإعلام – ماسبيرو (38.6 مليار جنيه)

تمثل الموازنة الأضخم على الإطلاق في قطاع الإعلام الرسمي بالدولة، وتُستنزف بالكامل في تغطية الأجور الضخمة للعاملين بالتلفزيون والإذاعة المصرية، ومصروفات التشغيل الهندسية والبرامجية، فضلاً عن تسوية الديون وعجز النشاط المتراكم عبر العقود الماضية.
 

نقابة الصحفيين وميزانيتها الخدمية

تعتمد النقابة في تمويل خدماتها ذاتياً على اشتراكات رمزية وعوائد استثمارات محدودة للغاية لا تغطي نفقاتها. لذا، تطلب النقابة سنوياً دعماً مباشراً من وزارة المالية لسد عجز "بدل التدريب والتكنولوجيا" لصحفيي المؤسسات القومية، إلى جانب طلب مساعدات طارئة عند الأزمات—مثل دفعة الـ 30 مليون جنيه الأخيرة—لدعم صندوقي العلاج والمعاشات اللذين يعانيان من نزيف مستمر بسبب العجز عن تحصيل الحقوق القانونية من الإعلانات.

يظهر هذا الرصد الشامل أن الأزمة الحقيقية لنقابة الصحفيين ليست في شح الموارد المالية للدولة، بل في غياب الإرادة التشريعية لربط استقطاع نسبة الـ 1% من المنبع مباشرة عبر مصلحة الضرائب لصالح النقابة، فضلاً عن غياب التشريعات المنظمة لتحصيل النسبة ذاتها من سوق الإعلانات الرقمية (الديجيتال) الذي بات يبتلع الحصيلة الأكبر من الإنفاق الإعلاني.

إن استمرار هذا الخلل الهيكلي يجعل أموال الإعلانات "حقاً معطلاً" على الورق، ويجبر العمل النقابي على البقاء أسيراً في دائرة التنسيق السياسي والمالي مع الجهات التنفيذية لتأمين النفقات الجارية شهراً بشهر؛ وهو ما يفرض على المجالس النقابية القادمة خوض معركة تحويل "المكرمة الحكومية" إلى قانون وإرادة تشريعية لربط استقطاع نسبة الـ 1% من المنبع مباشرة عبر مصلحة الضرائب لصالح النقابة، وهو السبب الأساسي وراء استمرار هذا الخلل الهيكلي؛ مما يجعل أموال الإعلانات "حقاً معطلاً" على الورق، ويجبر العمل النقابي على البقاء في دائرة التنسيق السياسي والمالي مع الدولة لتأمين النفقات الجارية شهراً بشهر.