إثيوبيا وإسرائيل.. تحالف يتسع فوق مياه النيل والبحر الأحمر في ظل خنوع السيسي

- ‎فيتقارير

تدخل العلاقات المصرية-الإثيوبية مرحلة جديدة من التوتر، بالتزامن مع اتساع نطاق التعاون بين إثيوبيا وإسرائيل، في وقت تتداخل فيه أزمة سد النهضة مع تحركات أديس أبابا لتعزيز حضورها في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتنظر القاهرة بقلق إلى تنامي الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا، خصوصاً بعد التصريحات التي أطلقها السفير الإسرائيلي لدى أديس أبابا، أبراهام نغوسي، مؤكداً أن بلاده ستواصل دعم إثيوبيا بهدف مساعدتها على التحول إلى "قوة اقتصادية رائدة في أفريقيا".

ولا تنظر مصر إلى هذا التعاون باعتباره علاقة اقتصادية عادية، وفق مصادر مصرية مطلعة، وإنما تراقب مساراته في ضوء الملفات التي تمس أمنها القومي مباشرة، وفي مقدمتها مياه النيل، وسد النهضة، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل استمرار الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا بشأن القواعد القانونية المنظمة لتشغيل سد النهضة، وعدم التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن ملء السد وتشغيله، بالتزامن مع سعي إثيوبيا إلى تعزيز حضورها الإقليمي والحصول على منفذ بحري.

اتفاق المبادئ.. بداية الأزمة

تعود جذور الأزمة الحالية إلى اتفاق المبادئ الذي وقعته مصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم عام 2015، والذي مثّل إطاراً للتعامل مع سد النهضة، لكنه لم يحسم جميع التفاصيل الفنية والقانونية المتعلقة بقواعد الملء والتشغيل وآليات فض النزاعات.

ومنذ ذلك الوقت، استمرت المفاوضات بين الدول الثلاث من دون التوصل إلى اتفاق نهائي ملزم، فيما اكتملت مراحل رئيسية من بناء السد وبدأت إثيوبيا في تشغيله وتوليد الكهرباء منه.

وترى القاهرة أن غياب اتفاق قانوني ملزم يترك ملفاً بالغ الحساسية مفتوحاً أمام احتمالات الخلاف، خصوصاً أن مصر تعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل في احتياجاتها المائية.

وفي المقابل، تتمسك إثيوبيا بحقها في استغلال مواردها المائية، وتؤكد أن السد مشروع للتنمية وتوليد الكهرباء، وأنه لا يستهدف الإضرار بمصر أو السودان.

لكن الخلاف لم يعد محصوراً في الجانب الفني للسد، بعدما أصبح جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

لماذا تقلق القاهرة من إسرائيل؟

بحسب مصادر مصرية مطلعة، فإن القلق في القاهرة لا يتعلق بالتعاون الاقتصادي بين إسرائيل وإثيوبيا في حد ذاته، وإنما بتوقيت هذا التعاون واتساع مجالاته، بالتزامن مع الخلافات المصرية-الإثيوبية حول المياه والتحركات الإثيوبية المرتبطة بالبحر الأحمر.

وترى هذه المصادر أن الدعم الإسرائيلي لأديس أبابا يتجاوز الاستثمار التجاري التقليدي، خصوصاً مع دخول التعاون إلى مجالات التكنولوجيا والزراعة والصحة والطاقة والاستثمار، فضلاً عن التعاون الحكومي والتنسيق في المحافل الدولية.

وفي يوليو 2026، أشاد السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا بسد النهضة، ووصفه بأنه مشروع بالغ الأهمية لتوسيع قطاع الطاقة والتنمية الصناعية في البلاد على المدى الطويل، كما أثنى على جهود أديس أبابا في تطوير اقتصادها وقدراتها الرقمية.

وأشار السفير كذلك إلى وجود أكثر من 100 مستثمر إسرائيلي في إثيوبيا، ينشطون في قطاعات من بينها الزراعة والتكنولوجيا والرعاية الصحية، إضافة إلى بحث شركات إسرائيلية فرصاً استثمارية في مجالات الري بالتنقيط وإنتاج المحاصيل ومصائد الأسماك.

وتكشف هذه المجالات عن طبيعة تعاون يمكن أن يمنح إثيوبيا خبرات وتكنولوجيا واستثمارات تساعدها على تعزيز قدراتها الاقتصادية والإنتاجية، وهو ما تراقبه القاهرة في ضوء الخلافات القائمة بين البلدين.

إسرائيل تعلن هدفها بوضوح

في 5 سبتمبر 2026، أكد السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا أبراهام نغوسي أن إسرائيل ستواصل تعزيز دعمها لأديس أبابا بهدف مساعدتها على أن تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية.

وبحسب التصريحات التي نقلتها هيئة البث الإثيوبية، فإن التعاون بين البلدين يتركز على أربعة محاور رئيسية، تشمل التعاون والدعم المتبادل في المحافل الدولية، وتعزيز التعاون الحكومي، وتوسيع الاستثمارات الخاصة، إلى جانب تطوير العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية.

كما تحدث نغوسي عن روابط تاريخية وثقافية ودينية بين البلدين، وعن رغبة إسرائيل في تعزيز القدرات الاقتصادية الإثيوبية وتشجيع التكنولوجيا والابتكار ورفع الإنتاجية.

بالنسبة إلى القاهرة، فإن أهمية هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها الاقتصادي، وإنما في الإعلان الصريح عن هدف بناء إثيوبيا كقوة اقتصادية مؤثرة في أفريقيا، في وقت تسعى فيه أديس أبابا بالفعل إلى توسيع نفوذها الإقليمي.

"حروب المياه".. اتهامات وتحذيرات

ويرى مصدر مصري مطلع أن استمرار الخلاف بشأن سد النهضة، إلى جانب التحركات الإثيوبية المتعلقة بإعادة ترتيب استخدام مياه النيل، يثير مخاوف من وجود أبعاد جيوسياسية تتجاوز الخلاف المباشر بين دول حوض النيل.

ويذهب المصدر إلى حد الحديث عن"دوافع إسرائيلية خفية"وراء بعض التحركات الإثيوبية، معتبراً أن المياه يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط استراتيجية من دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وهذه الرؤية تظل تقديراً من المصدر وليست حقيقة مثبتة بصورة مستقلة، لكنها تعكس طبيعة القراءة المصرية لتشابك الملفات الإقليمية في المرحلة الحالية.

ويشير المصدر إلى أن القاهرة تواجه، في الوقت نفسه، ضغوطاً مرتبطة بملفات إقليمية أخرى، من بينها الحرب في غزة وقضية التهجير، والجدل بشأن ترتيبات الأمن الإقليمي، إلى جانب التحولات في السودان والصومال والبحر الأحمر.

ومن هذا المنظور، ترى القاهرة أن التعامل مع إثيوبيا لا يمكن فصله عن البيئة الإقليمية الأوسع التي تتحرك فيها إسرائيل وقوى أخرى لإعادة تشكيل موازين النفوذ.

البحر الأحمر.. العقدة الأخطر

يبدو أن البحر الأحمر يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في الحسابات المصرية.

فإثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ انفصال إريتريا، تسعى منذ سنوات إلى استعادة منفذ بحري، وتطرح الحصول على ترتيبات تمكنها من الوصول إلى البحر الأحمر أو استخدام موانئ في دول المنطقة.

وترفض القاهرة، وفق المصادر، أي ترتيبات ترى أنها تمنح إثيوبيا وجوداً عسكرياً أو نفوذاً دائماً في منطقة البحر الأحمر خارج الأطر القانونية والإقليمية المتوافق عليها.

ويقول مصدر دبلوماسي مصري: "إن المشكلة ليست في إثيوبيا باعتبارها دولة أفريقية، وإنما في أي تمدد خارج الأطر الدولية، مؤكداً أن القاهرة تتمسك بأن تظل منطقة البحر الأحمر خاضعة لترتيبات تحمي أمن الدول المطلة عليه وتحترم القانون الدولي".

ويأتي ذلك في ظل تحولات متسارعة في القرن الأفريقي، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على الموانئ والقواعد العسكرية والنفوذ الاقتصادي، ما يجعل أي تحرك إثيوبي باتجاه البحر الأحمر جزءاً من معادلة أمنية أكبر.

من المياه إلى النفوذ الأفريقي

لا تتوقف حساسية الملف عند حدود النيل والبحر الأحمر.

فإثيوبيا تمثل دولة محورية في منطقة القرن الأفريقي، وتمتلك تأثيراً في ملفات السودان والصومال ودول حوض النيل، كما تسعى إلى تعزيز حضورها داخل المؤسسات والمنظمات الأفريقية.

ومن ثم، فإن أي قوة دولية تساعد أديس أبابا على تطوير قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية أو توسيع علاقاتها الدولية يمكن أن تسهم، بصورة غير مباشرة، في تعزيز موقعها الإقليمي.

ويرى المصدر الدبلوماسي المصري أن إسرائيل قد تجد في إثيوبيا بوابة مهمة لتعزيز نفوذها داخل القارة الأفريقية، بينما ترى أديس أبابا في الشراكة الإسرائيلية فرصة للحصول على التكنولوجيا والاستثمارات والخبرات.

وهنا تتقاطع المصالح بين الطرفين: إسرائيل تريد توسيع شبكة نفوذها في أفريقيا، وإثيوبيا تريد بناء قدراتها الاقتصادية والسياسية وتعزيز موقعها الإقليمي.

لكن ما يبدو بالنسبة إلى الطرفين شراكة استراتيجية، قد يُقرأ في القاهرة باعتباره تحولاً في موازين القوى المحيطة بها.

القاهرة تتمسك بـ"الخطوط الحمراء"

في المقابل، تؤكد المصادر المصرية أن القاهرة لا تتعامل مع التطورات باعتبارها مقدمة حتمية لصدام عسكري، وإنما تتمسك بمسارات سياسية ودبلوماسية، مع الاحتفاظ بحقها في حماية مصالحها.

وتضع القاهرة، بحسب المصادر، عدداً من الثوابت في مقدمة حساباتها، من بينها التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل سد النهضة، وعدم الإضرار بالحقوق المائية المصرية، ورفض أي ترتيبات في البحر الأحمر ترى أنها تمس أمنها القومي أو تتجاوز القانون الدولي.

كما ترفض مصر، وفق هذه الرؤية، تحويل منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة لتغيير موازين القوى بصورة تهدد أمنها المائي والاستراتيجي.

وقد أكدت القاهرة مراراً أن قضية المياه تمثل مسألة أمن قومي، فيما صعّد مسؤولون مصريون لهجتهم بشأن إمكانية الدفاع عن المصالح المصرية في ملف النيل.

سد النهضة.. الخلاف الذي لم ينتهِ

ورغم مرور سنوات طويلة على بدء الأزمة، فإن عقدة سد النهضة لا تزال قائمة.

فالمفاوضات التي جرى استئنافها ثم تعثرت مجدداً لم تنجح في إنتاج اتفاق نهائي يحدد قواعد تشغيل السد وآليات التعامل مع فترات الجفاف والنزاعات المستقبلية.

وبالنسبة إلى مصر، فإن القضية الأساسية لم تعد مرتبطة ببناء السد فقط، بعدما أصبح واقعاً قائماً، وإنما بضمان ألا تتحول طريقة تشغيله إلى مصدر تهديد مستمر للأمن المائي المصري.

أما إثيوبيا، فتواصل التأكيد على أن المشروع حق سيادي وتنموي، وأنه لا يستهدف الإضرار بدولتي المصب.

وبين الموقفين، تتسع الفجوة السياسية، بينما تتغير البيئة الإقليمية المحيطة بالملف.

تحالفات جديدة ومخاوف مصرية متزايدة

تكشف التطورات الأخيرة أن أزمة سد النهضة لم تعد ملفاً فنياً بين القاهرة وأديس أبابا، بل أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية تشمل البحر الأحمر والقرن الأفريقي والسودان والصومال، فضلاً عن التنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا.

وفي هذه المعادلة، يأتي اتساع التعاون الإسرائيلي-الإثيوبي ليضيف عاملاً جديداً إلى حسابات القاهرة.

فإسرائيل تعلن صراحة رغبتها في مساعدة إثيوبيا على أن تصبح قوة اقتصادية رائدة في أفريقيا، وإثيوبيا تبحث عن شركاء يعززون قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية وموقعها الإقليمي، بينما تنظر مصر إلى أي تغير كبير في قدرات أديس أبابا من زاوية الأمن المائي والاستراتيجي.

وبذلك، يصبح السؤال بالنسبة إلى القاهرة ليس فقط: ماذا ستفعل إثيوبيا بسد النهضة؟، وإنما أيضاً: إلى أي مدى يمكن أن تصل شراكاتها الجديدة، ومن سيستفيد من تحولها إلى قوة إقليمية مؤثرة على ضفاف النيل والبحر الأحمر؟

وهذه المعادلة تجعل السنوات المقبلة حاسمة في تحديد شكل العلاقة بين مصر وإثيوبيا، ليس فقط بشأن مياه النيل، وإنما بشأن موازين القوى في منطقة تمتد من حوض النيل إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.