اتهامات باحتجازه وتعذيبه بعد انتقاده التطبيع مع "الكيان ".. ومنظمة حقوقية تطالب أبو ظبي بالكشف عن شهادة الوفاة وسجلات الاحتجاز ومكان دفنه
أثارت رواية جديدة بشأن ملابسات وفاة الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ عام 2019 تساؤلات حقوقية واسعة، بعدما أورد الصحفي الاستقصائي الأمريكي ماثيو كول، في كتابه الصادر حديثاً "أمراء ولصوص" (Princes and Thieves)، اتهامات تفيد بأن أجهزة أمن إماراتية احتجزت الصايغ وعذّبته حتى الموت، بعد أيام من نشره مقالاً انتقد فيه التطبيع مع إسرائيل ووصفها بأنها "عدو حقيقي وطبيعي".
وتأتي هذه الاتهامات لتعيد فتح ملف وفاة الصايغ، الذي أعلنت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية وفاته في 20 أغسطس 2019، بعد تسعة أيام فقط من نشر مقاله، من دون أن يوضح الإعلان الرسمي سبب الوفاة.
وبالتزامن مع صدور الكتاب، دعت منظمة "الديمقراطية الآن للعالم العربي" "DAWN" ثلاثة خبراء ومقررين خاصين بالأمم المتحدة إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الوفاة، مطالبة بالكشف عن الوثائق الرسمية المتعلقة بها، وعدم الاكتفاء بالرواية التي أعلنتها السلطات وقتها".
مقال ضد التطبيع قبل الوفاة بتسعة أيام
كان الصايغ، الذي توفي عن 64 عاماً، يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة "الخليج"، ورئاسة مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، والأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.
وفي 11 أغسطس 2019، نشر مقالاً في صحيفة "الخليج" بعنوان "إسرائيل عدونا الحقيقي ومشروع خطير"، وصف فيه إسرائيل بأنها عدو حقيقي وطبيعي، وانتقد دعاة التطبيع، متسائلاً: "من خوّل دعاة التطبيع بالتحدث باسم الجميع؟".
وبعد تسعة أيام، أُعلن عن وفاته في أبو ظبي، دون الكشف عن سبب الوفاة. وبعد نحو عام، وقّعت الإمارات اتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل ضمن اتفاقات أبراهام، وهو ما أعاد ربط توقيت وفاة الشاعر بمواقفه المعلنة الرافضة للتطبيع، في ضوء الاتهامات التي ظهرت أخيراً "DAWN+1".
رواية عن اقتياده من منزله وتعذيبه
وبحسب ما أورده ماثيو كول في كتابه، واستناداً إلى مصدر وصفه بالسري، مع تأكيد المعلومات من مصدرين آخرين على الأقل، فإن عناصر أمن إماراتية داهمت منزل الصايغ في أبو ظبي بعد نشر مقاله، واقتادته من أمام زوجته إلى أحد مراكز الاحتجاز.
وتزعم الرواية أن الشاعر تعرض للضرب والتعذيب على مدار عدة أيام، وأن المحققين اقتلعوا عدداً من أسنانه باستخدام كماشة، وضربوه مراراً بأداة معدنية حادة، قبل أن يُفارق الحياة داخل زنزانته.
كما يتضمن الكتاب ادعاءات بشأن احتجاز جثمانه لأكثر من يوم، ومنع أسرته من رؤيته، ثم نقل رفاته لاحقاً من مقبرة البطين في أبو ظبي، حيث دُفن في البداية، وإعادة دفنه في قبر غير معلوم بمنطقة صحراوية، بما يحول دون وصول أسرته إليه.
وتشير الرواية التي نقلها الكتاب إلى أن استهداف الصايغ جاء على خلفية رفضه التطبيع مع إسرائيل وانتقاده التحولات السياسية المرتبطة به.
منظمة حقوقية تطالب بتحقيق أممي
من جهتها، وجهت منظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي» رسائل إلى ثلاثة من المقررين الخاصين بالأمم المتحدة، المعنيين بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفية، والتعذيب، وحرية الرأي والتعبير، مطالبة بفتح تحقيق مستقل في ملابسات وفاة الصايغ.
ودعت المنظمة إلى مطالبة السلطات الإماراتية بتقديم شهادة الوفاة والسبب المسجل فيها، وأي سجلات تتعلق باحتجازه، فضلاً عن الرد على الاتهامات الواردة في الكتاب، والسماح لأسرته وخبير مستقل في الطب الشرعي بالتحقق من موقع قبره وحالة رفاته.
كما طالبت بإحالة نتائج التحقيق إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والعمل على محاسبة أي مسئول يثبت تورطه في انتهاكات للقانون الدولي.
وقال رائد جرار، مدير قسم المناصرة في المنظمة، إن الاتهامات المتعلقة بتعذيب وقتل أحد أبرز شعراء الإمارات تستدعي تحقيقاً مستقلاً، مشيراً إلى أن السلطات الإماراتية لا ينبغي أن تتمكن من تجاهل الأسئلة المتعلقة بظروف وفاته دون تقديم إجابات واضحة.
وشددت المنظمة على أن ما ورد في كتاب ماثيو كول لم يخضع حتى الآن لتحقق مستقل من جانبها، لكنها اعتبرت أن خطورة الاتهامات، وما تتضمنه من تفاصيل قابلة للفحص الجنائي، تجعل فتح تحقيق دولي ضرورة لكشف الحقيقة.
أسئلة معلقة بعد سبع سنوات
وتعيد القضية طرح تساؤلات بشأن مصير الأصوات التي تنتقد السياسات الرسمية في الإمارات، خصوصاً أن وفاة الصايغ جاءت بعد أيام من نشره موقفاً واضحاً ضد التطبيع مع إسرائيل، بينما لم تكشف السلطات عن سبب وفاته في إعلانها الرسمي آنذاك.
كما أن الاتهامات المتعلقة باحتجازه وتعذيبه، وما قيل عن نقل رفاته إلى مكان غير معلوم، تضع مسألة الكشف عن الوثائق الرسمية وإتاحة الفحص المستقل أمام اختبار حقوقي وقانوني.
وفي الوقت الذي لم تتحول فيه رواية الكتاب إلى نتائج تحقيق قضائي أو جنائي معلنة، فإن مطالبة منظمة حقوقية للأمم المتحدة بالتحقيق تفتح الباب أمام مساءلة رسمية بشأن ما جرى، وتضع السلطات الإماراتية أمام أسئلة تتعلق بظروف الوفاة وسجلات الاحتجاز ومكان الدفن.