فلسطين في قلب المعركة الانتخابية الأمريكية.. تراجع الإجماع على ” الكيان الصهيونى “يصطدم بنفوذ «أيباك» والمال السياسي

- ‎فيعربي ودولي

تحولات لافتة في الرأي العام الأمريكي بعد انتخابات التجديد النصفي.. 50% يرون أن واشنطن تقدم دعمًا مفرطًا لإسرائيل، والشباب يقودون تغييرًا في اتجاهات التعاطف، بينما تواجه جماعات الضغط اختبارًا لسمعتها ونفوذها داخل الحزبين

لم يكن اسم فلسطين مطبوعًا على ورقة اقتراع واحدة في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، لكنه تحول إلى أحد الملفات السياسية الحاضرة بقوة في المشهد الانتخابي، في تطور يعكس انتقال القضية الفلسطينية من نطاق السياسة الخارجية إلى قلب النقاش الداخلي الأمريكي، وسط تراجع التأييد غير المشروط لإسرائيل، وتصاعد الانتقادات للمساعدات العسكرية الأمريكية، واحتدام المواجهة مع جماعات الضغط المؤيدة لتل أبيب، وفي مقدمتها منظمة «أيباك».

وبحسب الإسقاطات الانتخابية التي أوردتها تقارير يوم الاقتراع، انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، فيما شهدت الانتخابات مؤشرات لافتة على اتساع مساحة الخطاب المنتقد للسياسات الإسرائيلية. وفي ميشيغان، أُعلن فوز عبد السيد، الطبيب المولود لأبوين مهاجرين من مصر، بمقعد في مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضويته في تاريخ الولايات المتحدة.

ولم يقتصر خطاب عبد السيد على القضايا الاقتصادية والاجتماعية، بل وجّه انتقادات مباشرة إلى «أيباك»، ورفض استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في قتل الأطفال الفلسطينيين، في موقف يعكس تصاعد حضور القضية الفلسطينية في الخطاب الانتخابي الأمريكي.

وفي ولاية مين، أقرّت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز بهزيمتها أمام تروي جاكسون، الذي يصف ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية ويدعو إلى وقف المساعدات لإسرائيل، وهو توصيف تنفيه إسرائيل بشدة.

وفي تطور آخر، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشبكة «فوكس نيوز»، صباح يوم الاقتراع، عن وقف المساعدات السنوية لإسرائيل، المقدرة بنحو 4 مليارات دولار، بنهاية العام، متسائلًا عن سبب تحمل الجمهوريين الانتقادات السياسية بسبب دعم إسرائيل، ما دامت تل أبيب لا تحتاج إلى تلك الأموال.

لكن خبراء يرون أن تنفيذ هذا التوجه لن يكون سريعًا، بالنظر إلى أن تخصيص المساعدات يخضع لسلطة الكونغرس، بما يجعل التصريحات السياسية مختلفة عن القرارات المالية والتشريعية الفعلية.

وتكشف هذه التطورات عن تحول في طبيعة النقاش الأمريكي بشأن فلسطين، بعدما كانت القضية تُحاصر غالبًا داخل دوائر السياسة الخارجية، لتصبح موضوعًا حاضرًا في الحملات الانتخابية والبلديات وحسابات المتبرعين، حتى إن تحليلات إعلامية أمريكية باتت تتعامل معها باعتبارها شأنًا داخليًا أمريكيًا.

تحولات في الرأي العام.. الشباب يقودون التغيير

وتكشف استطلاعات الرأي عن اتساع الانتقادات الأمريكية لمستوى الدعم الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل، إذ أظهر استطلاع للناخبين عقب خروجهم من مراكز الاقتراع، نشرته شبكة «NBC»، أن 50% يرون أن بلادهم تقدم دعمًا لإسرائيل أكبر مما ينبغي، مقابل 37% يعتبرونه مناسبًا، ونحو 13% يرون أنه غير كافٍ.

وتزداد دلالة هذه النتائج عند النظر إلى الفئات العمرية، إذ ترتفع نسبة الرافضين لمستوى الدعم الأمريكي لإسرائيل إلى 76% بين الناخبين الشباب، مقابل 38% فقط بين من تجاوزوا 65 عامًا، كما رأى 63% من الناخبين أن قرار التدخل العسكري ضد إيران كان خاطئًا.

ولم يبدأ هذا التحول مع الانتخابات الأخيرة، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «جالوب» في فبراير الماضي تحولًا تاريخيًا في اتجاهات التعاطف الأمريكية مع طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعدما تقدم التعاطف مع الفلسطينيين على التعاطف مع الإسرائيليين للمرة الأولى منذ بدء قياس هذه الاتجاهات عام 2001.

وبحسب الاستطلاع، أعرب 41% من المشاركين عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين، مقارنة بـ 33% و46% على التوالي قبل عام.

وارتفعت نسبة التعاطف مع الفلسطينيين إلى 65% بين الديمقراطيين، كما تجاوزت النصف للمرة الأولى بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، مسجلة 53%، فيما تقدم التعاطف مع الفلسطينيين بين الفئة العمرية من 35 إلى 54 عامًا بنسبة 46% مقابل 28% للإسرائيليين.

وأظهر الاستطلاع نفسه تأييد 57% من الأمريكيين إقامة دولة فلسطينية، مقابل معارضة 28%، فيما عزز استطلاع جامعة كوينيبياك في يونيو الماضي اتجاه الانتقاد للدعم الأمريكي لإسرائيل، بعدما قال 48% من الناخبين المسجلين إن بلادهم تقدم لإسرائيل دعمًا أكبر مما ينبغي، وهي أعلى نسبة منذ طرح السؤال للمرة الأولى عام 2017.

ورغم دلالة هذه المؤشرات، فإنها لا تعني حدوث تحول شامل في المجتمع الأمريكي؛ فالفارق بين نسبة التعاطف مع الفلسطينيين والإسرائيليين في استطلاع «جالوب» لا يبلغ حد الدلالة الإحصائية، كما لا تزال إسرائيل تحظى بتأييد واسع داخل الحزب الجمهوري، إذ يميل نحو سبعة من كل عشرة جمهوريين إلى التعاطف مع الإسرائيليين.

كذلك لا تزال النظرة الإيجابية إلى إسرائيل، وفق الأرقام الواردة في المادة، أعلى من النظرة الإيجابية إلى الأراضي الفلسطينية، بنسبة 46% مقابل 37%.

لكن التحول الأبرز يرتبط بالفجوة بين الأجيال، إذ باتت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في وعي الشباب الأمريكي، الذين يتلقون جانبًا كبيرًا من المعلومات والصور المتعلقة بغزة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعيدًا عن الوسائل الإعلامية التقليدية التي كانت تتحكم لفترات طويلة في تحديد زوايا التغطية وصياغة الرواية.

وقد ساهم انتشار الصور والمقاطع القادمة من القطاع في فتح مساحة أوسع أمام الرواية الفلسطينية، ووضع السياسات الإسرائيلية أمام جمهور أمريكي لم يعد يعتمد على المصادر الإعلامية التقليدية وحدها.

«أيباك» تحت الضغط… المال لا يضمن السيطرة على الانتخابات

وتبدو المواجهة مع منظمة «أيباك»، إحدى أكثر جماعات الضغط نفوذًا في واشنطن، من أبرز مظاهر التحول الجاري داخل السياسة الأمريكية، بعدما أصبح اسم المنظمة عبئًا انتخابيًا على بعض المرشحين الذين كانوا يتنافسون سابقًا على الحصول على دعمها.

ففي ميشيغان، أنفقت ذراعها المالية، المعروفة باسم «مشروع الديمقراطية المتحدة»، أكثر من 30 مليون دولار لإسقاط عبد السيد خلال الانتخابات التمهيدية، في واحدة من أكبر حملاتها المالية، لكنها لم تنجح في تحقيق هدفها.

واللافت أن منافسه الجمهوري مايك روجرز طلب، بحسب تقارير صحفية، عدم إدارة المنظمة حملة لمصلحته، قبل أن يرحب بدعمها لاحقًا.

كما أعلن عدد من السياسيين والمرشحين البارزين قطع صلتهم بأموال المنظمة، ومن بينهم النائب سيث مولتون، فيما تعهد بذلك حاكما كاليفورنيا وإلينوي، وهما من الأسماء المطروحة للمنافسة في الانتخابات الرئاسية لعام 2028.

وبلغت الضغوط ذروتها في 21 أكتوبر الماضي، عندما أعلنت «أيباك» وقف تزكية المرشحين والتبرع المباشر لهم، وأقرت في رسالة إلى أعضائها بأن التحديات التي تواجهها ستتزايد خلال السنوات المقبلة.

ويمثل هذا الإعلان تطورًا لافتًا بالنسبة إلى منظمة طالما ارتبط نفوذها بقدرتها على تقديم الدعم المالي للمرشحين، والتأثير في نتائج الانتخابات التمهيدية والتشريعية.

لكن تراجع الحضور العلني للمنظمة لا يعني انتهاء نفوذها، إذ تشير بيانات أوردها تحقيق لموقع «ذا إنترسبت» إلى أن «أيباك» وذراعها المالية تدخلتا في 333 مقعدًا من أصل 473 مقعدًا جرى التنافس عليها خلال الدورة الانتخابية، وبلغ إجمالي إنفاقهما المباشر نحو 120 مليون دولار، مقابل 95 مليونًا في الدورة السابقة.

كما ظل المرشحون المدعومون من المنظمة يحققون انتصارات أكثر من الهزائم، وأسهمت المنظمة، إلى جانب دعم ترامب، في إقصاء النائب الجمهوري توماس ماسي في الانتخابات التمهيدية بولاية كنتاكي، كما دعمت ويسلي بيل في مواجهة النائبة كوري بوش بولاية ميزوري.

وتشير هذه الأرقام إلى أن ما تواجهه المنظمة لا يتعلق بالضرورة بانحسار قدرتها المالية، وإنما بتغير البيئة السياسية التي تعمل فيها، وارتفاع تكلفة الارتباط العلني بها بالنسبة لبعض المرشحين.

ولجأت الذراع المالية للمنظمة إلى ضخ نحو 13.1 مليون دولار عبر لجان سياسية أخرى، بعضها تأسس قبيل الانتخابات بأسماء لا تكشف بصورة مباشرة عن صلته بإسرائيل، ثم انتهى نشاطه بعد انتهاء مهمته الانتخابية، رغم رفض إحدى هذه اللجان اعتبار ذلك محاولة لإخفاء ارتباطها بالمنظمة.

كما أكد متحدث باسم «أيباك» لإذاعة «NPR» استمرار الرسالة والاستراتيجية، مشيرًا إلى أن أعضاء المنظمة قدموا للمرشحين مباشرة أكثر من 90 مليون دولار خلال الدورة الانتخابية.

وترى لارا فريدمان، رئيسة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط، أن العلامة التجارية للمنظمة أصبحت مصدرًا للضرر السياسي لبعض المرشحين، في إشارة إلى أن امتلاك الأموال لم يعد كافيًا لضمان الحصول على التأييد الشعبي.

وهكذا تواجه «أيباك» معادلة جديدة؛ فهي لا تزال تمتلك موارد مالية وشبكات تأثير واسعة، لكنها باتت مطالبة بإعادة النظر في أساليب عملها، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إليها وارتفاع حساسية الناخبين تجاه دور المال السياسي في تحديد مواقف الولايات المتحدة الخارجية.

اليهود الأمريكيون ليسوا كتلة واحدة

وفي خضم المواجهة مع جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، تبرز أهمية التمييز بين انتقاد السياسات الإسرائيلية ومنظمة «أيباك» من جهة، ومواقف اليهود الأمريكيين من جهة أخرى، إذ لا يصح التعامل مع اليهود باعتبارهم كتلة سياسية واحدة تتبنى موقفًا موحدًا من الحرب أو الدعم الأمريكي لإسرائيل.

فبحسب استطلاع الناخبين عقب الاقتراع، رأى 38% من الناخبين اليهود أن الدعم الأمريكي لإسرائيل مناسب، بينما اعتبره 33% غير كافٍ، ورأى 29% أنه مفرط.

وفي استطلاع أجرته مؤسسة «GBAO» في مارس الماضي لمصلحة منظمة «جي ستريت» الليبرالية المؤيدة لإسرائيل، عارض 66% من اليهود الأمريكيين إنفاق «أيباك» أموالًا جمعتها من متبرعين جمهوريين للتدخل في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، وارتفعت النسبة إلى 74% بين الفئة العمرية من 18 إلى 34 عامًا.

لكن استطلاعًا آخر خلال الفترة نفسها أظهر أن 39% من اليهود الأمريكيين ينظرون إلى «أيباك» بصورة إيجابية، مقابل 29% لديهم نظرة سلبية تجاهها.

كما برز خلال الانتخابات عدد من المرشحين اليهود المنتقدين للحرب الإسرائيلية، ومن بينهم براد لاندر وسكوت وينر.

وتعكس هذه المؤشرات تعدد الاتجاهات داخل المجتمع اليهودي الأمريكي، وتؤكد أن الصراع السياسي الدائر يتعلق بالسياسات والمواقف الانتخابية ودور جماعات الضغط، وليس بهوية دينية أو جماعية.

القدس.. مرآة لتحولات موازين القوة العالمية

ولا تتوقف دلالات التحولات الأمريكية عند نتائج الانتخابات أو مستقبل المساعدات العسكرية، بل تمتد إلى المكانة التاريخية والسياسية للقدس، باعتبارها إحدى أبرز ساحات التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط.

فقد ارتبط تاريخ المدينة على مدى قرون بتغير موازين القوة الإقليمية والدولية؛ إذ تسلّم الخليفة عمر بن الخطاب مفاتيحها بنفسه، في خطوة ارتبطت بعهد الأمان لأهلها، ثم سقطت في يد الحملة الصليبية الأولى عام 1099، قبل أن يستردها صلاح الدين الأيوبي عام 1187 عقب معركة حطين.

وانتقلت المدينة لاحقًا إلى الحكم المملوكي، ثم دخلت ضمن السيادة العثمانية في عهد السلطان سليم الأول بين عامي 1516 و1517، قبل أن تشهد عام 1917 دخول القوات البريطانية بقيادة الجنرال إدموند اللنبي.

وبعد الحرب العالمية الثانية، انتقل مركز التأثير الدولي تدريجيًا إلى واشنطن، التي أصبحت الراعي الرئيسي لإسرائيل، قبل احتلال إسرائيل الشطر الشرقي من القدس عام 1967.

وفي عام 2017، اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم نقل السفارة الأمريكية إليها في مايو 2018، في خطوة أثارت اعتراضات دولية واسعة.

وفي عام 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى عدم مشروعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يعكس استمرار الخلاف الدولي والقانوني حول وضع الأراضي الفلسطينية والقدس.

وتطرح هذه الخلفية التاريخية سؤالًا يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: إذا كانت القدس قد ظلت عبر القرون مرآة لموازين القوة العالمية، فماذا يعني أن يبدأ الإجماع السياسي الأمريكي على دعم إسرائيل في التصدع داخل عاصمة القوة الدولية الأكبر؟

وتذهب القراءة التي يقدمها النص إلى أن ما يجري لا يقتصر على تغير المواقف من قضية خارجية، وإنما يعكس تململًا داخل المجتمع الأمريكي نفسه، مع تزايد إدراك قطاعات من المواطنين لتأثير المال السياسي وجماعات الضغط في صياغة السياسة الخارجية، بالتزامن مع معاناتهم من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرتهم الاقتصادية.

فلسطين ليست السبب الوحيد.. الاقتصاد يتصدر أولويات الناخبين

ورغم أهمية التحولات التي كشفت عنها الانتخابات، فإن اختزال نتائجها في القضية الفلسطينية وحدها لا يتفق مع الأرقام المتعلقة بأولويات الناخبين.

فبحسب استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع، تصدر الاقتصاد قائمة القضايا المؤثرة في التصويت بنسبة 39%، تليه حالة الديمقراطية بنسبة 32%، بينما لم تتجاوز السياسة الخارجية 4%.

كما رأى كثير من الناخبين أن التصويت يمثل محاسبة لإدارة ترامب على ارتفاع تكاليف المعيشة، وليس استفتاءً مباشرًا على سياستها تجاه إسرائيل.

وحتى الحرب على إيران، التي أثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة، لم تكن العامل الأول لدى غالبية الناخبين، إذ جاءت خلف قضايا الغلاء والفساد في ترتيب الأولويات.

كذلك خاض عبد السيد حملته الانتخابية على مجموعة من القضايا الداخلية، من بينها الرعاية الصحية الشاملة وفرض الضرائب على الأثرياء، إلى جانب موقفه من الحرب في غزة.

ومن ثم، فإن القراءة الأكثر دقة تتمثل في أن فلسطين أصبحت جزءًا من حزمة أوسع من الغضب السياسي والاجتماعي، وليست السبب الوحيد وراء التحولات الانتخابية.

كما أن الحديث عن إنهاء المساعدات الأمريكية لإسرائيل يحتاج إلى قراءة أكثر حذرًا؛ فقد ربط ترامب إعلانه بالتفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي سبق أن تحدث عن رغبته في إنهاء اعتماد إسرائيل على المساعدات الأمريكية بنهاية العقد الحالي.

وكان السفير الأمريكي مايك هاكابي قد تحدث في يونيو عن إمكانية أن تقوم مذكرة التفاهم المقبلة بين البلدين على التجارة بدلًا من المساعدات.

وفي المقابل، اعتبر أنشيل بفيفر، كاتب سيرة نتنياهو، أن الإعلان المفاجئ يمثل إخفاقًا شخصيًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي، لكن إنهاء المساعدات لا يعني بالضرورة تفكيك التحالف الاستراتيجي بين البلدين، الذي يمتد إلى التعاون العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي والتجاري.

ومن جهة أخرى، يدافع مؤيدو «أيباك» عن نشاط المنظمة باعتباره عملًا مدنيًا مشروعًا، ويقولون إنها تضم خمسة ملايين عضو يؤيدون التحالف مع إسرائيل، مشيرين إلى أن أكثر من 215 مرشحًا دعمتهما المنظمة من الحزبين فازوا بترشيحات أحزابهم.

وفي أبريل الماضي، حذر اتحاد اليهودية الإصلاحية من أن بعض الخطابات الحادة ضد المنظمة تقترب من معاداة السامية، فيما شهدت ميشيغان جدلًا بشأن تصريحات لعبد السيد حول هجوم استهدف كنيسًا، اعتذر عنها لاحقًا.

كما استخدم ترامب خلال تجمع انتخابي وصفًا مثيرًا للجدل لعبد السيد، واعتبره عضوًا جهاديًا في جماعة الإخوان المسلمين، بينما رأى السيناتور بيرني ساندرز أن الهجمات عليه ترتبط بكونه مسلمًا.

وتكشف هذه الوقائع عن تعقيدات المشهد الانتخابي الأمريكي، حيث تتداخل انتقادات السياسات الإسرائيلية مع الاستقطاب الحزبي والديني، بما يجعل الفصل بين النقد السياسي والتحريض على أساس الهوية ضرورة للحفاظ على طبيعة النقاش العام.

كذلك لا يترجم تغير الرأي العام بالضرورة إلى قرارات تشريعية سريعة؛ ففي يوليو الماضي، رفض مجلس النواب تعديلًا قدمه توماس ماسي لوقف 3.3 مليارات دولار من التمويل العسكري لإسرائيل فورًا، رغم تأييده من 103 نواب ديمقراطيين من أصل 212، مقابل معارضة 98، ولم يؤيده من الجمهوريين سوى ماسي نفسه.

وتكشف هذه النتيجة عن استمرار الفجوة بين التحولات في اتجاهات الناخبين وبين قدرة المؤسسات التشريعية على تحويلها إلى قرارات ملزمة.

العالم العربي خارج المعادلة.. من يملك صناعة التأثير؟

وفي الوقت الذي تشهد فيه الولايات المتحدة نقاشًا متصاعدًا بشأن إسرائيل وفلسطين، تظل المجتمعات العربية، وفق القراءة المطروحة، بعيدة عن التأثير المباشر في مراكز صنع القرار الأمريكي، فلا تملك أدوات تحديد الموازنات أو توجيه صناديق الاقتراع في الولايات الحاسمة.

وتشير هذه القراءة إلى أن التحول في الوعي الأمريكي لم تصنعه البيانات الرسمية العربية أو المؤتمرات السياسية، بقدر ما ساهمت فيه الصور والمعلومات القادمة من غزة، وما حملته الحرب من خسائر بشرية وإنسانية هائلة.

وتضع هذه الحقيقة مسؤولية إضافية على المؤسسات الإعلامية ومراكز البحث والشباب العربي، خاصة في ظل الدور الذي أصبحت تؤديه المنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام العالمي.

وتتمثل إحدى أدوات التأثير في تقديم معلومات موثقة، والاعتماد على الأرقام الصادرة عن مصادرها الأصلية، وعدم تجاهل المعلومات التي لا تتفق مع المواقف المسبقة، لأن مصداقية الرواية أصبحت عنصرًا أساسيًا في قدرتها على الوصول إلى الجمهور الغربي.

كما تبرز أهمية إنتاج محتوى إعلامي بلغات متعددة، يخاطب المجتمعات الغربية بلغتها وأدواتها، ويستفيد من المساحة التي فتحتها وسائل التواصل الاجتماعي أمام الأفراد والمؤسسات المستقلة.

ويظل الفصل بين نقد السياسات الإسرائيلية ومعاداة الأديان أو استهداف الجماعات الدينية ضرورة سياسية وإعلامية، لأن الخلط بينهما يمنح المدافعين عن تلك السياسات فرصة لتحويل النقاش من مساءلة القرارات إلى اتهام منتقديها.

إلى جانب ذلك، يتطلب بناء التأثير طويل الأمد الاستثمار في مراكز البحث والتدريب والإعلام، بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل الموسمية أو الخطابات التي لا تترك أثرًا مستدامًا.

وتكشف انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وفق هذه المؤشرات، عن مرحلة جديدة من الجدل بشأن العلاقة مع إسرائيل، تتراجع فيها قدرة الخطاب التقليدي على احتكار النقاش، بينما يزداد حضور الأجيال الشابة والانتقادات الموجهة للمال السياسي وجماعات الضغط.

لكن هذا التحول لا يعني أن نفوذ «أيباك» انتهى، أو أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي أصبح مهددًا بصورة حاسمة؛ فالمؤسسة لا تزال تمتلك موارد مالية وشبكات سياسية واسعة، كما أن التغير في الرأي العام لم يتحول بعد إلى تغيير كامل في التشريعات والسياسات.

إنها معركة مفتوحة بين نفوذ سياسي ومالي راسخ، ووعي شعبي يتغير تدريجيًا، وبينهما تظل فلسطين حاضرة باعتبارها أحد الملفات التي تكشف التناقضات داخل السياسة الأمريكية نفسها.